
عالم متعدد الأقطاب يتشكل بلا مركز بديل ولا قواعد مستقرة
لم تعد خريطة القوة الدولية تنقسم ببساطة بين دول غربية تقود النظام العالمي ودول نامية تتحرك في هامشه. فقد توسعت اقتصادات كبرى خارج الغرب، وازدادت أهمية آسيا في التجارة والصناعة، وصعدت دول تمتلك الطاقة والمواد الخام والأسواق السكانية الواسعة، بينما تراجع احتكار القوى الغربية للقرار الاقتصادي والسياسي.
في هذا السياق ظهر توسع مجموعة بريكس باعتباره تعبيرًا عن تحول حقيقي في موازين العالم. فالمجموعة التي بدأت بالبرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا اتسعت لتضم دولًا جديدة، من بينها مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات وإندونيسيا، إلى جانب مشاركة السعودية في أعمال المجموعة وفق الصيغة التي اعتمدتها الرئاسة البرازيلية. وبحلول عام 2025 كانت بريكس تقدم نفسها بوصفها إطارًا يضم 11 دولة وعددًا من الدول الشريكة.
لكن توسع العضوية لا يعني بالضرورة ولادة كتلة متماسكة قادرة على مواجهة مجموعة السبع أو بناء نظام مالي بديل. فبريكس تجمع دولًا تختلف في أنظمتها السياسية، وتحالفاتها العسكرية، وعلاقاتها بالولايات المتحدة، ونظرتها إلى الصين وروسيا. وما يوحدها ليس مشروعًا أيديولوجيًا واحدًا، بل شعور مشترك بأن النظام الدولي القائم يمنح الغرب وزنًا أكبر من حجمه السكاني والاقتصادي، وأن مؤسساته المالية والسياسية لم تعد تعكس التحولات الجارية في العالم.
ومن هنا يجب التفريق بين حقيقتين: الأولى أن العالم يتجه بالفعل نحو تعددية قطبية متزايدة، والثانية أن هذه التعددية لم تنتج حتى الآن نظامًا بديلًا منظمًا.
مجموعة السبع: قوة تتجاوز حجم السكان
لا تستمد مجموعة السبع نفوذها من عدد سكانها أو من سيطرتها المباشرة على معظم الموارد الطبيعية، بل من تراكم طويل من المؤسسات والشبكات المالية والتكنولوجية.
فالولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وكندا لا تمثل مجرد اقتصادات متقدمة، بل تشكل مع الاتحاد الأوروبي قلب منظومة واسعة تشمل الأسواق المالية، والبنوك الكبرى، وشركات التكنولوجيا، ومؤسسات التصنيف الائتماني، وشبكات التأمين، وأنظمة الدفع، والجامعات ومراكز البحث.
ولهذا فإن مقارنة الناتج المحلي الإجمالي بين بريكس ومجموعة السبع لا تكفي لفهم ميزان القوة. فقد تمتلك دول بريكس حصة كبيرة من الإنتاج العالمي، لكنها لا تزال تعتمد في أجزاء مهمة من تجارتها وتمويلها على مؤسسات وأسواق وقواعد أنشأها الغرب.
القوة المالية لا تعني فقط امتلاك المال، بل امتلاك المكان الذي يذهب إليه المال عندما يبحث عن الأمان، والسيولة، والقانون المستقر، وإمكانية التحويل السريع.
وهنا تبدأ مشكلة مشروع الاستغناء عن الدولار.
لماذا تريد دول بريكس تقليل الاعتماد على الدولار؟
لا يأتي الاعتراض على الدولار من كونه عملة أمريكية فقط، بل من تحوله إلى أداة نفوذ سياسي.
فحين تمر المدفوعات الدولية عبر بنوك مرتبطة بالنظام المالي الأمريكي، تصبح واشنطن قادرة على فرض العقوبات، وتجميد الأصول، وحرمان دول وشركات من الوصول إلى الأسواق العالمية. وقد زادت العقوبات المفروضة على روسيا وإيران ودول أخرى من إدراك الحكومات أن الاحتفاظ بالدولار أو الاعتماد الكامل على البنية المالية الغربية ليس قرارًا اقتصاديًا محايدًا.
ولهذا بدأت دول بريكس توسيع استخدام العملات المحلية في المبادلات الثنائية. تستطيع الصين شراء بعض السلع باليوان، وتستطيع الهند تسوية جزء من تجارتها بعملات غير الدولار، كما يمكن للدول المصدرة للطاقة قبول ترتيبات دفع أكثر تنوعًا.
ويعمل بنك التنمية الجديد التابع لبريكس على زيادة التمويل بالعملات المحلية؛ إذ استهدف أن تصل نسبة هذا التمويل إلى نحو 30% ضمن استراتيجيته للفترة بين 2022 و2026.
هذه خطوات عملية، لكنها لا تعني إلغاء الدولار. فهناك فارق كبير بين استخدام عملتين محليتين في صفقة محددة، وبين امتلاك عملة عالمية تستطيع البنوك والدول والشركات الاحتفاظ بها واستخدامها في جميع الأسواق.
الدولار لا يهيمن بقرار سياسي فقط
تُقدَّم هيمنة الدولار أحيانًا كما لو أنها مؤامرة فرضتها الولايات المتحدة على العالم، لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
يستخدم العالم الدولار لأن الأسواق الأمريكية ضخمة وعميقة، ولأن سندات الخزانة الأمريكية توفر أصولًا يمكن شراء كميات كبيرة منها وبيعها بسرعة، ولأن البنوك والشركات اعتادت التسعير والاقتراض والتأمين بالدولار.
وقد بلغت حصة الدولار نحو 56.77% من الاحتياطيات العالمية المعلنة في الربع الأخير من عام 2025، مقابل نحو 20.25% لليورو، بينما لم تتجاوز حصة اليوان الصيني 1.95%. صحيح أن حصة الدولار تراجعت مقارنة بعقود سابقة، لكنها لا تزال أكبر بكثير من حصة أي عملة منافسة.
وتظهر الهيمنة بصورة أوضح في سوق الصرف؛ فقد كان الدولار طرفًا في 89.2% من معاملات العملات الأجنبية العالمية في أبريل 2025. ولأن كل صفقة تضم عملتين، يمكن أن يتجاوز مجموع حصص العملات 100%، لكن الرقم يوضح مدى مركزية الدولار داخل النظام.
كما يُستخدم الدولار في تسعير قرابة نصف التجارة العالمية، رغم أن الولايات المتحدة لا تمثل نصف التجارة الدولية.
إذن فالدولار ليس قويًا لأنه أمريكي فقط، بل لأن العالم بنى حوله شبكة من الديون والعقود والاحتياطيات والمدفوعات. والخروج من هذه الشبكة يحتاج إلى شبكة بديلة، لا إلى خطاب سياسي.
هل يستطيع اليوان أن يحل محل الدولار؟
تمتلك الصين المقومات الاقتصادية الأكبر لتقديم عملة منافسة: اقتصاد صناعي ضخم، وتجارة واسعة، واحتياطيات كبيرة، وعلاقات متنامية مع آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
لكن اليوان يواجه مشكلة أساسية: الصين تريد توسيع استخدام عملتها من دون تحرير نظامها المالي بالكامل.
فالعملة العالمية تحتاج إلى قدرة واسعة على التحويل، وأسواق مالية مفتوحة، وثقة في إمكانية إخراج رؤوس الأموال وإدخالها، وقواعد قانونية يمكن للمستثمرين توقعها. بينما تحافظ بكين على ضوابط قوية على حركة الأموال وسعر الصرف لحماية استقرارها الداخلي.
ولا يكفي أن تشتري دولة النفط أو المعادن باليوان؛ فهي تحتاج بعد ذلك إلى معرفة ما الذي ستفعله بكميات اليوان التي حصلت عليها. هل تستطيع استثمارها في أصول متنوعة وآمنة؟ وهل يمكنها تحويلها بحرية إلى عملات أخرى؟
لهذا يتقدم اليوان غالبًا داخل دائرة التجارة المرتبطة مباشرة بالصين، لكنه لا يزال بعيدًا عن التحول إلى مخزن عالمي للقيمة بمستوى الدولار.
عملة موحدة لبريكس: الفكرة التي تسبق شروطها
يتكرر الحديث عن إنشاء عملة موحدة لبريكس، لكن هذا الطرح يتجاهل أن العملة المشتركة تحتاج إلى تنسيق اقتصادي وسياسي شديد العمق.
تجربة اليورو لم تبدأ بطباعة عملة جديدة، بل سبقتها عقود من بناء السوق الأوروبية، وتوحيد القواعد، وإزالة الحواجز، وإنشاء مؤسسات مشتركة. ومع ذلك لا تزال منطقة اليورو تواجه مشكلات بسبب اختلاف اقتصاداتها.
أما دول بريكس فتختلف بصورة أعمق. فالصين تحقق فوائض تجارية كبيرة، بينما تعتمد دول أخرى على تصدير الطاقة أو المواد الخام. الهند تنافس الصين صناعيًا وحدوديًا، وروسيا خاضعة لعقوبات غربية، وبعض أعضاء المجموعة يرتبطون أمنيًا وماليًا بالولايات المتحدة.
فمن سيصدر عملة بريكس؟ ومن يحدد سعر الفائدة؟ ومن يتحمل إنقاذ دولة عضو عند وقوع أزمة؟ وهل تقبل الدول أن تمنح مؤسسة مشتركة سلطة على سياساتها النقدية؟
من دون إجابات عملية، تبقى العملة الموحدة شعارًا سياسيًا أكثر من كونها مشروعًا قريبًا.
بريكس ليست حلفًا مضادًا للغرب
من الخطأ أيضًا التعامل مع بريكس بوصفها نسخة شرقية من مجموعة السبع.
مجموعة السبع أكثر تجانسًا من الناحية السياسية والأمنية، وترتبط أغلب دولها بتحالفات ومؤسسات مشتركة. أما بريكس فهي مساحة تفاوض بين دول تريد توسيع هامش استقلالها، لكنها لا تريد جميعها الدخول في مواجهة شاملة مع الغرب.
الهند شريك للولايات المتحدة في احتواء النفوذ الصيني، لكنها عضو أساسي في بريكس. والإمارات والسعودية ترتبطان بعلاقات أمنية واقتصادية وثيقة بالغرب، لكنهما توسعان علاقاتهما مع الصين وروسيا. والبرازيل تريد إصلاح النظام الدولي لا هدمه.
لهذا فإن قوة بريكس تكمن في قدرتها على جمع دول مختلفة حول مطالب محددة: زيادة تمثيل الجنوب العالمي، وإصلاح المؤسسات الدولية، وتنويع التمويل، وتوسيع التسويات بالعملات المحلية.
لكن هذا التنوع نفسه يمنعها من التحول سريعًا إلى جبهة موحدة.
التعددية القطبية غير المنظمة
العالم المقبل قد لا يشهد سقوط النظام الغربي وظهور نظام بريكس مكانه، بل تآكل المركز الواحد وظهور شبكات متعددة ومتداخلة.
قد تستخدم دولة الدولار في احتياطياتها، واليوان في تجارتها مع الصين، والروبية في صفقة مع الهند، وتمويلًا من بنك التنمية الجديد، ثم تلجأ إلى أسواق لندن أو نيويورك لإصدار سنداتها.
هذه ليست نهاية الدولار، بل نهاية احتكاره الكامل لبعض الوظائف.
ومن المرجح أن يكون التحول تدريجيًا وغير متساوٍ؛ إذ ستتوسع العملات المحلية في التجارة الثنائية، وتنشأ أنظمة دفع بديلة، وتزداد حيازة الذهب، بينما يحتفظ الدولار بموقعه المركزي في الاحتياطيات والتمويل والأسواق العميقة.
النتيجة لن تكون نظامًا نظيفًا بقطبين متقابلين، بل نظامًا أكثر تعقيدًا، تتوزع فيه القوة بين عملات ومؤسسات وممرات تجارية متنافسة.
خاتمة: تقليص الدولار أسهل من استبداله
مشروع تقليل الاعتماد على الدولار ليس وهمًا كاملًا، فقد بدأ بالفعل في بعض المبادلات، وفي سياسات الاحتياطيات، وفي التمويل بالعملات المحلية. كما أن استخدام العقوبات المالية بصورة متكررة دفع دولًا كثيرة إلى البحث عن مخارج تقلل تعرضها للقرار الأمريكي.
لكن تحويل هذه الرغبة إلى نظام عالمي بديل يصطدم بغياب العملة القادرة على الجمع بين السيولة والثقة والانفتاح وعمق الأسواق.
لا تستطيع بريكس هزيمة الدولار ببيان سياسي، كما لا يمكن للغرب إيقاف تحول الاقتصاد العالمي بالاعتماد على المؤسسات القديمة وحدها.
ما يجري هو إعادة توزيع بطيئة لوظائف القوة: تتراجع الهيمنة المطلقة، لكن البديل الموحد لا يظهر. تتقدم التعددية القطبية، لكنها تتقدم بلا قيادة واحدة ولا قواعد نهائية.
وبذلك لا تبدو المواجهة الحقيقية بين بريكس ومجموعة السبع معركة لإسقاط طرف وإحلال الآخر، بل صراعًا طويلًا حول مقدار ما سيبقى للغرب من امتيازات النظام القديم، ومقدار ما ستنتزعه القوى الصاعدة من حق المشاركة في صياغة النظام الجديد.