حين يُقاس الإنسان بما يُنتج: كيف سلبتنا الوظائف هويتنا؟

في عالم يلهث خلف الأرقام، لم يعد السؤال: "من أنت؟"، بل: "ماذا تفعل؟ كم تكسب؟ ماذا تنتج؟".

تلاشت الهوية خلف البطاقة الوظيفية، وتحوّل الإنسان إلى أداة اقتصادية، يُقاس بفاعليته، لا بوجوده.
وما لم يكن له ناتج ملموس، يُهَمَّش، يُحتَقَر، أو يُستَبعَد... حتى لو حمل في داخله عالَمًا من المعنى.

الوظيفة: أداة للبقاء أم بديل عن الذات؟

في الأصل، كانت الوظيفة وسيلة للعيش الكريم.
لكنها تحوّلت مع الزمن إلى مرآة وجودية، من لا يعمل يُعدّ فاشلًا، ومن لا يُنتج يُعامل كعبء.
حتى الفنّان والمفكر، إن لم تُترجم أفكارهما إلى أرباح، يُسأل: "ماذا قدّمت؟ ما فائدتك؟"
كأن القيمة لا تُقاس إلا بما يمكن تعبئته في جدول إكسل.

من كائن إنساني... إلى "رقم إنتاجي"

لم تعد الشركات تبحث عن إنسان، بل عن "مُخرَج".
ولم تعد المقابلات تسأل عن الشغف، بل عن الأداء.
حتى علاقاتنا باتت مشروطة بالإنتاج:
– هل شريكك ناجح؟
– هل ابنك مجتهد؟
– هل صديقك مفيد؟
فإن لم يكن أحدهم "مُثمرًا"، أصبح غير مرغوب فيه، حتى داخل دائرة الحب.

البطالة ليست فقط انعدام الدخل... بل اختناق الوجود

أن يُترك الإنسان بلا عمل في هذا النظام، يعني أن يُسحب منه اعتراف العالم.
تُهمَّش كلمته، تُصادَر رؤيته، يُنظر إليه ككائن زائد عن الحاجة.
يبدأ هو نفسه بالتشكيك في قيمته:
"من أنا إذا لم يكن لي وظيفة؟ ما جدوى وجودي؟"
هكذا، تذوب الذات في غياب الاعتراف الاجتماعي... وتُختصر الحياة في عقد عمل.

النجاح الوظيفي... وهم الهُوية

نُربّى منذ الصغر على أن التفوق الدراسي يقود لوظيفة مرموقة، وهذه الوظيفة هي "تحقيق الذات".
لكننا لا نُسأل أبدًا:
– "هل تحب ما تفعل؟"
– "هل ترى نفسك في عملك؟"
– "هل تخرج من المكتب إنسانًا مكتملًا أم مُفرغًا؟"

الوظيفة أصبحت قناعًا، نرتديه لنبقى مقبولين.
نُخفي قلقنا، إبداعنا، وحتى اعتراضنا، كي لا نخسر ما يمنحنا "اعتراف السوق".

الخاتمة:

حين يُقاس الإنسان بما يُنتج فقط، تُفرغ الروح من معناها، ويُسحب منّا الحق في أن نكون... دون شروط.
الوظيفة ليست العدو، لكن تحويلها إلى مقياسٍ وحيد للجدارة هو ما يسلبنا هويتنا.
فنصبح أدوات — تنام وتعمل وتموت — دون أن تُتاح لها لحظة واحدة لتسأل:
"من أنا خارج هذه المهنة؟ وهل يحق لي أن أكون شيئًا آخر؟"

احصل على نسخة PDF

@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.