رمزية الحيوان: من يقرر ان يكون صديقا او طعاما: كيف صنعت الثقافات حدودها الغريبة

كيف قرر الإنسان أي الحيوانات يحب وأيها يأكل؟

يمكن أن يعيش كلب في بيت غربي مدللًا، يملك سريرًا خاصًا، وطعامًا خاصًا، وطبيبًا خاصًا، وربما صورًا أكثر من بعض أفراد الأسرة. وفي مكان آخر من العالم، يمكن أن يكون الكلب حيوانًا يؤكل. وفي الوقت نفسه، قد يجلس الشخص نفسه الذي يشعر بالاشمئزاز من أكل الكلب أمام طبق من لحم الخروف، دون أن يرى في الأمر أي تناقض.

هنا تبدأ المفارقة.

فالخروف الذي نراه في الحقول حيوان، لكن الخروف الموجود على المائدة يصبح «لحمًا». والكلب الذي نراه في الشارع قد يكون بالنسبة إلى شخص حيوانًا عاديًا، بينما يصبح بالنسبة إلى شخص آخر فردًا من العائلة.

الحيوان لم يتغير.

الذي تغير هو المعنى الذي منحه الإنسان له.

وهذا يجعل السؤال أكثر تعقيدًا من مجرد السؤال عن سبب أكل بعض المجتمعات للكلاب. فقبل أن نسأل لماذا يأكل هؤلاء هذا الحيوان، ربما ينبغي أن نسأل سؤالًا أكثر إزعاجًا: كيف قرر الإنسان أصلًا أن هذا الحيوان طعام، وأن ذاك صديق؟

فنحن لا نتعامل مع الحيوانات باعتبارها مجموعة واحدة. هناك حيوانات نأكلها، وأخرى نربيها، وأخرى نستخدمها للعمل، وأخرى نحتفظ بها للزينة، وأخرى نحميها، وأخرى نخاف منها، وأخرى نقتلها دون أن نفكر كثيرًا في الأمر. والحدود بين هذه الفئات ليست ثابتة في الطبيعة، بل تتغير من مجتمع إلى آخر، ومن عصر إلى آخر.

الخنزير غذاء في مجتمع، وحيوان لا يؤكل في مجتمع آخر. والبقرة يمكن أن تكون مصدرًا للحليب واللحم في مكان، بينما تحمل في مكان آخر مكانة تجعل قتلها أمرًا مرفوضًا. والحصان كان لقرون حيوانًا للعمل والنقل، ثم أصبح في مجتمعات كثيرة حيوانًا للرياضة والهواية، بينما بقي في مجتمعات أخرى ضمن النظام الغذائي.

لا توجد، إذن، قائمة عالمية كتبتها الطبيعة تقول للإنسان: هذا للأكل، وهذا للحب، وهذا للعمل.

الإنسان هو الذي رسم الخريطة، ثم ورثها حتى نسي أنه رسمها.

حين يصبح الاشمئزاز حكمًا أخلاقيًا

ربما يكون أكل الكلاب من أكثر الأمثلة قدرة على كشف هذه المسألة؛ لأن رد الفعل تجاهه عند كثير من الناس لا يتوقف عند رفض الطعام، بل يصل سريعًا إلى الاشمئزاز والإدانة الأخلاقية.

لكن الاشمئزاز ليس بالضرورة حكمًا أخلاقيًا.

أن أشعر بأن شيئًا مقزز لا يعني تلقائيًا أنه خاطئ. هناك أطعمة يأكلها الملايين ويشعر آخرون بالغثيان لمجرد رؤيتها، وأطعمة تبدو طبيعية تمامًا في مجتمع بينما تبدو غريبة أو منفرة في مجتمع آخر.

ولهذا يجب التفريق بين عبارتين تبدوان متشابهتين لكنهما مختلفتان تمامًا:

«أنا أشعر بالاشمئزاز من هذا.»

و

«هذا الفعل غير أخلاقي.»

الأولى تصف تجربة شخصية تشكلت من العادة والبيئة والتربية والذاكرة. أما الثانية فتحتاج إلى معيار يمكن مناقشته.

فإذا كان أكل الكلب خطأ لأن الحيوان يتألم، فإن المعيار يجب أن يمتد إلى الحيوانات الأخرى القادرة على الشعور بالألم أيضًا. وإذا كان الخطأ نابعًا من أن الكلب حيوان أليف، فنحن لا نتحدث عن قاعدة أخلاقية عالمية بقدر ما نتحدث عن علاقة ثقافية محددة بالحيوان.

وهذا لا يجعل تلك العلاقة خاطئة، لكنه يجعل من الصعب تحويلها إلى المعيار الوحيد الذي يجب أن يلتزم به الجميع.

المشكلة تظهر عندما نأخذ ما اعتدناه نحن، ثم نرفعه من مستوى «هذا غير مألوف بالنسبة إليّ» إلى مستوى «هذا غير أخلاقي في ذاته» دون أن نوضح المعيار الذي يسمح لنا بهذه القفزة.

وهنا تصبح المائدة نفسها ساحة أخلاقية غريبة؛ لأننا لا نرى الحيوان فقط، بل نرى تاريخًا كاملًا من العادات والتصنيفات التي علمتنا كيف ننظر إليه.

الحيوان الذي أحببناه والحيوان الذي أكلناه

لماذا يبدو الكلب مختلفًا عن الخروف؟

ليس لأن الطبيعة وضعت على الكلب علامة تقول «صديق»، وعلى الخروف علامة تقول «غذاء». الفرق نشأ من العلاقة التي بناها الإنسان مع كل منهما.

عاش الكلب قريبًا من الإنسان منذ آلاف السنين، حرس مساكنه، رافقه في الصيد، ساعده في حماية مواشيه، ثم دخل المنزل نفسه وتحول تدريجيًا من حيوان يؤدي وظيفة إلى رفيق عاطفي. ومع مرور الزمن، لم يعد الكلب في المخيلة الحديثة مجرد حيوان؛ أصبح له اسم وشخصية ومكان في البيت وذكريات مشتركة مع صاحبه.

ولهذا فإن قتل كلب بالنسبة إلى شخص تربى على هذه العلاقة قد لا يبدو كقتل حيوان فحسب، بل كإيذاء كائن تربطه به علاقة عاطفية.

لكن هذه الحقيقة نفسها تكشف شيئًا أعمق: القيمة التي نمنحها للحيوان لا تتشكل من صفاته وحدها، وإنما من علاقتنا به أيضًا.

ولكي نرى ذلك بوضوح، يمكن أن نقلب المشهد.

تخيل طفلًا نشأ في مجتمع يربي الخراف داخل المنازل، ويمنح كل خروف اسمًا، ويعتني به، ويعتبره رفيقًا للعائلة. ثم يكبر الطفل ويرى للمرة الأولى خروفًا يُذبح ويقدم على المائدة.

من المحتمل أن يشعر بالصدمة نفسها التي يشعر بها شخص آخر عندما يرى كلبًا يُذبح.

هل أصبح الخروف فجأة أكثر قيمة؟

لا.

الذي تغير هو تجربة الإنسان معه.

وهذه واحدة من أكثر الحقائق إزعاجًا في علاقتنا بالحيوانات: نحن لا نحب الحيوانات كلها بالطريقة نفسها، ولا نخاف منها بالطريقة نفسها، ولا نحزن لموتها بالطريقة نفسها، ولا نمنحها القيمة نفسها. نحن نرتبها داخل وعينا، ثم نعيش داخل هذا الترتيب حتى يبدو لنا وكأنه جزء من طبيعة الأشياء.

لكن النسبية الثقافية لا تعني أن كل شيء يصبح مباحًا.

فليس صحيحًا أن نقول إن لكل مجتمع عاداته، وبالتالي لا يحق لأحد نقد أي ممارسة. لو كان الحيوان يتعرض لمعاناة قاسية، فإن طريقة التعامل معه يمكن أن تكون موضع نقد بغض النظر عن اسمه أو مكانه في الثقافة. والعادة وحدها لا تجعل الفعل أخلاقيًا.

لكن هناك فرقًا بين نقد كيفية التعامل مع الحيوان وبين إدانة نوع الحيوان الذي اختارت ثقافة ما أن تجعله غذاءً.

إذا كان الاعتراض على الألم والقسوة وسوء المعاملة، فنحن أمام معيار يمكن مناقشته وتطبيقه على الجميع.

أما إذا كان الاعتراض ببساطة أن «هذا الحيوان بالذات لا يجوز أكله لأنه حيوان نحبه»، فإن السؤال يعود إلينا: ولماذا يصبح الحيوان الذي نحب نحن خارج دائرة الطعام، بينما الحيوان الذي اعتدنا أكله يدخل إليها؟

هنا تبدأ صعوبة الإجابة.

حين يدخل الحيوان المطبخ ويتحول إلى شيء آخر

ربما تكشف الأسواق والمطابخ عن علاقتنا بالحيوانات أكثر مما تكشفها خطاباتنا الأخلاقية.

عندما نرى الحيوان حيًا، قد نتعاطف معه. لكن عندما يصل إلى المتجر مقطعًا ومغلفًا، تحدث عملية ذهنية هادئة: لا نعود نراه كائنًا كاملًا، بل نراه منتجًا.

نشتري «لحمًا»، لا بقرة.

نشتري «دجاجًا»، لا دجاجة.

وهذا الفصل بين الحيوان والغذاء يسمح لنا بأن نستهلكه دون أن نواجه صورته الأولى.

لا يعني ذلك أننا منافقون بالضرورة، ولا أن أكل اللحوم خطأ لمجرد أننا نفصلها عن الحيوان. لكنه يكشف قدرة الإنسان على إعادة تسمية الأشياء حتى يستطيع التعامل معها نفسيًا.

فالاسم ليس تفصيلًا صغيرًا.

حين نقول «كلب»، تحضر في أذهان كثير من الناس صورة الحيوان وشخصيته وعلاقته بالإنسان. أما حين نقول «لحم»، فنحن نزيل الحيوان من الصورة ونبقي المنتج.

ولهذا قد يكون أحد أسباب الصدمة في أكل الكلاب أن هذه المسافة النفسية لا تعمل بالطريقة نفسها. فالكلب في المخيلة الحديثة مرتبط بقوة بالرفقة، ولذلك يصعب تحويله ذهنيًا من «كائن أعرفه» إلى «طعام».

أما الخروف والدجاج والبقر، فقد تعلمنا منذ الطفولة أن نراهما داخل سياق مختلف.

وهكذا لا يدخل الحيوان إلى المطبخ وحده؛ يدخل معه التصنيف الذي صنعناه حوله.

هل هناك معيار يتجاوز العادة؟

هنا يصبح السؤال الحقيقي أكثر صعوبة.

ليس السؤال: هل الكلب أحق بالحياة من الخروف؟

لأن هذه الصياغة تفترض أن لدينا معيارًا واضحًا، بينما المشكلة أصلًا هي معرفة هذا المعيار.

هل المعيار هو الذكاء؟

إذا كان كذلك، فأين نضع الحدود؟

هل هو القدرة على الشعور بالألم؟

إذا كان كذلك، فالمبدأ يجب أن يشمل عددًا واسعًا من الحيوانات التي نأكلها أو نستخدمها.

هل هو قرب الحيوان من الإنسان؟

إذن نحن نتحدث عن العلاقة، لا عن الحيوان نفسه.

هل هو العرف والثقافة؟

إذن نحن أمام قاعدة اجتماعية، لا أمام أخلاق عالمية.

وهنا يمكن أن نكتشف شيئًا مهمًا: ربما لا توجد إجابة واحدة بسيطة، لأن علاقتنا بالحيوانات نفسها مركبة من طبقات مختلفة؛ الحاجة الغذائية، والاقتصاد، والتقاليد، والدين، والبيئة، والتربية، والعاطفة، والقانون، ثم الأخلاق.

لكن التعقيد لا يعني غياب المعايير.

يمكن أن نختلف حول ما يجوز أكله، ثم نتفق على أن القسوة غير الضرورية مشكلة. ويمكن أن تختلف الثقافات في اختيار الحيوان الذي يدخل المطبخ، ثم يبقى من الممكن مناقشة ظروف تربيته ونقله وذبحه.

وهذا أكثر جدية من اختزال المسألة في سؤال: «هل تأكل هذا الحيوان أم لا؟»

الكلب ليس القضية

لهذا فإن الجدل حول أكل الكلاب قد يكون مضللًا إذا توقف عند الكلب نفسه.

الكلب مجرد مرآة تكشف شيئًا موجودًا في كل مكان: الإنسان لا يتعامل مع الحيوانات وفق طبيعتها وحدها، بل وفق الخريطة التي رسمها لها داخل ثقافته.

خريطة تحدد من يكون صديقًا، ومن يكون غذاءً، ومن يكون أداة للعمل، ومن يكون كائنًا يستحق الحماية، ومن يمكن أن يتحول إلى سلعة.

والخريطة قابلة للتغيير.

الحيوانات التي كانت ضرورية للعمل يمكن أن تتحول إلى رفقاء. والحيوانات التي كان قتلها عاديًا يمكن أن تصبح محمية بالقانون. والحيوانات التي كانت جزءًا من النظام الغذائي يمكن أن تختفي من المائدة عندما تتغير الثقافة أو الاقتصاد أو القيم.

إذن علاقتنا بالحيوان ليست حقيقة جامدة؛ إنها تاريخ مستمر من إعادة التصنيف.

وربما تكمن المفارقة الأعمق في أننا لا نشعر عادة بأننا نصنف الحيوانات أصلًا. نحن فقط نعيش داخل التصنيف الذي وجدناه جاهزًا.

فالطفل لا يجلس يومًا ليقرر أن الخروف طعام والكلب صديق.

إنه يتعلم ذلك قبل أن يصبح قادرًا على طرح السؤال.

يتعلمه من المطبخ، ومن السوق، ومن اللغة، ومن القصص، ومن طريقة الأسرة في الحديث عن الحيوانات. ثم يكبر ويجد أن بعض هذه التصنيفات «طبيعي»، وأن بعضها الآخر «غريب»، مع أن كليهما قد يكون نتيجة تاريخ طويل من العادات والعلاقات.

وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة للاهتمام من السؤال عن الكلب نفسه:

هل نحن نختار ما نأكل، أم أن ثقافتنا اختارت لنا منذ البداية ما الذي يبدو لنا صالحًا للأكل؟

الخاتمة: من الذي يضع الحيوان على المائدة؟

قد يكون السؤال الحقيقي إذن ليس: لماذا يأكل بعض الناس الكلاب؟

بل:

لماذا لا نأكل نحن الكلاب؟

قد يبدو السؤال مستفزًا، لكنه أكثر فائدة؛ لأنه يجبرنا على النظر إلى المائدة التي اعتدناها نحن، لا إلى مائدة الآخرين فقط.

إذا كانت الإجابة: «لأن الكلب حيوان أليف»، يمكن أن يسأل آخر: ولماذا أصبح أليفًا عندكم وليس عندنا؟

وإذا كانت الإجابة: «لأننا نرفض معاناة الحيوان»، يصبح السؤال: هل ينطبق هذا المبدأ على الحيوانات الأخرى بالطريقة نفسها؟

أما إذا كانت الإجابة ببساطة: «لأننا تربينا على ذلك»، فقد نكون اقتربنا من الحقيقة أكثر مما نعتقد.

فالإنسان لا يكتفي بأن يأكل.

إنه يصنع حول طعامه معنى، ويضع للحيوانات مراتب، ثم ينسى أنه هو الذي رسم تلك المراتب.

ولهذا ربما لا يكون أغرب شيء في قصة الكلب والخروف أن ثقافتين تختلفان حول الحيوان الذي يؤكل.

الأغرب أن كل ثقافة تستطيع أن تنظر إلى مائدة الأخرى فتشعر بالغرابة، دون أن تتساءل كثيرًا عن الأشياء التي أصبحت عادية على مائدتها هي.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.