عندما أصبحت الخريطة مشروعًا سياسيًا
موضوع "دول سايكس بيكو" من المواضيع التي تحمل الكثير من الجدل؛ فهو يُستخدم أحيانًا كتفسير شامل لكل أزمات الشرق الأوسط، وأحيانًا يُرفض باعتباره مجرد خطاب سياسي يتجاهل عوامل داخلية. التحليل الواقعي يحتاج إلى تجاوز الشعارات والنظر إلى نشأة هذه الدول، وكيف تطورت، ومن أين جاءت أزماتها.
لم تكن خريطة الشرق الأوسط الحديثة نتيجة تطور طبيعي طويل مثل كثير من الدول الأوروبية، بل جاءت في جزء كبير منها خلال مرحلة انتقالية كبرى أعقبت انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.
في عام 1916 وُقعت اتفاقية سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا لتقسيم مناطق النفوذ في المشرق العربي، نسبة إلى الدبلوماسيين مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو. لم تكن الاتفاقية وحدها هي التي رسمت الحدود الحالية، لكنها أصبحت رمزًا لمرحلة كاملة من إعادة تشكيل المنطقة.
بعد الحرب، جاءت ترتيبات أخرى مثل الانتدابات التي أقرتها عصبة الأمم، فخضعت مناطق مثل سوريا ولبنان للنفوذ الفرنسي، والعراق وفلسطين وشرق الأردن للنفوذ البريطاني.
لكن السؤال الأساسي ليس فقط: من رسم الحدود؟
بل: ماذا حدث بعد رسم الحدود؟
الحدود المصطنعة أم الدول الطبيعية؟
من أكثر الأفكار انتشارًا أن دول المنطقة كلها "مصطنعة" وأن حدودها لا تعكس التاريخ أو الجغرافيا.
في جانب من الحقيقة، كانت بعض الحدود بالفعل نتاج تفاهمات استعمارية أكثر من كونها امتدادًا لتطور سياسي داخلي. فقد جُمعت مناطق ذات تنوع كبير داخل كيانات واحدة، وأحيانًا فُصلت مناطق كانت مرتبطة تاريخيًا وثقافيًا.
لكن وصف كل هذه الدول بأنها "اختراع أجنبي فقط" يبقى تبسيطًا.
فالدول لا تستمر بسبب طريقة ولادتها فقط، بل بسبب قدرتها على بناء مؤسسات وهوية سياسية واقتصاد ومجتمع. هناك دول كثيرة في العالم نشأت من ترتيبات استعمارية أو حدود مفروضة، ثم أصبحت كيانات مستقرة مع مرور الزمن.
المشكلة لم تكن في الحدود وحدها، بل في ضعف بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال.
مشكلة الدولة قبل مشكلة الحدود
بعد خروج القوى الاستعمارية، واجهت دول المنطقة تحديات ضخمة:
ضعف المؤسسات السياسية.
غياب تقاليد الحكم الدستوري الحديثة.
صراعات الهوية بين القومية والدين والطائفة والقبيلة.
تدخل الجيوش في السياسة.
صراع القوى الإقليمية والدولية على النفوذ.
ولهذا تحولت بعض الدول إلى أنظمة قوية مركزة حول السلطة، بينما بقيت مؤسسات الدولة ضعيفة.
فالدولة التي تعتمد على شخص الحاكم أكثر من اعتمادها على القانون تصبح معرضة للانهيار عند حدوث أزمة كبرى.
هل سايكس بيكو سبب كل مشاكل الشرق الأوسط؟
هنا تظهر المبالغة.
من السهل تفسير الحروب والانقسامات بالقول: "كل شيء بدأ من سايكس بيكو"، لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
فالحروب الأهلية، والانقلابات، والفساد، والصراعات الطائفية، والأزمات الاقتصادية، لم تكن كلها نتيجة مباشرة للحدود التي رسمت قبل أكثر من قرن.
الحدود قد تكون عاملًا مساعدًا، لكنها لا تفسر وحدها لماذا نجحت بعض الدول وفشلت أخرى.
فمثلًا، دول تشترك في ظروف استعمارية متقاربة اختلفت مساراتها بسبب اختلاف الإدارة والمؤسسات والاقتصاد والمجتمع.
سايكس بيكو كرمز أكثر من كونها اتفاقية
مع مرور الزمن أصبحت عبارة "سايكس بيكو" تحمل معنى أكبر من الوثيقة نفسها.
أصبحت تشير إلى:
التدخل الخارجي في المنطقة.
تقسيم النفوذ بين القوى الكبرى.
صناعة خرائط تخدم المصالح الدولية.
ضعف القدرة الإقليمية على تحديد مستقبلها.
ولهذا تستخدم العبارة سياسيًا كلما ظهرت أزمات جديدة، وكأنها تختصر قرنًا كاملًا من الصراعات.
هل يمكن إعادة رسم الخريطة؟
تظهر بين فترة وأخرى أفكار عن نهاية نظام سايكس بيكو وظهور خرائط جديدة.
لكن التاريخ يبين أن تغيير الحدود ليس عملية سهلة. فالحدود ليست خطوطًا على الورق فقط، بل وراءها ملايين البشر، واقتصادات، ومدن، وهويات، ومصالح دولية.
انهيار دولة قد لا يؤدي إلى ظهور دولة أفضل، بل قد يؤدي إلى فراغ وفوضى وصراعات طويلة.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل كانت حدود سايكس بيكو جيدة أم سيئة؟
بل:
هل استطاعت الدول التي ورثت هذه الحدود أن تبني مشروعًا سياسيًا يجعلها أكثر قوة واستقرارًا؟
الخلاصة: الخريطة ليست قدرًا
دول سايكس بيكو ليست مجرد "دول استعمارية الصنع"، وليست أيضًا دولًا تشكلت بعيدًا عن تأثير القوى الخارجية.
هي نتاج تداخل بين عاملين:
إرث الإمبراطوريات والتدخلات الدولية.
قدرة المجتمعات المحلية على بناء دول حديثة.
فالحدود قد تكون بداية المشكلة، لكنها ليست دائمًا سبب استمرارها.
الدول لا تنهار فقط بسبب الطريقة التي وُلدت بها، بل بسبب الطريقة التي تُدار بها.
وربما أكبر درس تاريخي هو أن الخرائط تصنع الدول أحيانًا، لكن المؤسسات والوعي السياسي هما ما يمنحانها القدرة على البقاء.