الملف الاقتصادي

لماذا نتسابق في اقتناء تقنيات لا نستخدمها؟

في عالمٍ يتسارع فيه الابتكار التقني، يبدو الإنسان أكثر امتلاكًا للأدوات… وأقل استخدامًا لها. نشتري أجهزة تتجاوز حاجاتنا، ونحدّث تقنيات لم نستهلك إمكاناتها أصلًا، وكأن الفعل لم يعد هو الغاية، بل الاقتناء ذاته. هذه المفارقة ليست صدفة، بل نتاج منظومة اقتصادية وثقافية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتقنية. ما نعيشه ليس وفرة أدوات، بل فائض أوهام. من الأداة إلى الرمز: حين تفقد التقنية معناها الوظيفي التقنية في أصلها وُجدت لتخدم حاجة عملية واضحة. لكن…

الحظر على هواوي: حرب تقنية واستراتيجية بين الصين وأمريكا

في قلب النزاع الأمريكي–الصيني المعاصر، يتموضع قطاع التكنولوجيا المتقدمة بوصفه ساحة الاشتباك الأكثر حساسية في ما يمكن تسميته بـ«الحرب الباردة الجديدة». فالحظر الذي فرضته الولايات المتحدة على شركة هواوي، والذي بدأ ظاهريًا كقرار تجاري، لم يكن في جوهره سوى إجراء استراتيجي يهدف إلى كبح صعود الصين التكنولوجي، ومنع تمدد نفوذها داخل الأسواق والبنى التقنية العالمية. لم يكن القرار موجّهًا إلى شركة بعينها، بل كان جزءًا من مقاربة أمريكية أشمل لاحتواء دولة…

عندما يُدفن التقدم: كيف تُدار عملية منع الاختراعات المفيدة للبشر؟

ليس كل ما لم يظهر إلى العلن غير موجود، وليس كل ما لم يُستخدم غير قابل للاستخدام. في تاريخ التقدم العلمي، ثمة مسافة صامتة بين ما يُكتشف وما يُسمح له بأن يصبح واقعًا. هذه المسافة لا تحكمها حدود العلم، بل منطق المصالح، حيث يتحول الابتكار من وعدٍ بالتحرر إلى خطرٍ على منظومة قائمة. هنا لا يُمنع التقدم لأنه مستحيل، بل لأنه غير مربح أو غير قابل للضبط. الابتكار كتهديد لا كفرصة في الخطاب السائد، يُقدَّم الابتكار بوصفه محرك الرأسمالية الحديثة، لكن هذا صحي…

الكريسماس: كيف تحوّل عيدٌ مختلفٌ عليه دينيًا إلى طقسٍ عالميٍّ مفروض؟

لا يحتفل العالم بالكريسماس لأنه يؤمن به، ولا لأنه متفق على دلالته الدينية أو تاريخه، بل لأنه بات جزءًا من بنية ثقافية واقتصادية كونية لا تترك مجالًا للاختيار. المفارقة أن هذا العيد، المختلف عليه حتى داخل المسيحية نفسها، تحوّل إلى طقس عالمي يتجاوز العقائد والحدود. السؤال الحقيقي ليس: لماذا يحتفل الناس بالكريسماس؟ بل: كيف ولمصلحة من أُعيد تعريفه بهذه الصورة؟ أولًا: عيد بلا تاريخ… ولا إجماع ديني من الناحية التاريخية، لا يوجد دليل حاسم…

انهيار التوازن بين الدولة والمنتجين: المزارعون في مواجهة اقتصاد السوق الأوروبي

من ينتج لا يقرّر: احتجاجات المزارعين وانهيار العقد الزراعي في أوروبا ما يجري في شوارع أوروبا من سكبٍ للحليب ورميٍ للبطاطس ليس فوضى احتجاجية ولا انفعالًا غاضبًا، بل لحظة كاشفة لانهيار توازن قديم بين الدولة والمنتج. حين يتعمد المزارع إتلاف غذائه علنًا، فهو لا يحتج على السوق فقط، بل يعلن أن العلاقة بين العمل والقيمة قد انقطعت، وأن الزراعة لم تعد مكانًا مضمونًا داخل النموذج الاقتصادي الأوروبي. هذه الاحتجاجات لا تعبّر عن أزمة قطاعية، ب…

الدولار يضعف.. لكن من يربح؟ .. قراءة في أسطورة تراجع الهيمنة المالية

في كل مرة يهتز فيها الدولار أو يتراجع أمام بعض العملات، تتعالى الأصوات لتُعلن نهاية الهيمنة الأمريكية وسقوط العرش المالي الذي حكم العالم منذ الحرب العالمية الثانية. لكن هذه الحماسة كثيرًا ما تُخفي سؤالًا أكثر عمقًا: هل تراجع الدولار الحقيقي يعني تراجع القوة أم إعادة توزيعٍ ذكيّ للأرباح؟ بين خطاب الانحدار وتضليل الأرقام، يظل الواقع أكثر تعقيدًا من توقعات الحالمين بعالم “ما بعد الدولار”. فالمسألة ليست سعر صرف صاعدًا أو هابطًا، بل بنية سلطة اقتصاد…

فوز ممداني في نيويورك: الانتخابات المحلية كمختبر سياسي عالمي

أكثر من انتخابات: عندما تتحول نيويورك إلى مختبر عالمي في الظاهر، قد تبدو انتخابات بلدية نيويورك حدثًا داخليًا محدود الأثر، لكن فوز ممداني يكشف عن آليات أوسع للتأثير السياسي والاقتصادي والجيوسياسي . اللافت أن العالم لم يمنح نفس الاهتمام للانتخابات السابقة، ما يعكس حسابات دقيقة لصناع القرار العالميين، ورغبتهم في رصد التحولات الرمزية والعملية التي قد تُعيد تشكيل المشهد الأميركي والدولي على المدى المتوسط. كسر التقليدية: الفوز الذي يغير قواعد اللعب…

الشلل الحكومي في الولايات المتحدة.. كشف ما وراء الرواية

دخلت الحكومة الفيدرالية الأمريكية في حالة شللٍ يوم 1 أكتوبر 2025، بعد فشل United States Congress في إقرار تمويلٍ جديد للمصروفات، ما جعلها تتجاوز أطول فترة إغلاق حكومي في تاريخ البلاد. ما بين العناوين الإعلامية التي تقدّم هذه الأزمة باعتبارها “خلافاً بين الحزبين” أو “توقّفاً مؤقتاً” تكمن حقيقة أكثر تعقيداً، تتعلق بتركيب السلطة الفعلية داخل الدولة الأميركية، وديناميات الاقتصاد السياسي التي لا تُروى. في هذا المقال — سنفكّك الخطاب السائد وراء هذا ا…

الاقتصاد التابع: الازدهار الظاهر والسيادة المفقودة

في كثير من الدول التي تُصنف على أنها “ناجحة اقتصاديًا”، تبدو الأرقام الرسمية رائعة: صادرات مرتفعة، صناعات متقدمة، ونمو سنوي إيجابي. لكن عند النظر عن كثب، يظهر الفارق بين الواجهة المعلنة والواقع المعاش . فالاقتصاد قد يكون مزدهرًا شكليًا، لكن السيادة الحقيقية على الموارد والقرار الاقتصادي غالبًا غائبة . 1. ملكية الإنتاج: من يملك الثروة فعليًا؟ العديد من الصناعات الرئيسية — سواء في التكنولوجيا، الطاقة، أو الموارد الطبيعية — تمتلكها غالبًا شركات …

تايوان: تحالف التاجر والقاتل.. وإعادة هندسة النفوذ في المحيط الإندو-هادئ

منذ عقود وتايوان تُقدَّم في الإعلام الغربي بوصفها «جزيرة الديمقراطية الصغيرة» التي تتحدى التنين الصيني، وكأنها الحصن الأخير للحرية في وجه الاستبداد الشرقي. غير أن هذه الصورة المصنوعة بعناية تخفي تحتها شبكة معقدة من المصالح الصناعية والعسكرية والمالية التي تتشابك بصمت بين واشنطن وبكين. فالجزيرة التي تُنتج الرقائق الدقيقة التي تدير الاقتصاد الرقمي العالمي، باتت اليوم ساحة التقاء بين تكنولوجيات الغرب وطموحات الشرق، ومختبرًا لتجريب شكل جديد من الصرا…

اقتصاد النموّ الزائف: كيف يحكم خطاب العدالة والرفاه صناعات التنويم الإعلامي؟

منذ نهاية القرن العشرين، أصبح «النموّ الاقتصادي» بمثابة المِحرَكَ المحوري لكل سياسات الدول، وعُنُوانًا لا مناص منه في وسائل الإعلام. يُسوَّق كشرط مسبق للعدالة، وللوصول إلى «رفاه شعبيّ»، حتى بات شعارًا رصينًا لا يُنقّب عنه. غير أن هذا الشعار يخفي خلفه مساراتاً معقّدة من التبعية الاقتصادية، وإعادة إنتاج هيمنةٍ رأسمالية، وتوظيفاً إعلامياً للوعي الجمعي — ما يجعل النموّ ليس مجرد هدفاً اقتصادياً، بل مشروعا دعائياً يُعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجت…

المشروبات الغازية.. من ماء الحياة إلى فقاعات الاستهلاك

البداية: حين كان الانتعاش اكتشافًا علميًا في أواخر القرن الثامن عشر، لم يكن الناس يعرفون معنى "الماء الغازي". كان العالم الإنجليزي جوزيف بريستلي يجري تجاربه على الغازات حين اكتشف صدفة أن الماء إذا أُشبِع بثاني أكسيد الكربون تحت الضغط، اكتسب طعمًا مميزًا وإحساسًا فوّارًا في الفم. كان الأمر في بدايته تجربة كيميائية بحتة ، ثم تحوّل إلى ظاهرة اجتماعية صغيرة حين بدأ البعض يشربه بوصفه ماءً «منعشًا» و«نقيًا». في ذلك الزمن، كان الناس يربطون…

آسيا-المحيط الهادئ: صعود التوازنات الجديدة وعودة واشنطن المأزومة

لم تكن زيارة دونالد ترامب إلى كوالالمبور لحضور قمة الآسيان حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل تجلّيًا لتحوّل عميق في الجغرافيا السياسية لمنطقة آسيا–المحيط الهادئ. فالمنطقة التي كانت لعقود مسرحًا لصعود الصين، وموطئ أقدام لسياسة الانكماش الأميركية، تشهد اليوم استدارة استراتيجية أميركية متوترة، تحاول واشنطن عبرها أن تعيد تموضعها في قلب المعادلة الجيوسياسية، بعد أن وجدت نفسها محاصرة بين صعود آسيوي متسارع وتراجع داخلي يهدد شرعيتها الدولية. من "الاحت…

الدراجات الصينية: هيمنة ناعمة تغزو الشوارع

في العقدين الأخيرين، لم يعد غزو الصين للأسواق العالمية يقتصر على الإلكترونيات أو الأدوات المنزلية، بل امتدّ إلى قطاع المركبات الخفيفة والدراجات النارية، حيث أغرقت الأسواق بمئات الموديلات وبأسعار لا تكاد تُصدق. لم يكن هذا الانفجار في التنوع مجرّد نتاج تنافس صناعي، بل خطوة محسوبة ضمن مشروع هيمنة اقتصادية هادئة الملامح، تُمارس نفوذها عبر الحديد والوقود بدل الدبلوماسية والبيانات. الإغراق كأداة للسيطرة تتبع الصين في هذا المجال ما يُعرف بـ"الإغ…

التخطيط العمراني كأداة لإعادة تشكيل الهوية الثقافية والسياسية

في العديد من المجتمعات، يُعتبر العمران أكثر من مجرد مبانٍ وشوارع؛ إنه تجسيد حي للذاكرة الجماعية، والهوية الثقافية، والتاريخ المشترك. ومع ذلك، شهدت بعض الدول عمليات هدم منهجية لأحياء تاريخية وثقافية تمتد جذورها لقرون، بهدف بناء مشاريع تجارية أو سياحية حديثة. هذه التحولات العمرانية لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل تحمل في طياتها أهدافًا سياسية وثقافية عميقة. الهدم كأداة لإعادة تشكيل الهوية يُستخدم الهدم المنظم للأحياء التاريخية كوسيلة لإ…

نيسان: شركة على مفترق التاريخ

لم تكن نيسان يومًا مجرّد اسم في عالم السيارات، بل كانت تجسيدًا لمرحلة كاملة من الطموح الصناعي الياباني الذي جمع بين الحرفية والابتكار. غير أنّ العقود الأخيرة حملت للشركة ما يشبه الانحدار البطيء نحو فقدان البوصلة، إذ تراكمت أزماتها حتى غدت نموذجًا على تآكل الرؤية في الشركات الكبرى حين تتآكل قدرتها على قراءة التحولات. ما تعانيه نيسان اليوم ليس أزمة مبيعات أو أرباح فقط، بل أزمة هوية استراتيجية عميقة تكشف هشاشة بنيتها الإدارية والفكرية أمام التحوّل …

تحميل المزيد
لم يتم العثور على أي نتائج