عندما يصبح الإنسان "استثماراً": كيف تسللت معايير الربح والخسارة إلى أكثر العلاقات إنسانية؟

في عالم الاقتصاد، تُقاس الأشياء بما تقدمه من قيمة، وما تحققه من عائد، وما إذا كانت تستحق الاستمرار أو الاستبدال.
هذه القواعد قد تكون مفيدة في عالم الأعمال؛ فالشركات تحتاج إلى حساب التكاليف والعوائد، والمشاريع تحتاج إلى تقييم مستمر. لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل هذا المنطق من عالم الأشياء إلى عالم الإنسان.
عندما يبدأ الفرد في النظر إلى صديقه، أو شريكه، أو حتى أفراد عائلته بمنطق السؤال نفسه:
ماذا أستفيد من هذه العلاقة؟
وعندما يصبح استمرار العلاقة مرتبطاً بحجم العائد العاطفي أو الاجتماعي الذي تقدمه في اللحظة الحالية.
من الصبر على البشر إلى تقييم البشر
لطالما كانت العلاقات الإنسانية تقوم على فكرة بسيطة: الإنسان ليس منتجاً كاملاً.
كل شخص يحمل نقاط قوة وضعفاً، مزايا وعيوباً، لحظات قوة ولحظات انكسار. لكن الثقافة الحديثة التي تعودت على السرعة والاختيار اللامحدود بدأت تجعل البعض يتعامل مع البشر كما يتعامل مع المنتجات.
إذا ظهر عيب، يُستبدل المنتج. وإذا ظهرت مشكلة، تُنهى العلاقة.
وإذا لم تعد التجربة ممتعة دائماً، يبحث الإنسان عن بديل أسرع. وكأن العلاقة الناجحة هي العلاقة الخالية من الإزعاج، لا العلاقة التي يستطيع طرفاها تجاوز الإزعاج.
وهم الخيارات اللانهائية
ساهمت التكنولوجيا الحديثة في خلق شعور بأن البدائل لا تنتهي.
في السابق كان الإنسان يبني علاقاته ضمن دوائر محدودة: العائلة، الحي، المجتمع، العمل. أما اليوم، فقد أصبح العالم مفتوحاً أمام آلاف الأشخاص عبر الشاشات. لكن كثرة الخيارات لا تعني دائماً جودة العلاقات.
أحياناً تجعل الإنسان أقل قدرة على الصبر؛ لأنه يعتقد أن أي شخص يمكن استبداله بسهولة. فتتحول العلاقات من رحلة بناء طويلة إلى تجربة قابلة للإلغاء في أي لحظة.
الحب ليس عقداً تجارياً
العقود التجارية تقوم على شروط واضحة:
طرف يقدم شيئاً، والطرف الآخر يقدم مقابلاً. أما العلاقات الإنسانية العميقة فتحتوي على مناطق لا يمكن حسابها بهذه الطريقة.
قد يقف شخص بجانب صديقه في لحظة لا يحصل فيها على أي منفعة. وقد يبقى إنسان مع آخر خلال فترة ضعفه لا لأنه الخيار الأفضل اقتصادياً، بل لأنه يرى قيمة الإنسان نفسه. هنا يظهر الفرق بين العلاقة القائمة على المنفعة، والعلاقة القائمة على المعنى.
اقتصاد الانتباه وتأثيره على المشاعر
في العصر الرقمي أصبح حتى الاهتمام نفسه مجالاً للمنافسة.
عدد الإعجابات، سرعة الرد، كثرة المتابعين، الحضور المستمر... كلها خلقت مقاييس جديدة لتقييم العلاقات.
قد يشعر الإنسان أن قيمته مرتبطة بمدى الاهتمام الذي يحصل عليه، أو أن قيمة الآخرين مرتبطة بقدرتهم على منحه شعوراً دائماً بالرضا.
لكن الإنسان الحقيقي ليس تطبيقاً مصمماً لتقديم تجربة مثالية طوال الوقت. فالإنسان يمر بالتعب، والملل، والقلق، والانشغال، وسوء الفهم. وهذه ليست أعطالاً في الشخصية، بل جزء من الطبيعة البشرية.
عندما يصبح الكمال شرطاً للعلاقات
المفارقة أن الإنسان المعاصر قد يطالب الآخرين بما لا يستطيع تقديمه بنفسه.
يريد صديقاً متفهماً دائماً، لكنه لا يحتمل أخطاء أصدقائه. يريد شريكاً صبوراً، لكنه ينسحب عند أول اختلاف. يريد قبولاً كاملاً، لكنه يمارس التقييم المستمر للآخرين.
وهنا تتحول العلاقة من مساحة إنسانية للنمو والتسامح إلى اختبار دائم يجب على الجميع النجاح فيه.
هل المشكلة في السوق أم في الإنسان؟
ليس الخطأ في وجود السوق أو الاقتصاد.
فالسوق أداة لتنظيم التبادل، وقد ساهم في تحسين حياة البشر بطرق كثيرة. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح كل قيمة قابلة للقياس بمنطق الربح والخسارة.
فالإنسان ليس مشروعاً تجارياً. والصداقة ليست صفقة. والوفاء ليس استثماراً ينتظر صاحبه عائداً. هناك أشياء لا تصبح ذات قيمة لأنها مربحة، بل لأنها تمنح الحياة معناها.
الخاتمة
ربما أكبر خسارة في عصر السرعة ليست فقدان الوقت، بل فقدان القدرة على الانتظار. انتظار أن ينضج الإنسان. انتظار أن تتحسن العلاقة. انتظار أن يتجاوز الآخر ضعفه. فالحب والصداقة والوفاء لم تكن يوماً علاقات بين أشخاص كاملين، بل بين أشخاص ناقصين يحاولون بناء شيء يتجاوز نقصهم.
وعندما نحول البشر إلى أرقام في ميزان المنفعة، قد نكسب علاقات أكثر سهولة، لكننا قد نخسر العلاقات التي تجعل الإنسان إنساناً.