اقتصاد الحروب: اثناء الحرب: من يربح من الحرب؟

عندما تكون الحرب كارثة على المجتمع وفرصة اقتصادية لآخرين

حين تبدأ الحرب، تتجه الأنظار إلى الخسائر: المدن المدمرة، الأرواح التي أزهقت، المصانع المتوقفة، والأسواق المضطربة. لكن الاقتصاد ينظر إلى المشهد بطريقة مختلفة. ففي المكان الذي يخسر فيه قطاع، قد يرتفع الطلب على قطاع آخر، وحين تتراجع صناعة قد تحصل أخرى على عقود ضخمة، وقد تخسر دولة سوقًا بينما تجد دولة أخرى فرصة لتوسيع صادراتها.

وهنا تظهر حقيقة غير مريحة: الحرب لا تجعل الجميع يخسرون بالطريقة نفسها، ولا تجعل الجميع يربحون بالطريقة نفسها.

قد تكون الحرب كارثة على الاقتصاد ككل، وفي الوقت نفسه مصدر أرباح ضخمة لبعض الشركات والقطاعات. وهذا لا يعني أن الحرب شُنت من أجل الربح، لكنه يعني أنها تخلق حولها مصالح اقتصادية تستحق الفهم.

الربح لا يعني أن الحرب مفيدة

إذا حققت شركة أرباحًا ضخمة بسبب ارتفاع الإنفاق العسكري، فهذا لا يعني أن المجتمع أصبح أكثر ثراءً. الأموال التي دفعتها الدولة جاءت من الضرائب أو الديون أو إعادة توجيه موارد كان يمكن استخدامها في قطاعات أخرى.

لذلك يجب التمييز بين ربح طرف معين والمكسب الاقتصادي الصافي للمجتمع. يمكن لشركة أن تربح بينما يخسر الاقتصاد، لأن الشركة حصلت على جزء أكبر من موارد أصبحت مخصصة للحرب.

وهذه من أهم مفارقات اقتصاد الحرب: زيادة النشاط الاقتصادي لا تعني بالضرورة زيادة الرفاه الاقتصادي.

صناعة الحرب أوسع من السلاح

ليست شركات الأسلحة وحدها المستفيدة. الحرب تحتاج إلى النقل والطاقة والاتصالات والأمن والمواد الخام والصيانة والبرمجيات والخدمات اللوجستية والبنية التحتية والمعلومات والخدمات المالية.

وهكذا تنتقل موجة الطلب من قطاع إلى آخر. تبدأ بإنفاق حكومي استثنائي، ثم تصل إلى الشركات المتعاقدة، ومنها إلى الموردين وشركات النقل والطاقة والمواد الخام.

لكن طبيعة المشتري هنا مختلفة. فالمستهلك يستطيع تأجيل شراء سيارة أو هاتف، بينما الدولة التي تخوض حربًا قد لا تستطيع تأجيل شراء الذخيرة أو قطع الغيار أو أنظمة الدفاع. ولذلك يصبح الطلب الحكومي أكثر إلحاحًا، وقد تكون الدولة مستعدة لدفع أسعار أعلى مقابل السرعة.

وهنا تظهر مشكلة أخرى: كلما زادت الحاجة والاستعجال، قلت قدرة المشتري على التفاوض، وزادت احتمالات الهدر وسوء التقدير والتلاعب بالعقود.

الحرب تخلق سوقًا للاستعجال

في الظروف الطبيعية تستطيع الدولة مقارنة الأسعار وانتظار الإنتاج والتفاوض مع الموردين. أما الحرب فتجعل الوقت نفسه موردًا نادرًا.

قد تحتاج الدولة إلى منتج خلال أشهر بدل سنوات، فتدفع مقابل القدرة الإنتاجية السريعة. وقد تصبح شركة متوسطة لاعبًا رئيسيًا لأنها تملك مصنعًا قادرًا على تلبية الطلب العاجل.

ومع استمرار الحرب يمكن أن تنمو هذه الشركات، وتوسع مصانعها، وتشتري منافسين أصغر، وتبني خبرة يصعب على الآخرين اللحاق بها. وعندما تنتهي الحرب، قد لا تعود السوق إلى شكلها السابق.

إذن الحرب لا توزع المال فقط؛ قد تعيد توزيع القوة داخل الأسواق.

ارتفاع الأسعار لا يعني أن الجميع يربح

قد ترتفع أسعار الطاقة أو المواد الخام بسبب الحرب، فيبدو أن المنتجين حققوا مكاسب كبيرة. لكن ارتفاع سعر سلعة قد يعني في الوقت نفسه ارتفاع تكاليف النقل والزراعة والصناعة والاستهلاك.

إذا ارتفع سعر الوقود، قد تستفيد شركة إنتاج الطاقة، لكن شركات النقل والمصانع والمزارع والأسر تدفع أكثر. وإذا ارتفع سعر مادة صناعية، فقد ترتفع إيرادات منتجها بينما تتراجع أرباح الشركات التي تعتمد عليها.

لذلك لا يكفي أن نسأل: من ارتفع دخله؟

بل يجب أن نسأل: على حساب من ارتفع؟

فالحرب كثيرًا ما تنقل القيمة من طرف إلى آخر بدل أن تخلق قيمة جديدة.

المضاربة على الندرة

الحرب تخلق بيئة مثالية للندرة وعدم اليقين. مادة كانت متاحة بسهولة قد تصبح نادرة، وطريق تجاري قد يتعطل، ومصدر للطاقة قد يصبح غير موثوق.

عندها يبدأ البعض في تخزين السلع أو شرائها قبل ارتفاع الأسعار المتوقع. وقد يكون ذلك منطقيًا من وجهة نظر المستثمر، لكنه قد يزيد المشكلة عندما يتحول التخزين إلى عامل إضافي في نقص المعروض.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: الخوف من النقص يمكن أن يصنع جزءًا من النقص الذي يخشاه الناس.

فالحرب لا تغير الأسعار فقط، بل تغير توقعات الناس بشأن المستقبل، وهذه التوقعات نفسها يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية مؤثرة.

إعادة البناء: سوق تنشأ من الخراب

بعد انتهاء المعارك تظهر سوق ضخمة أخرى: إعادة البناء.

المدن تحتاج إلى الإسمنت والحديد والكهرباء والمساكن والمستشفيات والطرق والمطارات وشبكات المياه والاتصالات. وهذا يخلق طلبًا هائلًا على شركات البناء والطاقة والنقل والمواد والخدمات.

لكن هنا يجب الحذر من وهم اقتصادي شائع: وجود سوق ضخمة لإعادة البناء لا يعني أن الدمار كان مكسبًا اقتصاديًا.

إذا دمرت الحرب مدينة ثم أنفقت الدولة مليارات لإعادتها، فإنها لم تصبح أغنى بسبب مشاريع البناء. إنها تحاول استعادة جزء من الثروة التي كانت موجودة قبل الدمار.

إعادة البناء قد تنشط الاقتصاد، لكنها في كثير من الحالات تمثل تكلفة استعادة ما فُقد، لا ثروة مجانية نشأت من الخراب.

الحرب تعيد توزيع الأسواق بين الدول

لا تقتصر المكاسب على الشركات. قد تفقد دولة سوقًا مهمة بسبب الحرب أو العقوبات، بينما تحصل دولة أخرى على هذه السوق. وقد تنتقل الاستثمارات من منطقة غير مستقرة إلى منطقة أكثر أمانًا، أو تصبح دولة بعيدة مركزًا لتجارة جديدة لأنها توفر طرقًا بديلة.

وقد يتحول هذا الانتقال إلى مكسب دائم إذا استثمرت الدولة المستفيدة في البنية التحتية والمهارات وسلاسل التوريد. لكنه قد يبقى مؤقتًا إذا عادت الأسواق إلى وضعها السابق بعد انتهاء الأزمة.

وهكذا تستطيع الحرب أن تغير مواقع الفائزين والخاسرين في الاقتصاد العالمي، حتى بالنسبة إلى دول لم تشارك فيها مباشرة.

أين تبدأ المشكلة؟

ليس كل ربح يتحقق أثناء الحرب دليلًا على فساد. الجيوش تحتاج إلى الغذاء والصيانة والنقل، والمستشفيات تحتاج إلى المعدات، والدولة تحتاج إلى خدمات حقيقية، ومن الطبيعي أن تحصل الشركات التي توفرها على مقابل.

المشكلة تبدأ عندما يصبح استمرار الحرب مصلحة اقتصادية لبعض الأطراف.

إذا أصبحت شركة تعتمد بصورة كبيرة على الإنفاق العسكري، فإن استمرار هذا الإنفاق يصبح مهمًا لمصالحها التجارية. وهذا لا يعني أنها تريد الحرب بالضرورة، لكنه يعني أن هناك حافزًا اقتصاديًا يستحق الرقابة.

والخطر الحقيقي ليس أن يربح أحد من الحرب، بل أن يصبح الربح مرتبطًا باستمرارها.

عندما يتحول الربح إلى نفوذ

كلما كبرت العقود الحكومية، أصبحت الشركات المستفيدة أكثر أهمية. قد توظف آلاف الأشخاص، وتملك مصانع في مدن كاملة، وتعتمد عليها مئات الشركات الصغيرة.

عندها يصبح خفض الإنفاق العسكري قرارًا سياسيًا واقتصاديًا معقدًا. فخفض عقد كبير قد يعني إغلاق مصنع وفقدان وظائف وتضرر منطقة كاملة.

وهنا يتحول السؤال من: «هل نحتاج هذا الإنفاق؟» إلى سؤال آخر أكثر تعقيدًا: ماذا سيحدث لمن أصبح يعتمد عليه؟

وهذه إحدى الطرق التي يمكن أن تستمر بها آثار الحرب بعد انتهائها؛ ليس لأن الحرب ما زالت قائمة، بل لأن مصالح اقتصادية نشأت حولها.

الربح الخاص والخسارة العامة

قد تكون كلفة الحرب موزعة على ملايين الأشخاص، بينما تتركز بعض مكاسبها في عدد محدود من الشركات والمستثمرين.

المواطن يدفع من خلال ارتفاع الأسعار، والدولة تتحمل الديون، والمستهلك يتحمل نقص السلع، بينما تحقق شركة معينة أرباحًا استثنائية من عقد حكومي أو ارتفاع الطلب.

هذا لا يعني تلقائيًا وجود فساد، لكنه يجعل توزيع المكاسب والخسائر قضية اقتصادية وسياسية مهمة. فإذا كانت كلفة الحرب عامة، بينما أصبحت بعض فوائدها مركزة، يصبح السؤال عن قدرة المستفيدين على التأثير في القرارات أكثر أهمية.

الخلاصة

الحرب لا توزع الخسائر بالتساوي، ولا توزع الأرباح بالتساوي. بعض الشركات تنمو، وبعض المستثمرين يجدون فرصًا، وبعض الدول تستفيد من تغير التجارة، وبعض القطاعات تزدهر بسبب الإنفاق العسكري أو إعادة البناء.

لكن هذه الأرباح لا تعني أن الحرب أصبحت مكسبًا اقتصاديًا للمجتمع. قد يكون الربح الخاص جزءًا من إعادة توزيع موارد عامة، وقد تكون زيادة نشاط قطاع معين مصحوبة بخسائر أكبر في قطاعات أخرى.

لذلك فإن السؤال الأهم ليس: من ربح من الحرب؟

بل: هل يستطيع من يربح من الحرب أن يؤثر في قرار إنهائها؟

فحين يصبح للخراب سوق، يصبح فهم المصالح الاقتصادية المحيطة بالحرب جزءًا من فهم الحرب نفسها.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.