
لم تكن الحرب قدرًا محتومًا، لكنها أصبحت مع كل تنازل وتسوية أكثر احتمالًا
عندما ننظر إلى الحرب العالمية الثانية من الحاضر، يبدو اندلاعها وكأنه نتيجة طبيعية لكل ما سبقها. ألمانيا النازية تريد التوسع، وهتلر يريد إسقاط النظام الأوروبي، واليابان تتوسع في آسيا، وإيطاليا تريد إمبراطورية، والعالم يعيش أزمة اقتصادية وسياسية عميقة. وبعد أن نعرف النهاية، يبدو من السهل أن نقول إن الحرب كانت حتمية.
لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة. الأحداث التي نعرف أنها وقعت لم تكن معروفة مسبقًا لمن عاشها. وفي عام 1933 أو 1936 أو حتى 1938، لم يكن اندلاع حرب عالمية في سبتمبر 1939 أمرًا محتومًا. كانت هناك في كل مرحلة احتمالات أخرى، وإن كانت تزداد صعوبة مع مرور الوقت.
ولهذا فإن السؤال الأفضل ليس: «لماذا اندلعت الحرب؟»، وإنما: متى أصبح تجنبها صعبًا، وهل كانت هناك لحظات كان يمكن فيها تغيير مسار التاريخ؟
فرساي لم تجعل الحرب حتمية
من الشائع تفسير الحرب العالمية الثانية باعتبارها نتيجة مباشرة لمعاهدة فرساي التي فرضت على ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى. كانت المعاهدة قاسية ومهينة في نظر قطاعات واسعة من الألمان، وفرضت قيودًا عسكرية وتعويضات مالية وأعادت رسم الحدود.
لكن تحويل فرساي إلى تفسير كامل للحرب يبسط التاريخ أكثر مما ينبغي.
فألمانيا لم تدخل الحرب بعد فرساي مباشرة. بل عاشت سنوات من الاستقرار النسبي، ودخلت في النظام الدولي تدريجيًا، وانضمت إلى عصبة الأمم، وبدأت علاقاتها مع الدول الأوروبية تتحسن.
إذن كان هناك طريق آخر ممكن: تعديل النظام الذي نشأ بعد الحرب الأولى تدريجيًا، بدل تدميره بالقوة.
المشكلة لم تكن في وجود مظالم ألمانية فحسب، بل في أن الأزمة الاقتصادية والسياسية الكبرى فتحت المجال أمام حركة سياسية قدمت التوسع والقوة العسكرية باعتبارهما حلًا لمشكلات ألمانيا.
هتلر غيّر طبيعة المشكلة
كان وصول هتلر إلى السلطة عام 1933 نقطة تحول حقيقية.
لم يكن مشروعه مجرد استعادة الأراضي التي خسرتها ألمانيا بعد الحرب الأولى. كان مشروعًا أوسع بكثير، يقوم على إعادة بناء القوة العسكرية الألمانية والتوسع الإقليمي وإعادة تشكيل أوروبا، خصوصًا في الشرق.
وهنا بدأت المشكلة تتحول من خلاف حول شروط معاهدة إلى صراع حول شكل النظام الأوروبي نفسه.
لكن حتى وصول هتلر إلى السلطة لم يجعل الحرب العالمية حتمية.
كان يمكن نظريًا أن تتعامل القوى الأوروبية مع ألمانيا الجديدة من خلال الردع السياسي والعسكري، أو أن تحاول احتواء مطالبها المحدودة، أو أن تربط أي تنازل باتفاقات واضحة تمنع التوسع اللاحق.
لكن ما حدث كان مختلفًا.
كل نجاح شجّع على النجاح التالي
في عام 1936 أعاد هتلر إدخال القوات الألمانية إلى منطقة الراين، رغم أن ذلك خالف القيود المفروضة على ألمانيا.
كانت هذه لحظة مهمة جدًا، لأن ألمانيا في تلك المرحلة لم تكن قد وصلت بعد إلى القوة العسكرية التي امتلكتها لاحقًا.
ولو واجهت الخطوة الألمانية ردًا عسكريًا حازمًا، كان يمكن أن تتغير حسابات هتلر وحسابات الجيش الألماني نفسه.
لكن لم يحدث ذلك.
ثم جاءت خطوات أخرى: إعادة التسلح، ثم ضم النمسا عام 1938، ثم أزمة السوديت وتفكيك تشيكوسلوفاكيا.
كل نجاح كان يعطي القيادة الألمانية شيئًا أكثر من الأرض والنفوذ. كان يعطيها الثقة بأن خصومها سيتراجعون مرة أخرى.
وهنا تظهر واحدة من أخطر آليات الأزمات الدولية: التنازل الأول قد لا يمنع الحرب، بل قد يقنع الطرف الأكثر طموحًا بأن بإمكانه الحصول على المزيد.
هل كانت سياسة الاسترضاء خطأ؟
غالبًا ما يتم اختصار كل ما حدث في كلمة واحدة: الاسترضاء.
لكن الحكم على سياسة بريطانيا وفرنسا في تلك الفترة يجب أن يكون أكثر تعقيدًا.
كانتا قد خرجتا من حرب عالمية مدمرة قبل أقل من عشرين عامًا. الرأي العام لم يكن يريد حربًا جديدة، والاقتصادات الأوروبية كانت تعاني، والجيوش لم تكن مستعدة لحرب كبرى، كما أن بعض المطالب الألمانية بدت في البداية قابلة للنقاش.
لذلك لم يكن تجنب الحرب بالضرورة جبنًا أو سذاجة.
المشكلة أن سياسة الاسترضاء فقدت فعاليتها عندما أصبح واضحًا أن مطالب هتلر لا تتوقف عند تعديل نظام فرساي، بل تمتد إلى إعادة تشكيل أوروبا بالقوة.
وكان احتلال بقية تشيكوسلوفاكيا في مارس 1939 لحظة كاشفة؛ فقد أصبح من الصعب بعد ذلك اعتبار المشروع الألماني مجرد محاولة لاستعادة أراضٍ ذات أغلبية ألمانية.
بولندا كانت نقطة التحول
بعد سقوط تشيكوسلوفاكيا، أدركت بريطانيا وفرنسا أن التراجع أمام المطالب الألمانية لم يعد يؤدي إلى تسوية نهائية.
لذلك قدمتا ضمانات لبولندا.
لكن الحسابات الدولية كانت قد أصبحت أكثر تعقيدًا. وفي أغسطس 1939 وقعت ألمانيا والاتحاد السوفيتي اتفاق عدم اعتداء، تضمن ترتيبات سرية لتقسيم مناطق النفوذ في أوروبا الشرقية.
هذا الاتفاق غيّر حسابات هتلر بصورة كبيرة. فقد أصبح بإمكانه مهاجمة بولندا دون الدخول فورًا في حرب مباشرة مع الاتحاد السوفيتي.
وفي 1 سبتمبر 1939 بدأ الغزو الألماني لبولندا.
وبعد يومين أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا.
وهكذا بدأت الحرب العالمية الثانية في أوروبا.
هل كان يمكن إيقافها؟
نعم، ولكن ليس بالضرورة في سبتمبر 1939 فقط.
كانت هناك عدة نقاط كان يمكن عندها تغيير المسار.
كان يمكن مواجهة إعادة احتلال الراين عام 1936 بقوة أكبر. وكان يمكن التعامل مع توسع ألمانيا في النمسا وتشيكوسلوفاكيا بطريقة مختلفة. وكان يمكن بناء تحالف أكثر فاعلية لردع ألمانيا قبل أن تصبح أقوى.
لكن كل فرصة ضائعة جعلت الفرصة التالية أصعب.
وهذه نقطة مهمة في فهم الحروب الكبرى: الحرب لا تصبح حتمية في لحظة واحدة؛ أحيانًا تصبح أقل قابلية للتجنب تدريجيًا.
كلما ازدادت قوة الطرف المتوسع، وكلما فقدت الأطراف الأخرى الثقة في بعضها، وكلما تراكمت الأزمات والالتزامات العسكرية، أصبحت تكلفة التراجع أكبر.
لم يكن هتلر وحده سبب الحرب العالمية
هذا لا يعني مساواة المسؤوليات.
المشروع النازي التوسعي كان العامل الأساسي في إشعال الحرب الأوروبية، وغزو بولندا كان القرار المباشر الذي فجّر الصراع بين ألمانيا وبريطانيا وفرنسا.
لكن فهم الطريق إلى الحرب يتطلب النظر أيضًا إلى البيئة التي سمحت لهذا المشروع بالنجاح: أزمة اقتصادية هائلة، ضعف النظام الدولي، صعود القوميات المتطرفة، الانقسام بين القوى الأوروبية، ضعف عصبة الأمم، والخوف من الشيوعية، وفشل محاولات بناء جبهة موحدة لردع ألمانيا.
الحرب إذن لم تكن نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تفاعل مجموعة من الأزمات والقرارات.
أخطر وهم: أن الجميع يعرفون أين ينتهي الطريق
ربما تكون أكبر مشكلة في تفسير الحرب بعد وقوعها أننا نعرف النهاية.
نحن نعرف أن هتلر سيغزو بولندا، ثم فرنسا، ثم الاتحاد السوفيتي، وأن الحرب ستصبح عالمية، وأن ألمانيا ستُهزم في النهاية.
لكن صناع القرار في عام 1936 لم يكونوا يعيشون عام 1945.
كان عليهم اتخاذ قراراتهم بناءً على معلومات ناقصة، وحسابات عسكرية وسياسية غير مؤكدة، ورأي عام مرهق من الحرب السابقة.
ولهذا لا يمكن ببساطة القول إن أي شخص رفض المواجهة في البداية كان يريد الحرب أو كان أحمقًا.
لكن يمكن القول إن النجاحات المتتالية للسياسة الألمانية جعلت تقدير الخطر أكثر وضوحًا، ومع ذلك استمرت القوى الأوروبية في التحرك ببطء حتى أصبح الخيار العسكري أكثر صعوبة وكلفة.
إذن هل كانت الحرب حتمية؟
لا.
لكنها أيضًا لم تكن مجرد حادث عرضي وقع فجأة في سبتمبر 1939.
كانت هناك مرحلة طويلة بين الحرب والسلام، وفيها كانت القرارات السياسية تدفع العالم تدريجيًا نحو أحد المسارين.
كان يمكن أن تنتهي الأزمة الأوروبية من خلال ردع أقوى، أو تسويات مختلفة، أو تحالفات أكثر فاعلية، أو تغيرات داخل ألمانيا نفسها.
لكن هذه البدائل لم تتحقق.
ومع مرور الوقت أصبح هامش المناورة أضيق، حتى وصل العالم إلى لحظة أصبح فيها غزو بولندا نقطة الانفجار.
لذلك ربما تكون العبارة الأدق هي:
الحرب العالمية الثانية لم تكن حتمية عندما وصل هتلر إلى السلطة، ولم تكن حتمية حتى بعد بعض توسعاته الأولى، لكنها أصبحت أكثر احتمالًا مع كل نجاح للتوسع الألماني وكل فشل في بناء ردع موثوق.
وهذا يجعل درسها أكبر من مجرد قصة هتلر وألمانيا.
فالسلام لا ينهار دائمًا لأن جميع الأطراف تريد الحرب. أحيانًا ينهار لأن طرفًا يعتقد أن بإمكانه تحقيق أهدافه بالقوة، بينما يعتقد خصومه أن التنازل سيمنع الحرب، ثم يكتشف الجميع متأخرين أن كل طرف كان يبني حساباته على افتراضات لم تعد صحيحة.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية للحرب العالمية الثانية: لم يكن العالم يركض نحو الحرب وهو يعرف أنه يفعل ذلك، بل كان يتخذ سلسلة من القرارات التي جعلت العودة إلى السلام أصعب في كل مرة، حتى أصبح ما كان ممكنًا في البداية شبه مستحيل في النهاية.