
"العدو المثالي": ضرورة سياسية لا خيار أخلاقي
في كل مرحلة تاريخية، تحتاج القوى الكبرى إلى عدو خارجي تُبرّر به سياساتها التوسعية، وتحشد به الرأي العام خلفها. بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، بدأت الولايات المتحدة تبحث عن "عدو جديد" يملأ الفراغ، فاختارت الإرهاب، ثم الإسلام السياسي، ثم اليوم: الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية.
لكن ما يلفت النظر أن صورة العدو لا تُبنى بناءً على "ما يفعله" فقط، بل على "كيف نريد أن نراه". فالعدو ليس بالضرورة أكثر دموية، بل أكثر ملاءمة للسردية الإعلامية.
إيران: الشر الذي لا يُمحى
تُقدَّم إيران في الإعلام الغربي منذ عقود باعتبارها دولة مارقة، تدعم الإرهاب، وتقمع الحريات، وتهدد أمن العالم. هذه الصورة ترتكز على عناصر مُكرّسة بعناية:
- التركيز المفرط على الشعارات الثورية، وتجاهل خطاب الدولة العقلاني في كثير من المواقف.
- إبراز مشاهد العقوبات والاحتجاجات، وتغييب كل صور التنمية أو التحوّل الاجتماعي.
- تصوير أي حراك داخل إيران كتمهيد لانهيار النظام، بينما تُمنح دول استبدادية أخرى غطاءً إعلاميًا كاملًا.
ما لا يُقال غالبًا: أن إيران، رغم انتقاداتها المحقة، لم تُغزُ بلدًا، ولم تُقصف بقرار منفرد، بينما سُحِقت دول كاملة دون ضجيج إذا كانت لا تُهدّد مصالح الغرب.
كوريا الشمالية: الكاريكاتير الذي لا يُناقَش
لا يوجد بلد صُوّر بصورة أكثر سخرية وتشويهًا مثل كوريا الشمالية. يظهر زعيمها في الإعلام الغربي دائمًا بشكل هزلي، كاريكاتوري، يُضحك ويُرعب في الوقت ذاته. يتم اختزال دولة كاملة في صورة "ديكتاتور غريب الأطوار" يهدّد العالم كلما شاء.
ورغم أن هناك انتقادات حقيقية لنظام كوريا، إلا أن:
- الإعلام لا يُناقش دور الغرب في عزلها الاقتصادي والتكنولوجي الخانق.
- لا يُقارَن خطاب كوريا النووي بخطاب إسرائيل أو باكستان، رغم امتلاكهم نفس القدرة.
- لا يُبرز وجود تفاهمات دبلوماسية جارية أو مساعٍ من بعض الدول للتهدئة.
هكذا تُبنى صورة لا تسمح بأي تعقيد أو تفهّم، بل تسوّق فقط لمشهد واحد: "العدو الذي قد يطلق القنبلة في أي لحظة".
روسيا: من شريك إلى شيطان
ربما أكثر قصة إعلامية دراماتيكية هي قصة روسيا. بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، روّج الإعلام الغربي صورة روسيا الجديدة كشريك محتمل. لكن بعد صعود بوتين، وانهيار وهم الهيمنة الأميركية على العالم، تغيّرت السردية تمامًا.
مع كل تدخل روسي – في جورجيا، القرم، سوريا، وأخيرًا أوكرانيا – تحوّلت روسيا إلى "عدو الحضارة الغربية"، وعاد الإعلام يستخدم نفس قواميس الحرب الباردة:
- يُعاد إنتاج صورة "الدب الروسي المتوحش".
- يُسكت أي تحليل موضوعي لتاريخ الصراع أو توسع الناتو شرقًا.
- تُشيطن شخصيات روسية ثقافية وفنية ورياضية، في حملة لا تفرق بين الدولة والشعب.
ما يغيب عن الخطاب الإعلامي: أن هناك تاريخًا طويلًا من الوعود الغربية التي تم التنصّل منها، وأن روسيا، رغم عدوانها، ليست الوحيدة التي تنتهك القانون الدولي.
متى تتغيّر الصورة؟ ومن يقرّر؟
المفارقة أن صورة العدو ليست دائمة. الإعلام نفسه هو من يغيّرها إذا تغيرت المصالح.
- حين قررت واشنطن التفاوض مع إيران في عهد أوباما، تغيرت اللغة فجأة، وأصبحنا نسمع عن "اعتدال" و"أمل".
- حين أرادت أميركا لقاء زعيم كوريا الشمالية، ظهرت صور المصافحة والابتسامة، واختفى خطاب "رجل الصواريخ المجنون".
- بل حتى بوتين، كان يُمتدح أحيانًا كحليف في محاربة الإرهاب بعد 2015، قبل أن يُعاد شيطنته لاحقًا.
بالتالي، نحن لا نرى الحقيقة، بل نرى ما يُراد لنا أن نراه، وفق المرحلة والمصلحة.
الإعلام كأداة استراتيجية
لا ينبغي فهم الإعلام الغربي على أنه مرآة تعكس الواقع، بل كأداة استراتيجية تُعيد تشكيله. يتم توجيه الرأي العام، وتحديد العدو، وتبرير العقوبات أو الحروب أو العزلة بناءً على سرديات مصنوعة بإتقان.
وبينما تُضخَّم أخطاء "الأعداء"، تُسكت جرائم "الحلفاء". وبينما تُكرّس صورة إيران كخطر دائم، يُمنح مجرم حرب آخر شرعية دولية كاملة. إنها لعبة انتقاء، لا أخلاق فيها.
خلاصة: حين تُصنع الحقائق على شاشة التلفاز
الإعلام الغربي لا يخترع العدو من فراغ، لكنه يصنع صورته ويؤطرها بما يخدم الخط السياسي المطلوب.
إيران، كوريا، روسيا… ليست معصومة من النقد، لكن عدالة النقد تُختبر حين تُقارن بعدالة تناول الحلفاء.
فحين تُصبح الحقيقة انتقائية، ويتحول الإعلام إلى أداة لتوجيه الكراهية وتبرير القمع، نكون قد دخلنا عالمًا لا يبحث عن الواقع، بل عن رواية تُرضي صاحب السلطة.
