الوعي التاريخي

1971: العام الذي انهارت فيه القواعد… وبُني عليه عالم الأزمات المفتوحة

في عام 1971 لم يشهد العالم مجرد أحداث متفرقة، بل عاش لحظة كسر بنيوي في النظام الدولي، لحظة انتقلت فيها البشرية من مرحلة “النظام المُدار” إلى مرحلة “الفوضى المُقنّعة”. كثير مما نراه اليوم—من أزمات مالية، وانهيارات سياسية، وصراعات مفتوحة بلا أفق—ليس سوى امتداد مؤجل لقرارات واتجاهات ترسخت في ذلك العام تحديدًا. 1971: عام تفكك القواعد لا تبدل الحكومات بعكس الأعوام التي تُقاس أهميتها بسقوط نظام أو اندلاع حرب، تكمن خطورة 1971 في أنه نسف القواعد التي…

فلسطين: المقاومة والمواجهة داخل النظام العالمي المغلق

ليست حركة حماس مجرد فاعلٍ عسكري في قطاع غزة، ولا يمكن اختزال تجربتها في جولات قتال متقطعة مع إسرائيل. ما تواجهه الحركة – ومعها القضية الفلسطينية – يتجاوز منطق الصراع المحلي إلى الاشتباك مع نظامٍ دولي مغلق، صُمّم منذ عقود لمنع أي تحوّل تحرّري خارج قواعده. في هذا السياق، تصبح قراءة حماس ضرورة لفهم بنية العالم الراهن، لا لفهم غزة وحدها. أولًا: حماس كفاعل خارج القواعد منذ نشأتها، وُضعت حماس في خانة «الفاعل غير النظامي». فهي: لا تنتمي إلى دولة معترف …

حروب أسيا: الغزو الأمريكي لأفغانستان 2001: الحرب على الإرهاب وبقايا الإمبراطوريات

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، دخلت الولايات المتحدة مرة أخرى إلى أرض الجبال والأدغال الأفغانية ، لكن هذه المرة تحت شعار الحرب على الإرهاب. لم تكن الحرب فقط استجابةً لهجمات تنظيم القاعدة، بل امتدادًا لحقبةٍ طويلة من الصراعات على النفوذ في أفغانستان، التي شهدت عشرات السنين من الغزو والتدخلات الأجنبية. مثلما أظهرت الحرب السوفياتية حدود القوة الإمبراطورية، كشفت الحرب الأمريكية مرة أخرى صعوبة فرض السيطرة على بلدٍ يعيش وفق قوانينه الجغرافية والثقافية الخ…

تقسيم الدول العربية: سايكس-بيكو وولادة حدود جديدة

مع سقوط الدولة العثمانية نهاية الحرب العالمية الأولى، دخلت الأراضي العربية مرحلة جديدة من إعادة التشكل، لكنها لم تكن إعادة بناء ذاتية، بل إعادة رسم خارجي فرضته القوى الكبرى . بدأت الحقبة بوعود الاستقلال التي قدمتها بريطانيا وفرنسا للشعوب العربية أثناء الحرب ضد الأتراك، لكنها سرعان ما تبددت أمام مصالح الدول الأوروبية في المنطقة. الخلفية السياسية قبل التقسيم قبل عام 1918، كانت معظم البلاد العربية جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، تحكمها أنظمة محلية…

حروب أسيا: الحرب الأفغانية السوفياتية: نهاية إمبراطورية وبداية فوضى العالم

كانت أفغانستان دائمًا قلب آسيا النابض وممرّها التاريخي بين الشرق والغرب، لكنها في نهاية السبعينيات تحوّلت إلى ساحةٍ مكشوفة لحربٍ غير معلنة بين القوتين الأعظم. لم تكن حربًا كلاسيكية بقدر ما كانت حربًا على هوية المنطقة، وعلى روحها السياسية والدينية، في زمنٍ كانت فيه الحرب الباردة تتنفس آخر أنفاسها الساخنة. المشهد قبل الحرب: بلدٌ في صراعٍ داخلي قبل الغزو السوفياتي، كانت أفغانستان مملكةً محافظة يحكمها الملك ظاهر شاه حتى عام 1973، حين أطاحه ابن عم…

حروب أسيا: الحرب الهندية وانقسام القارة: حين ولّدت الإمبراطورية أُممًا متنازعة

لم يكن انقسام الهند مجرّد حدثٍ سياسي عابر، بل زلزالًا تاريخيًا غيّر ملامح جنوب آسيا إلى الأبد. من رحم الاستعمار البريطاني خرجت ثلاث دول متنازعة: الهند، وباكستان، ثم بنجلاديش ، بعد سلسلةٍ من الحروب التي لم تكن كلها عسكرية فحسب، بل اجتماعية ودينية وثقافية حملت بصمات القوى الكبرى التي صاغت موازين المنطقة منذ منتصف القرن العشرين. الهند تحت التاج البريطاني: مهد السيطرة ومصنع الانقسام منذ منتصف القرن التاسع عشر، أحكمت بريطانيا قبضتها على شبه القارة …

حروب أسيا: الحرب الفيتنامية: سقوط الإمبراطوريات في غابة آسيا

صراع العالم على أرض واحدة لم تكن الحرب الفيتنامية (1955–1975) مجرد صراع عسكري بين دولتين، بل كانت واحدة من أعقد وأطول حروب القرن العشرين، حيث التقت فيها الأيديولوجيات العالمية في ميدان واحد، واختُبرت فيها قدرة الولايات المتحدة على فرض نموذجها الليبرالي في مواجهة الموجة الثورية القادمة من الشرق. لقد كانت الحرب التي كشفت حدود القوة الأمريكية، وأظهرت أن السيطرة على الشعوب لا تتحقق بالدبابات وحدها، وأن الشعارات الكبرى يمكن أن تغرق في وحل الأدغال ال…

حروب أسيا: الحرب الكورية: جرح التقسيم وصراع القوى

لم تكن الحرب الكورية (1950–1953) مجرّد نزاعٍ محليّ بين شطرَي شبه الجزيرة، بل كانت واحدة من أوائل اختبارات الحرب الباردة بين الشرق والغرب. لقد تحوّلت كوريا إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ثم أصبحت رمزًا حيًا لانقسام العالم إلى معسكرين متواجهين. وبعد أكثر من سبعة عقود، ما زالت آثار ذلك الانقسام تُلقي بظلالها على الأمن الآسيوي، وتُستخدم كورقة ضغط في موازين القوى المتغيّرة اليوم. جذور الانقسام: من التحرير إلى الاح…

شعوب آسيا الجنوبية: خريطة الأعراق والقرابات الخفيّة

تبدو حدود آسيا الجنوبية كما نعرفها اليوم ثابتة سياسيًا، لكنها في حقيقتها خطوط وهمية فوق أرضٍ شهدت أعمق الامتزاجات العرقية في التاريخ. فبين إيران غربًا والصين شرقًا، تمتد فسيفساء بشرية متشابكة: أفغان، باكستانيون، هنود، بنغاليون، نيباليون، وبورميون، لكلٍّ منهم جذور مختلفة، لكنّهم يتقاطعون في طبقات من التاريخ والهجرات واللغات التي صاغت ملامحهم. هذا المقال محاولة لتوضيح تلك الخريطة البشرية، وبيان من يقترب من من، عرقيًا وثقافيًا ولغويًا. أولًا: الأف…

التواجد البريطاني في العالم العربي: النفوذ، السيطرة، والإرث المستمر

على مدى أكثر من قرن، لعبت بريطانيا دورًا محوريًا في تشكيل خريطة العالم العربي الحديثة، ليس فقط عبر الاحتلال المباشر، بل من خلال شبكة متكاملة من النفوذ السياسي، الاقتصادي، والثقافي . من مصر وبلاد الشام إلى الخليج واليمن، وصولاً إلى المغرب العربي، استخدمت بريطانيا أساليب مختلفة لضمان مصالحها الاستراتيجية، تاركة إرثًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا طويل الأمد لا يزال محسوسًا حتى اليوم. مصر: نقطة الانطلاق والسيطرة المباشرة بدأ النفوذ البريطاني في م…

بريطانيا: الهيمنة على العالم: 300 سنة من القوة والتأثير

بدأت بريطانيا رحلتها نحو الهيمنة العالمية في أوائل القرن السابع عشر، عندما أسست أول مستعمراتها في الأمريكتين، مثل جيمستاون في فرجينيا عام 1607 . كانت البداية محدودة، ومركزة على الموانئ الساحلية ومحطات التجارة البحرية ، حيث كان هدفها الأساسي تحقيق الربح الاقتصادي والاستفادة من الموارد الطبيعية المحلية. في تلك الفترة، لم تمتد السيطرة إلى الداخل أو السكان الأصليين، وظلت المجتمعات المحلية مستقلة نسبيًا، مع استمرار حكم الأمراء والسلاطين المحليين في …

التبت: بين الجغرافيا والوصاية: من الدولة الروحية إلى المنطقة ذات الحكم الذاتي

ليست التبت مجرد هضبة شاهقة أو أرض بوذية بعيدة عن ضجيج السياسة، بل كانت عبر قرون طويلة كيانًا روحيًا وسياسيًا مستقلًا ، له لغته ونظامه الديني والإداري الخاص. لكن في القرن العشرين، تحوّلت هذه المنطقة من مركز حضاري ديني إلى رهينة موقعها الجغرافي في معادلات القوة بين الصين والهند والعالم. الصين لم ترَ في التبت أرضًا “غريبة” بل “مفتاحًا” ضروريًا لأمنها القومي ومصدرًا مائيًا واستراتيجيًا لا يمكن التفريط فيه. وهكذا دخلت الهضبة الأعلى في العالم في …

المدن العشوائية والجبر السياسي: لماذا يُترك الممكن غير مستغل؟

الحياة البشرية أثبتت عبر التاريخ أن الإنسان قادر على بناء رفاهيته تدريجيًا، حتى من أبسط الظروف. القرى النائية والمستوطنات الصغيرة، بلا رفاهية أو بنية تحتية كاملة، لا تمنع سكانها من العيش والتكيف، ومع مرور الوقت تتحول بعض هذه القرى إلى مدن عامرة. لكن الواقع المعاصر يظهر تناقضًا صارخًا: مدن مكتظة بالسكان في مناطق عشوائية، وأراضٍ صالحة للتطوير متروكة بلا استغلال . التطور التدريجي للرفاهية: تجربة الإنسان كمقياس مثل المولود الصغير الذي يُترك يتقلب وي…

تنامي الاحتجاجات والشباب في الشرق الأوسط: من دعوة التغيير إلى إعادة ضبط النظام

لم تعد الاحتجاجات في الشرق الأوسط حدثًا طارئًا يُقاس بعدد المشاركين أو مدّة الاعتصام، بل صارت ظاهرة اجتماعية–سياسية عميقة تُعبّر عن مأزق بنيوي في علاقة السلطة بالمجتمع. في الظاهر، تبدو كأنها حركات شبابية تطالب بالعدالة والحرية، لكن في العمق، هي معارك وعي بين جيلٍ يريد بناء شرعية جديدة، وأنظمةٍ تُحاول ترميم شرعية متهالكة عبر إعادة ضبط شكل النظام لا جوهره. اللافت اليوم ليس عودة الاحتجاجات، بل الطريقة التي يتعامل بها النظام الإقليمي معها: بالقمع …

طريق التحرير: من تحرر أفغانستان إلى نهوض فلسطين.. سقوط أسطورة السيطرة الغربية في الشرق

تحررت أفغانستان حين اكتشفت أن القوة لا تُهزم بالقوة، بل بإسقاط سرديتها . وسيتحرر الفلسطيني حين يدرك العالم أن الاحتلال ليس جيشًا فقط، بل نظام وعيٍ تفرضه الإمبراطورية . الطريقان واحد: كلا الشعبين عاشا تحت الاحتلال باسم “الشرعية الدولية”، وقاوما في عالمٍ يرى حريته الخاصة حقًا مطلقًا، وحريتهم هم “تهديدًا للنظام”. لكن الزمن تغيّر، وها هو الغرب يواجه الحقيقة ذاتها التي واجهها في كابل: أن السيطرة على الشرق لم تعد قابلة للاستمرار . أولًا: تحرر أفغ…

تحميل المزيد
لم يتم العثور على أي نتائج