
دخول الخليج في دائرة المواجهة لا يعني بالضرورة أن دوله اختارت الحرب؛ بل يكشف صراعًا أكبر تتقاطع فيه مصالح إيران وأمريكا وإسرائيل والقوى الكبرى
لطالما حاولت دول الخليج الحفاظ على مسافة من الحروب الإقليمية الكبرى. فرغم الخلافات السياسية والصراعات الممتدة في الشرق الأوسط، بقيت الأولوية الخليجية هي حماية الاستقرار الاقتصادي، وتأمين تدفق الطاقة، وتجنب تحول أراضيها إلى ساحات مواجهة مباشرة.
لكن مع تصاعد التوترات الأخيرة وانهيار الهدن وعودة الضربات المتبادلة، ظهر سؤال مهم: هل دخل الخليج الحرب أخيرًا؟ ومن المستفيد من نقل الصراع من مواجهة محدودة إلى أزمة إقليمية واسعة؟
الإجابة ليست بسيطة؛ فالحروب لا تتحرك دائمًا وفق رغبة طرف واحد، بل نتيجة تفاعل بين مصالح متعارضة، وحسابات خاطئة، ومحاولات كل طرف تحسين موقعه قبل أي تسوية محتملة.
الخليج بين الحياد والاضطرار إلى الرد
لم تكن دول الخليج، في معظم مراحل الصراع الإيراني الأمريكي، ترغب في مواجهة مباشرة مع إيران. فالجغرافيا تجعلها في موقع حساس: منشآت النفط، الموانئ، طرق التجارة، والقواعد العسكرية كلها أهداف محتملة في أي حرب.
لكن المشكلة أن البقاء خارج الحرب لا يعني دائمًا النجاة منها. فعندما تصبح القواعد العسكرية أو المدن أو المنشآت الاقتصادية ضمن نطاق الصواريخ والطائرات المسيرة، يتحول الموقف من "عدم المشاركة" إلى "الدفاع عن النفس".
وهنا يظهر التحول الأساسي: الخليج لم يبدأ الحرب، لكنه قد يجد نفسه مضطرًا إلى التعامل مع نتائجها.
هل تريد أمريكا إدخال الخليج في الحرب؟
يطرح البعض فرضية أن الولايات المتحدة قد تكون المستفيد الأكبر من توسع الأزمة، لأن ذلك يعزز الحاجة إلى الحماية الأمريكية، ويزيد مبيعات السلاح، ويعيد تثبيت التحالفات الأمنية.
وهذه الفرضية لها بعض العناصر المنطقية، لكن اختزال الأمر فيها فقط قد يكون مضللًا.
فالولايات المتحدة قد تستفيد من بعض الجوانب، لكنها تتحمل أيضًا مخاطر ضخمة. فانتشار الحرب يعني تعرض القواعد الأمريكية في المنطقة للخطر، وارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الضغط السياسي الداخلي عليها.
لذلك فالمعادلة ليست: أمريكا تريد الحرب لأنها تستفيد منها، بل إن واشنطن قد تحاول استغلال أزمة قائمة لتحقيق أهدافها، مع محاولة منع خروجها عن السيطرة.
إيران وتوسيع دائرة المواجهة
من منظور إيراني، نقل المواجهة إلى محيط الخصوم قد يكون استراتيجية لتقليل الضغط على الداخل الإيراني.
فبدل أن تكون المواجهة محصورة بين إيران وخصومها المباشرين، يصبح لدى الطرف الآخر أيضًا ما يخسره: أمن الطاقة، القواعد العسكرية، التجارة، والاستقرار الاقتصادي.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل خطرًا كبيرًا؛ فكلما توسعت دائرة الحرب، زادت احتمالات دخول أطراف جديدة وتحول الصراع من حرب رسائل إلى حرب مفتوحة.
إسرائيل والبحث عن جبهة إقليمية أوسع
ترى إسرائيل أن إيران تمثل التحدي الاستراتيجي الأكبر لها في المنطقة، ولذلك فإن إضعاف النفوذ الإيراني يمثل هدفًا أساسيًا لها.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تصعيد يؤدي إلى زيادة الضغط على إيران أو تقليص نفوذها الإقليمي قد يخدم مصالح إسرائيل.
لكن في المقابل، توسع الحرب قد يخلق تهديدات جديدة عليها أيضًا، خصوصًا إذا تحولت المواجهة إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.
المستفيدون الحقيقيون والخاسرون المحتملون
في الحروب الكبرى لا يوجد مستفيد كامل، لكن توجد أطراف قد تحقق مكاسب نسبية:
الولايات المتحدة:
قد تعزز نفوذها الأمني وتحالفاتها، لكنها تتحمل تكلفة سياسية وعسكرية.
إيران:
قد تستخدم التصعيد كورقة ضغط، لكنها تخاطر بضرب بنيتها الاقتصادية والعسكرية.
روسيا:
قد تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، لكن اضطراب المنطقة قد يضر بمصالحها أيضًا.
الصين:
قد تستغل تراجع الثقة في الدور الأمريكي لتعزيز حضورها، لكنها تعتمد على استقرار إمدادات الطاقة.
أما دول الخليج فهي الطرف الذي يتحمل الخطر الأكبر؛ لأنها تقع جغرافيًا في قلب المواجهة، بينما تعتمد قوتها الاقتصادية على الاستقرار.
الخلاصة: الحرب التي لا يريدها الجميع قد تبدأ رغم ذلك
المفارقة في أزمات الشرق الأوسط أن معظم الأطراف تقول إنها لا تريد حربًا شاملة، لكن خطواتها المتبادلة قد تقود إليها.
الخليج اليوم أمام معادلة صعبة: محاولة حماية أمنه دون أن يتحول إلى ساحة حرب، والحفاظ على علاقاته الدولية دون فقدان استقلالية قراره.
السؤال الحقيقي ليس فقط: من المستفيد من الحرب؟
بل:
من يستطيع إيقافها قبل أن يصبح الجميع خاسرًا؟