
فيتنام ولاوس وكمبوديا: ثلاث ملكيات خرجت من الاستعمار الفرنسي بثلاثة مصائر مختلفة
من ملكية أزالتها الثورة، إلى أخرى أسقطتها الحرب الباردة، وثالثة سقطت ثم عادت إلى الدولة من جديد
عندما ننظر إلى فيتنام ولاوس وكمبوديا اليوم، يصعب أن نتخيل أن البلدان الثلاثة كانت جزءًا من فضاء سياسي متقارب، وأنها دخلت العصر الحديث في ظل النفوذ الفرنسي ضمن الهند الصينية الفرنسية. كانت لكل منها تقاليد سياسية قديمة، وسلالات حاكمة، ومؤسسات ملكية حافظت فرنسا على وجودها، وإن كانت قد نزعت منها جانبًا كبيرًا من السيادة.
لكن انتهاء الاستعمار الفرنسي لم ينتج مصيرًا واحدًا لهذه الملكيات. ففيتنام ألغت ملكيتها مع الثورة، ولاوس فقدت عرشها بعد انتصار الحركة الشيوعية في الحرب الأهلية، بينما سقطت الملكية الكمبودية ثم عادت بعد عقود من الحرب والصراع. وهنا لا تكمن المسألة في اختلاف الملوك أنفسهم فقط، بل في اختلاف الأنظمة السياسية والحروب والقوى الخارجية التي واجهتها كل دولة بعد انتهاء الاستعمار.
فرنسا أبقت العروش، لكنها نزعت منها السيادة
لم يكن الاستعمار الفرنسي قائمًا على إلغاء جميع المؤسسات المحلية واستبدالها مباشرة بإدارة أوروبية. ففي أجزاء من الهند الصينية، كان الإبقاء على السلالات الحاكمة أكثر فائدة من إلغائها.
فالملك كان يمتلك شرعية تاريخية في نظر السكان، ويمكن أن يمنح النظام الاستعماري قدرًا من الاستمرارية المحلية. لذلك بقيت العروش في فيتنام ولاوس وكمبوديا، لكن داخل منظومة كانت فرنسا تملك فيها النفوذ العسكري والسياسي والإداري الأساسي.
وبذلك نشأت مفارقة مشتركة بين البلدان الثلاثة: بقي العرش، لكن تراجعت السيادة التي تمنحه معناه السياسي.
غير أن هذا الوضع لم يكن دائمًا. فعندما بدأت فرنسا تفقد سيطرتها بعد الحرب العالمية الثانية، لم تكن الملكيات الثلاث تملك المكانة نفسها، ولم تكن الحركات السياسية التي واجهتها متشابهة.
وهنا بدأت طرقها في التباعد.
فيتنام: ملكية فقدت قدرتها على تمثيل الاستقلال
كانت أسرة نغوين تحكم فيتنام منذ أوائل القرن التاسع عشر، لكن الإمبراطور أصبح خلال الفترة الاستعمارية يعمل داخل مساحة سياسية محدودة. بقي القصر والمراسم والمؤسسة الإمبراطورية، بينما كانت الإدارة الفرنسية صاحبة النفوذ الحاسم في الدولة.
وجاء باو داي، آخر أباطرة فيتنام، ليجد نفسه في هذا الوضع المعقد. تلقى جانبًا كبيرًا من تعليمه في فرنسا، وتولى العرش شابًا، وحاول لاحقًا توسيع مساحة الإصلاح والحكم المحلي، لكنه لم يكن يملك السيطرة على الدولة التي يفترض أنه إمبراطورها.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية وانهيار السيطرة الفرنسية، قبل أن تستولي اليابان على الإدارة المباشرة للهند الصينية في عام 1945. وأعلنت فيتنام استقلالًا اسميًا تحت حكم باو داي، لكن هذا الاستقلال جاء في ظل الاحتلال الياباني ولم يملك فرصة حقيقية للاستقرار.
بعد هزيمة اليابان، تحركت حركة فييت منه بقيادة هو تشي منه وسيطرت على السلطة. وفي أغسطس 1945 تنازل باو داي عن العرش، وانتهت بذلك الملكية الإمبراطورية الفيتنامية.
كان سقوطها مختلفًا عن مجرد سقوط نظام ملكي تقليدي، لأن الحركة الثورية لم تكن تريد فقط إنهاء النفوذ الفرنسي، بل كانت تطرح مشروعًا جديدًا للدولة والشرعية السياسية.
لم تعد السلالة الإمبراطورية هي الطريق إلى الاستقلال في نظر القوة السياسية الصاعدة. أصبحت الثورة والجمهورية والاستقلال الوطني هي أساس الشرعية الجديدة.
ولهذا لم تكن هناك مساحة سياسية حقيقية لعودة الملكية.
لماذا لم تعد الملكية الفيتنامية؟
المشكلة الأساسية أن الثورة الفيتنامية لم تترك وراءها فراغًا يمكن أن تملأه الملكية.
فقد بنت مؤسساتها، وجيشها، وتنظيمها السياسي، ثم دخلت حربًا طويلة مع فرنسا. وبعد هزيمة فرنسا عام 1954، دخلت فيتنام مرحلة جديدة من الصراع انتهت بانقسام البلاد ثم حرب فيتنام.
وبذلك أصبح النظام الجمهوري الثوري مرتبطًا بفكرة الاستقلال نفسها.
عودة الإمبراطور كانت ستعني إعادة مؤسسة مرتبطة بالنظام القديم وبمرحلة الاستعمار، في حين كانت الحركة الثورية تقدم نفسها باعتبارها صاحبة المشروع الوطني الجديد.
لذلك انتهت الملكية في فيتنام مع إعادة تعريف الدولة نفسها، وليس لمجرد أن الملك فقد شعبيته أو أن النظام الملكي أصبح قديمًا.
لاوس: ملكية حاصرتها الحرب الباردة
في لاوس كان المسار مختلفًا.
كانت البلاد أصغر وأضعف، وكانت الملكية أكثر تعرضًا لتوازنات القوى الخارجية. وبعد انتهاء النفوذ الفرنسي واستقلال لاوس، بقي العرش، وتولى سيسافانغ فاثانا الملك عام 1959.
لكن الملكية وجدت نفسها سريعًا في قلب الحرب الباردة.
كانت هناك حكومة ملكية مدعومة من الولايات المتحدة والقوى الغربية، وقوى محايدة حاولت الحفاظ على توازن سياسي، وحركة باتيت لاو الشيوعية المرتبطة بشمال فيتنام.
وهكذا لم يكن الصراع اللاوسي مجرد خلاف بين أحزاب محلية. فقد أصبحت البلاد جزءًا من صراع إقليمي ودولي أوسع، بينما كانت الحرب في فيتنام تمتد إلى الأراضي اللاوسية.
استخدمت القوات الفيتنامية الشمالية أجزاء من لاوس ضمن شبكة الإمداد المعروفة بممر هو تشي منه، بينما دعمت الولايات المتحدة وحلفاؤها الحكومة الملكية والقوى المناهضة للشيوعية.
أصبحت لاوس بذلك دولة صغيرة تعيش داخل حرب أكبر من قدرتها على التحكم فيها.
حين أصبحت الملكية جزءًا من المعسكر المهزوم
هنا يظهر الفارق الأساسي بين فيتنام ولاوس.
في فيتنام، انتهت الملكية مع الثورة التي أعادت تشكيل الدولة.
أما في لاوس، فقد بقيت الملكية طوال سنوات الحرب الباردة، لكنها أصبحت تدريجيًا جزءًا من النظام الذي يقاتل الحركة الشيوعية.
وعندما تغير ميزان القوى عام 1975، وسقطت سايغون ووصل الخمير الحمر إلى السلطة في كمبوديا، انتصر باتيت لاو في لاوس.
وفي ديسمبر 1975 أُلغي النظام الملكي وأعلنت جمهورية لاوس الديمقراطية الشعبية.
لم تكن هناك تسوية سياسية أبقت على العرش، كما حدث لاحقًا في كمبوديا. لقد انتصر طرف واحد وأعاد بناء الدولة على أساس سياسي مختلف.
وكان مصير الملك سيسافانغ فاثانا أكثر قسوة من مجرد التنازل عن العرش؛ فقد بقي في البلاد وأرسل مع أفراد من الأسرة الملكية إلى معسكرات إعادة التعليم، وتوفي في الأسر عام 1978 وفق الرواية المتداولة على نطاق واسع.
وهكذا انتهت الملكية اللاوسية مع انتصار النظام الذي كانت تحاربه.
كمبوديا: الملكية التي ارتبطت بالاستقلال
أما كمبوديا فدخلت التجربة الاستعمارية نفسها تقريبًا، لكنها خرجت منها بمسار مختلف تمامًا. كان العامل الأهم هنا هو نورودوم سيهانوك.
لم يكن سيهانوك مجرد ملك تقليدي يعيش داخل النظام الفرنسي. فقد استخدم موقعه الملكي في النضال من أجل استقلال كمبوديا، ونجح عام 1953 في الوصول إلى الاستقلال الكامل عن فرنسا. لكن سيهانوك لم يكتفِ بالعرش.
في عام 1955 تنازل عنه لصالح والده حتى يتمكن من دخول السياسة بصورة مباشرة. وبذلك تحول من ملك إلى زعيم سياسي، وأصبح الشخصية المهيمنة في الحياة السياسية الكمبودية. وهذه النقطة ستصبح حاسمة لاحقًا، لأن سيهانوك تجاوز مؤسسة العرش نفسها. فحتى عندما لم يعد ملكًا، بقي مرتبطًا بالاستقلال وبالدولة وبالهوية السياسية لكمبوديا.
ملك بلا عرش، ثم زعيم أُطيح به
خلال الحرب الباردة حاول سيهانوك الحفاظ على حياد كمبوديا، لكن موقع البلاد بين فيتنام وتايلاند والقوى الكبرى جعل الحياد شديد الصعوبة. وفي عام 1970 أُطيح به في انقلاب قاده لون نول. لكن سقوطه لم يكن نهاية دوره.
دخل سيهانوك في تحالف مع خصوم النظام الجديد، ومن بينهم الخمير الحمر، وأصبح شخصية رمزية مهمة للمعارضة. ثم عاد إلى كمبوديا بعد وصول الخمير الحمر إلى السلطة عام 1975، لكنه وجد نفسه محاصرًا داخل نظام لم يعد يملك فيه أي سلطة حقيقية.
بعد سقوط الخمير الحمر عام 1979، استمر الصراع الكمبودي سنوات أخرى، إلى أن تغيرت الظروف الدولية مع نهاية الحرب الباردة. وهنا ظهرت إمكانية لم تكن متاحة في فيتنام ولاوس: التسوية بدل الانتصار الكامل لطرف واحد.
لماذا عادت الملكية في كمبوديا؟
في عام 1991 فتحت اتفاقيات باريس الطريق أمام عملية سياسية جديدة، وفي عام 1993 عادت الملكية وأصبح سيهانوك ملكًا مرة أخرى. وهذا الحدث يكشف الفرق الجوهري بين التجارب الثلاث. لم تكن كمبوديا في 1993 تعود إلى الملكية التي عرفتها قبل الاستعمار. كان البلد قد مر بالانقلاب والحرب الأهلية والخمير الحمر والتدخل الفيتنامي والصراع الدولي.
كانت الملكية الجديدة ملكية دستورية، والملك لم يعد صاحب سلطة تنفيذية. لكن العرش كان يستطيع أن يؤدي وظيفة مختلفة: رمز الاستمرارية الوطنية بعد عقود من الانقسام. وهنا كان وجود سيهانوك مهمًا بصورة خاصة، لأنه لم يكن مجرد وريث لسلالة قديمة، بل شخصية ارتبطت باستقلال البلاد وعاشت معظم مراحل انهيارها وإعادة بنائها.
الفرق الحاسم لم يكن الاستعمار بل ما جاء بعده
إذا توقفنا عند الاستعمار الفرنسي فقط، فلن نستطيع تفسير اختلاف المصائر. فالبلدان الثلاثة خرجت من النفوذ الفرنسي، لكن كل واحد منها دخل بعد ذلك في مسار مختلف. فيتنام: ظهرت ثورة ذات مشروع سياسي متكامل، وانتهت الملكية مع إعادة بناء الدولة على أساس جمهوري ثوري. لاوس: بقيت الملكية داخل حرب أهلية مرتبطة بالحرب الباردة، ثم سقطت عندما انتصر باتيت لاو وأقام نظامًا جمهوريًا شيوعيًا. كمبوديا: تعرضت الملكية للسقوط والانقلاب والحرب، لكنها لم تختفِ من الذاكرة السياسية، ثم عادت عندما انتهى الصراع بتسوية سياسية لا بانتصار نهائي لطرف واحد. وهذا هو الفارق الأهم.
الملكية لا تسقط فقط عندما تصبح ضعيفة؛ تسقط نهائيًا عندما ينتصر نظام يستطيع الاستغناء عنها.
الجغرافيا ضاعفت اختلاف المصائر
لا يمكن أيضًا تجاهل الموقع الجغرافي. فيتنام كانت مركز الصراع في جنوب شرق آسيا، ولها حدود مباشرة مع الصين، وأصبحت ساحة رئيسية للمواجهة بين الشيوعية والقوى الغربية. ولاوس كانت دولة داخلية محاطة بالدول المتصارعة، وتحولت أراضيها إلى جزء من الحرب في فيتنام. أما كمبوديا فحاولت في البداية الحفاظ على الحياد، لكنها انجرفت تدريجيًا إلى الحرب، ثم أصبحت بعد ذلك ساحة لصراع داخلي وإقليمي ودولي.
لذلك لم تكن الجغرافيا هي التي قررت وحدها مصير الملكيات، لكنها حددت نوع الضغوط التي تعرض لها كل نظام.
ثلاث ملكيات، وثلاثة أسباب للسقوط أو البقاء
إذا جمعنا القصص الثلاث، تصبح الفروق أكثر وضوحًا. باو داي يمثل ملكية فقدت قدرتها على تمثيل مشروع الاستقلال، فسقطت أمام الثورة. سيسافانغ فاثانا يمثل ملكية أصبحت جزءًا من نظام سياسي هزمته الحركة الشيوعية في نهاية الحرب الأهلية، فسقط العرش معه.
أما سيهانوك فيمثل حالة مختلفة: ملكية ارتبطت بشخصية وطنية تجاوزت العرش نفسه، ثم أمكن استخدام المؤسسة الملكية مرة أخرى في تسوية سياسية أعادت بناء الدولة.
لذلك لم يكن السؤال الحقيقي: لماذا كانت فرنسا قوية؟ كانت فرنسا قوية في البلدان الثلاثة. السؤال الأهم كان: ماذا حدث بعد أن رحلت فرنسا؟ وهنا ظهرت الاختلافات الحقيقية.
الاستعمار كان البداية، لا النهاية
أدى انتهاء الاستعمار إلى فتح فراغ سياسي، لكن الحرب الباردة ملأت هذا الفراغ بسرعة. لم يعد السؤال فقط: من يحكم بعد الفرنسيين؟أصبح السؤال: هل ستكون الدولة ملكية أم جمهورية؟ هل ستكون شيوعية أم غير شيوعية؟ هل ستنضم إلى أحد المعسكرين أم تحاول الحياد؟ ومن يملك الجيش؟ ومن يملك الشرعية؟ ومن يستطيع فرض سلطته على الدولة؟
كانت هذه الأسئلة هي التي حسمت مصير العروش. ولهذا فإن تشابه البداية لا يعني تشابه النهاية. قد تبدأ ثلاث دول بالنظام الاستعماري نفسه تقريبًا، ثم تنتهي إلى أنظمة سياسية مختلفة تمامًا لأن القوى المحلية والحروب والجغرافيا والتدخلات الخارجية تعيد تشكيل كل دولة بطريقة مختلفة.
النهاية
دخلت فيتنام ولاوس وكمبوديا القرن العشرين بملوك، وخرجت منه دولتان جمهوريتان وملكية دستورية. لكن العروش الثلاثة لم تكن متساوية في قوتها أو شرعيتها، ولم تكن مرتبطة بالمجتمع بالطريقة نفسها، ولم تواجه الحركات السياسية والحروب نفسها.
فيتنام أزالت الملكية عندما أعادت الثورة تعريف الدولة. ولاوس ألغتها عندما انتصرت الحركة الشيوعية في الحرب الأهلية. وكمبوديا أسقطتها، ثم أعادت استخدامها بعد عقود عندما أصبحت هناك حاجة إلى رمز قادر على تمثيل الاستمرارية الوطنية داخل تسوية سياسية جديدة.
وهذه هي المفارقة الأهم في تاريخ الهند الصينية الحديثة: الاستعمار الفرنسي وضع البلدان الثلاثة داخل إطار سياسي متقارب، لكنه لم يحدد مستقبلها. فبعد رحيل فرنسا، بدأت الاختلافات الحقيقية في الظهور.
لم تكن نهاية العروش الثلاثة نتيجة واحدة للاستعمار، بل نتيجة ثلاث طرق مختلفة للخروج من الاستعمار والدخول في الحرب الباردة وبناء الدولة الحديثة. ولهذا لم يكن سقوط الملكيات نهاية القصة. كان بداية السؤال الأهم:
ماذا ستفعل كل دولة بالماضي الذي ورثته بعد أن انتهى عصر الإمبراطورية الأوروبية؟