المواطن المثالي: هل تريد الدولة مواطنًا صالحًا أم مواطنًا مطيعًا؟

كيف يتحول النموذج الذي تصفه الدولة للمواطن الجيد من قيمة اجتماعية إلى أداة لصناعة السلوك والولاء؟

في كل مجتمع تقريبًا توجد صورة للمواطن الذي يُنظر إليه باعتباره «المواطن المثالي». شخص يحترم القانون، يؤدي واجباته، يعمل، يحافظ على الممتلكات العامة، يدفع ما عليه، يشارك في المجتمع ولا يعتدي على حقوق الآخرين. تبدو هذه الصفات طبيعية، بل ضرورية لأي مجتمع يريد أن يعمل بصورة مستقرة. لكن المشكلة لا تبدأ عند مطالبة المواطن باحترام القانون، وإنما عندما تتوسع الفكرة لتشمل مواقفه وأفكاره وطريقة تعبيره عن اختلافه، بحيث يصبح المواطن المثالي هو المواطن الذي لا يسبب إزعاجًا للسلطة.

هنا يظهر فرق مهم بين مفهومين يبدوان متشابهين: المواطن الصالح والمواطن المطيع. الأول يلتزم بالقواعد لأنه يرى فيها ضرورة لتنظيم الحياة المشتركة، لكنه يحتفظ بحقه في السؤال والاعتراض والنقد. أما الثاني فتقاس جودته بدرجة توافقه مع ما تريده السلطة، وقد يصبح الاعتراض في حد ذاته علامة على سوء المواطنة. ومن هذه النقطة تبدأ عملية أكثر تعقيدًا من مجرد تنظيم المجتمع؛ تبدأ صناعة نموذج بشري مرغوب فيه سياسيًا.

عندما يصبح المواطن المثالي تعريفًا سياسيًا

لا توجد مشكلة في أن تضع الدولة قواعد تحدد حقوق المواطن وواجباته. لا يمكن لمجتمع أن يستمر دون قوانين تحدد ما يجوز وما لا يجوز. لكن القانون يتعامل أساسًا مع السلوك العام، بينما تبدأ المشكلة عندما تحاول السلطة تحديد ما ينبغي أن يفكر فيه المواطن أو كيف ينبغي أن يتحدث أو ما الموقف الذي يجب أن يتخذه تجاه الحكومة.

في هذه الحالة يتغير معنى «المواطن المثالي». لم يعد المطلوب فقط أن يكون مواطنًا يحترم القانون، وإنما مواطنًا يتوافق مع الصورة السياسية التي تريدها الدولة. يصبح الولاء جزءًا من تعريف المواطنة، ثم يصبح تفسير الولاء أكثر اتساعًا: تأييد الحكومة، الدفاع عن سياساتها، تجنب انتقادها، تكرار خطابها، وربما اعتبار أي اختلاف معها نوعًا من الخلل الأخلاقي أو الوطني.

وهذا هو التحول الذي يستحق الانتباه: عندما تنتقل الدولة من تنظيم أفعال المواطن إلى محاولة تنظيم مواقفه، فإنها لا تعود تبحث فقط عن مجتمع منظم، بل عن مجتمع متوافق معها.

المدرسة والإعلام وصناعة النموذج

لا تصنع السلطة صورة المواطن المثالي بقرار واحد. غالبًا ما تتشكل هذه الصورة تدريجيًا عبر مؤسسات كثيرة. المدرسة تعلم الطفل معنى الانضباط والانتماء والواجب. الإعلام يكرر صورًا معينة عن المواطن الوطني والمسؤول. الخطاب السياسي يربط بعض السلوكيات بالوطنية، ويصف سلوكيات أخرى باعتبارها تهديدًا للمجتمع أو استقرار الدولة.

ولا يعني ذلك أن كل تعليم وطني أو خطاب عن الانضباط هو بالضرورة عملية تلاعب. فالمجتمعات تحتاج فعلًا إلى قيم مشتركة، وإلى تعليم الأطفال احترام الآخرين والقانون والمصلحة العامة. لكن الفرق يكمن في وجود مساحة تسمح للمواطن بأن يسأل عن هذه القيم ويناقشها وينتقد تطبيقها.

المجتمع الصحي لا يقول للمواطن فقط: «هذه هي القيم التي يجب أن تؤمن بها»، بل يمنحه أيضًا القدرة على فهم أسبابها ومناقشة حدودها. أما المجتمع الذي يكتفي بالتلقين، فقد ينتج مواطنًا يعرف الإجابة المطلوبة أكثر مما يعرف كيفية التفكير في السؤال.

من احترام القانون إلى تقديس السلطة

يمكن أن يكون احترام القانون قيمة ضرورية، لكن القانون نفسه ليس فوق النقد. فالقوانين يضعها البشر، ويمكن تعديلها، وقد تكون عادلة أو ظالمة أو قديمة أو غير مناسبة. ولذلك فإن المواطن الذي يقول إن هذا القانون غير عادل لا يصبح بالضرورة عدوًا للدولة؛ قد يكون في بعض الحالات هو الشخص الذي يدفع المجتمع إلى إصلاح نفسه.

لكن الأنظمة التي تخلط بين الدولة والحكومة قد تجعل هذا الفرق صعبًا على المواطنين. يصبح انتقاد الحكومة وكأنه انتقاد للدولة، وانتقاد قرار سياسي وكأنه انتقاد للوطن، والاعتراض على سياسة عامة وكأنه رفض للمجتمع نفسه.

وهنا تصبح عبارة «كن مواطنًا صالحًا» قابلة للتفسير بطريقة خطيرة. فقد تعني في سياق ديمقراطي: احترم القانون وحقوق الآخرين وشارك في الحياة العامة. لكنها قد تعني في سياق سلطوي: لا تعترض، لا تسأل كثيرًا، ولا تخرج عن الخط العام.

المواطن الذي يقول «لا» قد يكون أكثر وطنية

من أكثر المفارقات أهمية أن المواطن الذي يرفض قرارًا حكوميًا قد يكون أحيانًا أكثر التزامًا بمصلحة بلده من المواطن الذي يوافق على كل شيء. فالحكومة قد تخطئ، والوزير قد يخطئ، والمؤسسة قد تخطئ، والأغلبية نفسها قد تخطئ.

إذا كان المواطن لا يستطيع قول «لا» عندما يرى خطأً، فإن النظام يفقد واحدة من أهم آليات التصحيح الداخلي. أما المواطن الذي يستطيع الاعتراض بالحجة، واقتراح البديل، والمطالبة بالمحاسبة، فهو لا يهدم الدولة بالضرورة؛ قد يكون يساعدها على اكتشاف أخطائها قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر.

ولهذا فإن الدولة التي تخشى كل نقد قد تكتشف متأخرة أن المشكلة لم تكن في كثرة المعارضين، بل في قلة من يستطيعون إخبارها بالحقيقة.

كيف يتحول الاختلاف إلى تهمة؟

عندما تصبح المواطنة مرتبطة بدرجة التوافق السياسي، يصبح الاختلاف مشكلة أخلاقية بدل أن يكون اختلافًا في الرأي. وهنا تبدأ اللغة نفسها في التغير. لا يعود الشخص «مختلفًا»، وإنما يصبح «مشبوهًا» أو «غير وطني» أو «مثيرًا للمشكلات». وقد لا تحتاج السلطة إلى معاقبة كل مختلف؛ يكفي أحيانًا أن تجعل الاختلاف مكلفًا اجتماعيًا.

ومع الوقت يستطيع المجتمع نفسه أن يقوم بجزء من هذه المهمة. يبدأ الناس في مراقبة بعضهم بعضًا، وتظهر الحاجة إلى إثبات الولاء، ويصبح بعض المواطنين أكثر تشددًا في الدفاع عن السلطة من السلطة نفسها، لأنهم يخشون أن يُنظر إليهم باعتبارهم أقل وطنية من الآخرين.

وهكذا تصبح صناعة المواطن المثالي عملية اجتماعية أيضًا، لا حكومية فقط.

هل تريد السلطة مواطنًا واعيًا فعلًا؟

توجد مفارقة أساسية هنا. الدول الحديثة تحتاج مواطنين متعلمين وواعين وقادرين على التفكير، لأن الاقتصاد والمؤسسات والمجتمع المعقد لا يمكن أن يعملوا اعتمادًا على الطاعة العمياء. الدولة تحتاج إلى مواطن يعرف القانون، ويفهم الاقتصاد، ويتابع الشأن العام، ويحاسب المسؤولين، ويشارك في حل المشكلات.

لكن المواطن الواعي فعلًا لا يتوقف وعيه عند حدود ما تسمح به السلطة. فإذا تعلم أن يفكر، فسوف يفكر في الحكومة أيضًا. وإذا تعلم أن يحلل الأخبار، فسوف يحلل الإعلام الرسمي أيضًا. وإذا تعلم أن يسأل عن مصالحه وحقوقه، فسوف يسأل لماذا اتخذت الدولة هذا القرار وليس ذاك.

لذلك فإن الوعي الحقيقي يحمل معه قدرًا لا يمكن تجنبه من الاستقلال. وقد تكون هذه هي المفارقة التي لا تحب بعض السلطات الاعتراف بها: لا يمكنك أن تطلب من المواطن أن يكون واعيًا ثم تطلب منه أن يتوقف عن التفكير عندما يصل التفكير إلى السلطة.

الديمقراطية لا تلغي فكرة المواطن المثالي

قد يبدو أن مشكلة «المواطن المطيع» تخص الأنظمة السلطوية وحدها، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. حتى المجتمعات الديمقراطية لديها تصورات عن المواطن الجيد، وتستخدم المدرسة والإعلام والقوانين والخطاب العام في تشكيلها. الفرق ليس أن الديمقراطية لا تحاول التأثير في مواطنيها، وإنما في حدود هذا التأثير وفي قدرة المواطن على مقاومته ومناقشته.

حتى الدولة الديمقراطية قد تضغط على مواطنيها باسم الأمن أو الوحدة الوطنية أو الأزمات الكبرى. وقد يظهر في أوقات الحرب أو الخوف ميل قوي إلى اعتبار النقد نوعًا من عدم التضامن. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل توجد دولة لا تحاول تشكيل مواطنيها؟ وإنما: إلى أي مدى تستطيع الدولة أن تفعل ذلك، وما المساحة التي تتركها للمواطن كي يختلف معها؟

المواطن ليس موظفًا لدى الدولة

من الأخطاء الفكرية الشائعة النظر إلى المواطن وكأنه موظف لدى الدولة، مهمته تنفيذ التعليمات وإظهار الولاء. الدولة في الأصل أداة لتنظيم المجتمع، وليست مالكة للمجتمع. والحكومة ليست مالكة للدولة، بل مؤسسة تتولى إدارة شؤونها لفترة محددة وفق نظام معين.

لهذا فإن العلاقة الصحية لا تقوم على أن الدولة تمنح المواطن حقوقًا ثم تطلب منه مقابلها الطاعة، وإنما على وجود حقوق وواجبات متبادلة تحددها القوانين والمؤسسات. المواطن مطالب باحترام النظام، والحكومة مطالبة باحترام المواطن. المواطن يخضع للقانون، والحكومة نفسها يجب أن تخضع للقانون.

وعندما تختفي هذه المعادلة ويصبح المواطن مطالبًا بالولاء المطلق، بينما لا تكون السلطة مطالبة بالمساءلة بالقدر نفسه، تتحول المواطنة تدريجيًا من علاقة قانونية إلى علاقة ولاء شخصي.

الخطر في المواطن الذي لا يخطئ

المجتمع الذي يريد مواطنين مثاليين بالمعنى الكامل قد ينتهي إلى مجتمع يخشى الخطأ أكثر مما يبحث عن الحقيقة. فالإنسان الحقيقي ليس نموذجًا مثاليًا؛ قد يغير رأيه، ويخطئ، ويختلف، ويعترض، ثم يكتشف أنه كان مخطئًا. وهذه القدرة على التراجع والتعلم جزء من المجتمع الصحي.

أما عندما يُطلب من المواطن أن يكون دائمًا في الموقف الصحيح، وأن يكرر دائمًا اللغة الصحيحة، وأن يظهر دائمًا الولاء الصحيح، فإن النتيجة قد تكون مجتمعًا يتقن التظاهر أكثر مما يتقن الصراحة.

وهنا تصبح المشكلة أعمق من الاستبداد السياسي. فالمجتمع الذي يعاقب الاختلاف باستمرار قد يفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج الأفكار الجديدة، لأن الناس يتعلمون أن السلامة في التوافق، وأن الصمت أقل تكلفة من التجربة.

المواطن المثالي الحقيقي قد يكون المواطن المزعج

إذا أردنا تعريفًا أكثر نضجًا للمواطن الصالح، فقد لا يكون هو المواطن الذي يوافق دائمًا، ولا المواطن الذي يعارض دائمًا. كلاهما يمكن أن يتحول إلى مشكلة. المواطن المفيد للمجتمع هو الذي يستطيع أن يفرق بين الدولة والحكومة، وبين الوطن والسلطة، وبين القانون والقرار السياسي، وبين النقد والهدم.

قد يكون هذا المواطن مزعجًا للحكومة في بعض الأحيان، لأنه يسأل كثيرًا، ويطالب بالتفسير، ويرفض بعض القرارات، ويكشف التناقضات. لكنه في الوقت نفسه قد يكون أكثر فائدة للدولة من المواطن الذي يصفق لكل شيء.

فالدولة القوية ليست التي لا يسمع فيها أحد كلمة «لا»، وإنما التي تستطيع سماعها دون أن تنهار.

الخاتمة: من يريد مواطنًا صالحًا؟

المشكلة إذن ليست في فكرة المواطن المثالي نفسها. كل مجتمع يحتاج إلى قيم مشتركة، وإلى مواطن يحترم القانون ويحافظ على حقوق الآخرين ويشارك في بناء مجتمعه. المشكلة تبدأ عندما يصبح «المواطن المثالي» هو المواطن الذي يطابق الصورة التي تريدها السلطة، لا المواطن الذي يمتلك القدرة على التفكير والحكم والاختلاف.

الفرق بين المواطن الصالح والمواطن المطيع قد يبدو صغيرًا في البداية، لكنه يصبح جوهريًا عندما تتعارض مصلحة المواطن مع قرار السلطة. عندها فقط يظهر السؤال الحقيقي: هل تريد الدولة مواطنًا يطيعها، أم مواطنًا يستطيع أن يقول لها إنها أخطأت؟

ربما يكون المواطن المثالي بالنسبة إلى السلطة هو الذي لا يسبب لها المتاعب، لكن المواطن المثالي بالنسبة إلى المجتمع هو الذي يستطيع أن يمنع السلطة نفسها من ارتكاب المتاعب. ولذلك فإن أفضل المجتمعات ليست تلك التي تنتج مواطنين متشابهين، وإنما تلك التي تستطيع أن تعيش مع مواطنين مختلفين، وأن تجعل اختلافهم جزءًا من قوتها لا تهديدًا لها.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.