اهانة المقدسات: عندما يتحول الاستفزاز إلى ورقة سياسية

كيف يمكن لفرد هامشي أن يدخل فجأة في صراع أكبر منه، ولماذا لا يعني استغلال أفعاله أنه كان بالضرورة يعمل لحساب جهة سياسية أو استخباراتية؟

توجد في السياسة الدولية أحيانًا أحداث تبدو، في ظاهرها، أصغر بكثير من النتائج التي تنتج عنها. شخص لا يملك منصبًا سياسيًا، ولا حزبًا، ولا جيشًا، ولا نفوذًا اقتصاديًا، يقوم بفعل رمزي في مكان عام، فإذا بالفعل يتحول إلى أزمة دبلوماسية، واحتجاجات واسعة، وإجراءات أمنية، وتوتر بين دول، ونقاشات حادة حول حرية التعبير والهجرة والأمن القومي. هنا لا تعود أهمية الحدث مرتبطة بحجم فاعله، وإنما بقدرته على الدخول في شبكة من المصالح والصراعات الموجودة أصلًا.

قضية سلوان موميكا في السويد كانت واحدة من هذه الحالات. فقد تحولت أفعاله المتكررة المرتبطة بحرق نسخ من القرآن إلى قضية تجاوزت الشخص نفسه، وأصبحت جزءًا من نقاش أوروبي أوسع حول حرية التعبير، والهجرة، والعلاقات مع الدول والمجتمعات الإسلامية، والأمن الداخلي، بل تداخلت في مرحلة حساسة مع الحسابات السياسية المرتبطة بانضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي. ومن هنا تصبح القضية أكثر أهمية من مجرد السؤال عما إذا كان الرجل يكره الإسلام أو يريد استفزاز المسلمين. السؤال الأوسع هو: كيف يستطيع فرد محدود التأثير أن يتحول إلى ورقة في صراع أكبر منه؟

الاستفزاز كوسيلة لصناعة الحماية

من الخطأ افتراض أن كل فعل استفزازي له بالضرورة خطة سياسية معقدة خلفه. أحيانًا يكون الدافع شخصيًا أو أيديولوجيًا أو رغبة في الشهرة. لكن السياسة لا تهتم دائمًا بالدافع الأصلي بقدر اهتمامها بالنتيجة التي يستطيع الفعل إنتاجها.

الشخص الذي يدخل في مواجهة حادة مع جماعة واسعة، ويصبح بسبب ذلك مهددًا بالانتقام، يمكن أن يجد نفسه في وضع قانوني وسياسي مختلف عن وضعه السابق. وإذا كان ترحيله إلى بلد معين يمكن أن يعرضه لخطر حقيقي، تصبح الدولة التي تستضيفه أمام معضلة قانونية وأمنية: فهي من جهة ملزمة بتطبيق قوانين الهجرة، ومن جهة أخرى لا تستطيع ببساطة إرسال شخص إلى مكان قد يتعرض فيه للتعذيب أو القتل.

وهنا يمكن أن يصبح الاستفزاز وسيلة لتعقيد الوضع الشخصي، حتى لو لم يكن هذا هو الدافع الوحيد وراءه. لكن يجب التمييز بين أمرين: أن يستغل شخص ما وضعًا قانونيًا لمصلحته، وأن يكون قد خطط منذ البداية لصناعة ذلك الوضع. الأول احتمال سياسي يمكن تحليله، أما الثاني فيحتاج إلى أدلة.

وهذا الفرق مهم، لأن المقال التحليلي لا يحتاج إلى اختراع مؤامرة حتى يفسر ظاهرة سياسية. أحيانًا تكفي الحوافز الموجودة داخل النظام نفسه.

من الفاعل إلى الورقة

المرحلة الأخطر تبدأ عندما يخرج الفعل من يد صاحبه.

فموميكا لم يكن بحاجة إلى أن يكون عميلًا لجهاز استخباراتي حتى تستفيد جهات مختلفة من أفعاله. هذه قاعدة أساسية في فهم الصراعات الحديثة: الاستفادة من شخص لا تعني بالضرورة تشغيله.

قد تقوم دولة باستغلال حادثة لإحراج دولة أخرى، وقد تستخدمها جماعة متطرفة لإثبات روايتها عن الغرب، وقد تستغلها أحزاب سياسية داخل الدولة المضيفة لتعبئة جمهورها، وقد تستخدمها وسائل الإعلام لتوليد الاهتمام، وقد تجد فيها جماعات غاضبة مادة للتجنيد والتحريض. وفي كل هذه الحالات يمكن أن يصبح الشخص نفسه جزءًا من اللعبة من دون أن يكون هو من يديرها.

وهذا يجعل «الأداة» مفهومًا أكثر تعقيدًا من صورة العميل الذي يتلقى التعليمات. ففي السياسة، قد تكون الأداة شخصًا يعرف أنه يستخدم نفوذه لمصلحة جهة ما، وقد تكون شخصًا يظن أنه يتصرف لمصلحته الخاصة بينما تستفيد أطراف أخرى من أفعاله، وقد تكون مجرد حادثة تستغلها أطراف متعددة بعد وقوعها.

لذلك فإن السؤال الأكثر واقعية ليس: «لمن كان يعمل موميكا؟» بل: من استفاد من وجود موميكا؟

والسؤالان ليسا متطابقين.

حين يصبح الفرد أكبر من الدولة التي تستضيفه

المشكلة لم تكن في موميكا وحده، وإنما في التناقض الذي وضع الدولة السويدية أمامه.

الدولة الحديثة تريد أن تحافظ على حرية التعبير، لكنها تريد في الوقت نفسه حماية أمنها وعلاقاتها الخارجية. تريد تطبيق قوانين الهجرة، لكنها لا تستطيع تجاهل مبدأ عدم إعادة شخص إلى مكان يواجه فيه خطرًا حقيقيًا. تريد حماية النظام العام، لكنها لا تريد أن تظهر وكأنها تمنح الجماعات الغاضبة حق تحديد ما يستطيع المواطنون والمقيمون فعله.

هذه المصالح قد تتعارض.

ولهذا فإن القضية لم تكن مجرد اختبار لموميكا، بل كانت اختبارًا للدولة نفسها: ماذا تفعل عندما يصبح تطبيق قانون داخلي قادرًا على إنتاج أزمة خارجية؟

وهنا تظهر إحدى مشكلات السياسة الحديثة. فالقانون قد يكون واضحًا داخل الدولة، لكن نتائج تطبيقه لا تبقى داخل حدودها. فعل يحدث في شارع أوروبي يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى أزمة دبلوماسية في عواصم بعيدة.

لم تعد الحدود الجغرافية قادرة على احتواء أثر الفعل السياسي كما كانت في السابق.

حرية التعبير ليست جدارًا بلا حدود

كثير من النقاشات حول القضية اتجهت إلى أحد طرفين متناقضين. طرف يرى أن أي منع لحرق القرآن يمثل اعتداءً على حرية التعبير، وطرف آخر يرى أن السماح بذلك دليل على أن الغرب يتعمد إهانة المسلمين.

كلا التفسيرين أبسط من الواقع.

حرية التعبير في الدول الديمقراطية ليست عادةً حقًا مطلقًا بلا حدود. توجد قيود مرتبطة بالتهديد والتحريض والعنف والتشهير وغيرها، وتختلف القوانين من دولة إلى أخرى. كما أن هناك فرقًا بين حماية حق شخص في التعبير عن رأي مسيء أو صادم، وبين حماية كل وسيلة يمكن أن يستخدمها لتحقيق ذلك التعبير.

وفي المقابل، فإن القول إن حماية حرية التعبير تعني بالضرورة وجود عداء للمسلمين ليس تفسيرًا كافيًا أيضًا. فالقضية القانونية الحقيقية هي: أين تضع الدولة الحد بين التعبير الاستفزازي وبين الفعل الذي يتحول إلى تهديد للأمن أو تحريض على الكراهية؟

المشكلة تظهر عندما تبدو المعايير مختلفة بحسب هوية المتضرر أو حساسية الموضوع أو الظروف السياسية. عندها لا يعود النقاش حول الحرية وحدها، بل حول مدى اتساق الدولة في تطبيق المبادئ التي تعلنها.

وهذه نقطة تستحق النقد، لكن النقد الأقوى ليس في الادعاء بأن «الغرب لا يؤمن بحرية التعبير»، لأن الواقع أكثر تعقيدًا. النقد الأقوى هو السؤال عن سبب تغير حدود الحرية عندما تتغير المصالح والتهديدات السياسية والأمنية.

عندما تتحول المقدسات إلى مادة للصراع

المقدسات تتمتع بميزة سياسية لا تتوافر لكثير من القضايا الأخرى: قدرتها على تجاوز الفرد والوصول مباشرة إلى هوية جماعية واسعة.

يمكن لشخص أن يختلف مع سياسي أو حزب، وينتهي الخلاف عند حدود سياسية محددة. لكن عندما يشعر ملايين الأشخاص بأن رمزًا دينيًا مقدسًا قد تعرض للإهانة، فإن الفعل يمكن أن ينتقل من المستوى الفردي إلى مستوى الهوية الجماعية.

وهنا تكمن خطورة استخدام المقدسات في الصراع السياسي.

فالفعل الذي يبدو صغيرًا من منظور صاحبه يمكن أن يصبح ضخمًا من منظور الجمهور الذي يراه اعتداءً على جماعته كلها. وفي الاتجاه المقابل، تستطيع الجماعات المتطرفة استخدام هذه الأحداث لإثبات سردية تقول إن الصراع ليس سياسيًا بل وجودي، وإن المجتمع كله مستهدف.

وهكذا يدخل الجميع في دائرة واحدة: شخص يبحث عن التأثير، وجماعة تبحث عن التعبئة، وخصم سياسي يبحث عن فرصة، ووسائل إعلام تبحث عن قصة، وأجهزة أمنية تبحث عن المخاطر التي يمكن أن تنتج عنها القصة.

والنتيجة أن الفعل الأصلي يصبح أقل أهمية من الآثار التي تراكمت فوقه.

هل كان موميكا أداة أم لاعبًا؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي الحذر فيه من الإجابة السهلة.

لا توجد حاجة إلى إثبات أنه كان «أداة استخباراتية» حتى نفهم كيف جرى توظيف أفعاله. بل ربما يكون هذا التفسير المباشر أقل إقناعًا من تفسير أبسط: كان لاعبًا صغيرًا، دخلت أفعاله في لعبة كبيرة.

وهذا يحدث كثيرًا في التاريخ.

الأفراد لا يحتاجون دائمًا إلى معرفة أنهم يخدمون صراعًا أكبر حتى تصبح أفعالهم مفيدة لأطراف الصراع. التاريخ مليء بالأحداث التي بدأها أشخاص بدوافع شخصية، ثم أعادت الدول والجماعات تفسيرها واستخدامها بما يخدم مصالحها.

لذلك فإن وصف موميكا بأنه «عميل» يحتاج إلى دليل، بينما وصفه بأنه شخص أصبحت أفعاله قابلة للتوظيف من أطراف متعددة لا يحتاج إلى نظرية مؤامرة.

والفرق بين الجملتين هو الفرق بين التحليل السياسي والاتهام السياسي.

النهاية التي لا يستطيع القانون منعها

كانت النهاية الأكثر مأساوية في القضية هي مقتل موميكا في السويد.

لكن هذه النهاية لا تثبت وحدها أن الدولة السويدية تخلت عنه، ولا تثبت أنه أصبح «ورقة مستهلكة»، ولا تكشف بمفردها الجهة التي تقف خلف مقتله. مثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى أدلة مستقلة.

ما تكشفه النهاية، بصورة أوضح، هو حدود الحماية القانونية.

القانون يستطيع أن يمنح الإنسان وضعًا قانونيًا، ويحميه من الترحيل غير المشروع، ويوفر له الشرطة والمحاكم، لكنه لا يستطيع أن يلغي حقيقة أن الشخص الذي أصبح رمزًا لصراع شديد الاستقطاب قد يتحول إلى هدف لمن يريد الانتقام منه.

وهذه مفارقة قاسية: الشخص الذي يستطيع أن يستخدم مساحة الحرية المتاحة له لإنتاج أزمة، لا يستطيع أن يتحكم في جميع القوى التي يطلقها هذا الاستفزاز.

قد يعتقد أنه يملك زمام اللعبة لأنه هو من بدأ الفعل، بينما يكون الواقع أن الفعل بعد انتشاره يصبح ملكًا للجمهور والسياسة والإعلام والجماعات المتصارعة.

أخطر الأدوات هي التي لا تعرف أنها أدوات

القضية في النهاية لا تتعلق بموميكا وحده.

إنها تكشف شيئًا أوسع عن السياسة المعاصرة: لم تعد الدولة أو الجماعة بحاجة دائمًا إلى صناعة الحدث من الصفر. أحيانًا يكفي أن تجد فردًا غاضبًا، أو شخصية تبحث عن الشهرة، أو قضية حساسة، أو خلافًا اجتماعيًا قائمًا، ثم تضع الحدث داخل سياق أكبر.

وهنا تصبح قابلية التوظيف أهم من نية الفاعل.

فقد يبدأ الشخص الفعل لمصلحته الشخصية، ثم يستفيد منه خصمه. وقد يظن أنه يستفز الآخرين، بينما يستخدم الآخرون استفزازه لإثبات روايتهم. وقد يبحث عن الحماية من دولة، فيجد نفسه في النهاية مصدرًا لمشكلة أمنية تتجاوز قدرته على السيطرة عليها.

وهذا هو الدرس الأهم في قضية حرق المقدسات: من يحول المقدس إلى أداة سياسية لا يضمن أبدًا أن تبقى الأداة في يده.

المقدسات قادرة على إنتاج الغضب بسرعة، والغضب قادر على إنتاج السياسة، والسياسة قادرة على إنتاج إجراءات أمنية وصراعات دبلوماسية، وكل مرحلة من هذه السلسلة تخلق لاعبين جددًا لا يخضعون بالضرورة لإرادة الشخص الذي بدأها.

لذلك فإن المأساة الحقيقية ليست فقط أن فردًا دخل في صراع أكبر منه، وإنما أن عصر الإعلام والسياسة العابرة للحدود جعل من الممكن أن يتحول فعل فردي محدود إلى وقود لصراعات دولية كاملة.

وفي مثل هذه البيئة، لا يكون السؤال فقط: ماذا أراد الفاعل أن يفعل؟

بل السؤال الأخطر هو: ماذا يستطيع الآخرون أن يفعلوا بما فعله؟

وهنا يبدأ الفرق بين الفعل الفردي والورقة السياسية؛ فالأول يملكه صاحبه، أما الثانية فقد تنتقل إلى أيدي الجميع.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.