
من الخوف من الموت إلى الخوف من التخلي عن الآخرين
ليس أصعب ما في الحرب أن تطلب من الجندي أن يقاتل، بل أن تطلب منه أن يستمر عندما يعرف أن فرص النجاة أصبحت ضعيفة. فالجندي يستطيع في ظروف كثيرة أن يقنع نفسه بأن المعركة قابلة للانتصار، وأن زملاءه إلى جانبه، وأن هناك طريقًا للعودة. لكن ماذا يحدث عندما يصبح الانسحاب ممكنًا من الناحية العسكرية، بينما يصبح مستحيلًا من الناحية النفسية والأخلاقية؟
هنا تظهر قوة الجماعة. الجندي قد يدخل الحرب من أجل وطن أو دولة أو عقيدة، لكنه في لحظة الخطر قد يكتشف أن السبب الحقيقي الذي يجعله يبقى هو أشخاص يقفون إلى جانبه. وقد يصبح خوفه من أن يترك رفاقه خلفه أقوى من خوفه من الموت نفسه.
هذه ليست ظاهرة يابانية، ولا ترتبط بجانب واحد من الحروب. إنها واحدة من أكثر الآليات الإنسانية عمقًا في سلوك المقاتلين.
الجندي لا يقاتل وحده
عندما نتحدث عن الجندي، نميل إلى تخيله فردًا يتلقى أمرًا من قائد ثم ينفذه. لكن الحياة العسكرية مختلفة تمامًا.
الجندي يعيش في مجموعة صغيرة. يتدرب مع الآخرين، يأكل معهم، ينام بالقرب منهم، يشاركهم الخوف والملل والمخاطر، ويرى بعضهم يصاب أو يموت. ومع مرور الوقت تصبح الوحدة العسكرية مجتمعًا صغيرًا له قواعده وعلاقاته وذاكرته الخاصة.
ولهذا قد تصبح المجموعة بالنسبة إلى الجندي أكثر واقعية من الدولة نفسها.
الوطن فكرة واسعة وبعيدة. القائد قد يكون شخصًا لا يعرفه الجندي إلا من خلال الأوامر. أما الرفيق فهو الشخص الذي يقف بجواره في الخندق، ويحمل معه المعدات، ويغطيه أثناء الحركة، ويشاركه الخوف. وعندما تبدأ المعركة، تتحول الأفكار الكبيرة إلى علاقات بشرية مباشرة. قد لا يقول الجندي لنفسه: «سأموت من أجل الدولة».
قد يقول ببساطة: «لن أتركهم وحدهم.»
من الطاعة إلى المسؤولية
هناك فرق مهم بين تنفيذ الأمر والشعور بالمسؤولية. الجندي الذي يتلقى أمرًا بالهجوم قد ينفذه لأنه ملزم بذلك. لكن عندما يرى رفيقه مصابًا، أو يلاحظ أن انسحابه سيكشف المجموعة، قد يتصرف من تلقاء نفسه.في هذه اللحظة تصبح الجماعة مصدرًا للقرار.
وهذا أحد أسباب قدرة بعض الوحدات العسكرية على الصمود في ظروف شديدة الصعوبة. ليس لأن جميع أفرادها مقتنعون بكل ما تقوله القيادة، وإنما لأن كل فرد يشعر أن أفعاله ستؤثر مباشرة في الآخرين. وهذا الشعور يمكن أن يكون أقوى من الخوف.
فالإنسان قد يتحمل خطرًا كبيرًا لإنقاذ شخص آخر، حتى عندما لا يكون مستعدًا لتحمل الخطر نفسه من أجل فكرة مجردة.
لماذا يصبح الهروب أصعب أمام الرفاق؟
الخوف من الموت فردي، أما الخوف من خذلان المجموعة فهو اجتماعي.
إذا هرب الجندي، فإنه لا يواجه الموت فقط، بل يواجه صورة نفسه أمام رفاقه. وقد يتخيل أنهم سيقولون إنه تركهم في اللحظة التي احتاجوا إليه فيها. وهنا يظهر مفهوم العار.
الإنسان لا يخاف فقط من الألم الجسدي، بل يخاف من أن يفقد مكانته داخل الجماعة. وفي بيئة عسكرية شديدة التماسك، قد يصبح هذا الخوف قويًا جدًا. ولهذا قد يبقى الجندي في موقع يعرف أنه خطير، لا لأنه يعتقد أنه سينجو، وإنما لأنه لا يستطيع أن يتخيل نفسه وهو يترك الآخرين.
لماذا تكون الوحدات الصغيرة أكثر تماسكًا؟
المفارقة أن الجندي قد يكون مستعدًا للمخاطرة بحياته من أجل مجموعة صغيرة، بينما يكون ارتباطه بالمؤسسة الكبيرة أقل مباشرة. كلما صغرت الجماعة، أصبحت العلاقات أكثر شخصية.
الجندي يعرف أسماء رفاقه، يعرف من لديه عائلة، يعرف من يخاف، ومن يتصرف بشجاعة، ومن أنقذه في معركة سابقة. ومع الوقت تتشكل بينهم ذاكرة مشتركة. وهذه الذاكرة تصنع شيئًا لا تستطيع الأوامر وحدها إنتاجه: الثقة.
الجندي يغامر لأنه يعرف أن رفيقه سيحميه، ورفيقه يغامر للسبب نفسه. ولهذا فإن بعض أقوى الوحدات العسكرية ليست بالضرورة تلك التي تؤمن بأكثر العقائد تطرفًا، وإنما تلك التي يثق أفرادها ببعضهم بعضًا.
التضحية ليست دائمًا أيديولوجية
من السهل تفسير التضحية في الحرب بالوطن أو الدين أو القومية أو الزعيم. لكن هذا التفسير قد يكون ناقصًا. هناك جنود قاتلوا بشراسة وهم غير مهتمين كثيرًا بالسياسة التي بدأت الحرب أصلًا. ما أبقاهم في المعركة أحيانًا هو الخوف على رفاقهم، والرغبة في عدم تركهم، والشعور بأن الجميع يعتمد على الجميع. وهذا يفسر ظاهرة مهمة: قد يواصل الجندي القتال حتى عندما يفقد إيمانه بالحرب نفسها.
يمكن أن يكره الحرب، ويعتقد أن قيادته أخطأت، ويعرف أن النصر أصبح بعيدًا، ومع ذلك يستمر في القتال لأن الأشخاص الموجودين معه ما زالوا بحاجة إليه. هنا يصبح الولاء للرفاق منفصلًا عن الولاء للقضية.
من اليابان إلى جيوش أخرى
في الحالة اليابانية، ساهمت عقيدة الواجب والشرف ورفض الاستسلام في تعزيز هذا السلوك. لكن اليابان لم تكن استثناءً في وجود روابط قوية بين الجنود. الجيوش المختلفة طورت بطرق متعددة مفاهيم مثل التضامن بين الرفاق، وعدم ترك المصاب، والوقوف إلى جانب الوحدة، وتبادل الحماية تحت النار.
والاختلاف ليس في وجود هذه المشاعر، وإنما في ما الذي تفعله المؤسسة بها. يمكن للجيش أن يستخدم التضامن ليجعل الوحدة أكثر قدرة على البقاء، ويمكنه أيضًا أن يربطه بعقيدة تجعل التراجع أو الاستسلام عارًا.
في الحالة الأولى يصبح التضامن وسيلة لحماية الجنود. وفي الثانية قد يصبح وسيلة لدفعهم إلى التضحية.
عندما يتحول الرفيق إلى سبب للموت
هذه هي النقطة التي تبدأ عندها الظاهرة بالتحول. في الظروف الطبيعية، يساعد الجندي رفيقه لكي ينجو كلاهما. لكن في بعض الحالات القصوى، يمكن أن يصبح الهدف هو أن يموت أحدهما لكي يعيش الآخرون، أو أن يبقى المقاتل في موقعه حتى النهاية لأنه يرى أن انسحابه سيؤدي إلى موت المجموعة.هنا تتحول رابطة الرفاق من وسيلة للبقاء إلى وسيلة للتضحية.
والكاميكازي يمثل إحدى أكثر صور ذلك تطرفًا، لكنه ليس المثال الوحيد على استعداد الإنسان للمخاطرة القصوى من أجل الآخرين. الفرق أن الكاميكازي جعل هذه التضحية جزءًا رسميًا من المهمة العسكرية.
لماذا لا يشعر الجندي بأنه ضحية؟
هذه نقطة نفسية مهمة. لو طلبت من شخص في حياته المدنية أن يضحي بحياته من أجل مجموعة من الغرباء، فقد يرفض. لكن الجندي لا يعيش هذه اللحظة باعتباره فردًا منفصلًا. هو يعيش داخل جماعة تدربت معًا، وتعرضت للخطر معًا، وربما فقدت أفرادًا معًا. وفي هذه البيئة يمكن أن تصبح عبارة «أنا» أقل حضورًا من «نحن». وهنا لا يشعر الجندي بالضرورة أنه يقدم نفسه كضحية، بل قد يرى نفسه يؤدي الدور الذي يتوقعه منه الآخرون. وهذا يفسر لماذا يمكن أن يقدم الإنسان على أفعال شديدة الخطورة دون أن يكون مدفوعًا بكراهية الحياة.
القوة والجانب المظلم
التماسك بين الجنود قوة عسكرية حقيقية. الوحدة التي يثق أفرادها ببعضهم تستطيع أن تعمل في ظروف لا تستطيع فيها مجموعة مفككة أن تعمل. الجندي يعرف أن رفاقه لن يتركوه، ولذلك يكون مستعدًا للمخاطرة من أجلهم. لكن القوة نفسها يمكن أن تنقلب إلى مشكلة.
إذا أصبح الحفاظ على المجموعة أهم من تقييم الواقع، فقد تستمر الوحدة في القتال حتى بعد فقدان الهدف العسكري. وإذا أصبح التراجع خيانة للرفاق، فقد يصبح الجندي أسيرًا للجماعة. وهنا يظهر الوجه المظلم للولاء: أقوى الروابط الإنسانية يمكن أن تستخدم لحماية الإنسان، ويمكن أن تستخدم أيضًا لدفعه إلى التضحية بنفسه.
الجندي لا يخاف الموت فقط
ربما يكون هذا هو الدرس الأهم. الجندي في الحرب لا يواجه خوفًا واحدًا. هناك خوف الموت، وخوف الإصابة، وخوف الأسر، وخوف الفشل، وخوف العار، وخوف ترك الرفاق، وخوف أن يموت الآخرون بسببه. وفي بعض اللحظات قد يتغلب أحد هذه المخاوف على الآخر.
قد يصبح الجندي أكثر خوفًا من أن يترك رفيقه من خوفه من أن يموت. ومن هنا يمكن فهم كثير من صور الشجاعة العسكرية دون الحاجة إلى افتراض أن الجندي لا يشعر بالخوف. الشجاعة ليست غياب الخوف، وإنما الطريقة التي يرتب بها الإنسان مخاوفه وقيمه عندما لا يستطيع تجنب الخطر.
عندما يصبح «نحن» أقوى من «أنا»
الحرب تكشف قوة الجماعة بصورة لا تظهر في الحياة العادية. فالإنسان الذي قد يعيش حياته اليومية بوصفه فردًا مستقلًا يمكن أن يتحول في المعركة إلى جزء من مجموعة تعتمد على كل فرد فيها. وهذه القدرة على التضامن هي أحد أسباب قدرة البشر على خوض الحروب رغم إدراكهم لمخاطرها.لكنها أيضًا تفسر كيف يمكن للمؤسسة العسكرية أن تدفع الإنسان إلى تجاوز غريزة البقاء.
فإذا أصبح «نحن» أهم من «أنا»، فإن التضحية بالنفس يمكن أن تبدو أقل تناقضًا مع المصلحة الشخصية، لأن الفرد لم يعد يرى نفسه منفصلًا تمامًا عن المجموعة. وهنا نصل إلى النقطة التي تجعل دراسة الجندي أكثر تعقيدًا من دراسة السلاح.
الجندي لا يقاتل دائمًا لأنه يكره عدوه، ولا لأنه يحب الموت، ولا حتى لأنه يؤمن بكل ما تقوله دولته. أحيانًا يقاتل لأنه لا يريد أن يترك الرجل الذي يقف بجواره.
وهذه ربما تكون إحدى أكثر الحقائق الإنسانية قسوة في الحرب: أن أقوى دوافع القتال قد لا تكون دائمًا الأفكار الكبرى التي تعلنها الدول، وإنما علاقة صغيرة جدًا بين إنسان وإنسان، تبدأ بالرغبة في حماية الرفيق، وقد تنتهي أحيانًا بأن يصبح الإنسان مستعدًا للموت من أجله.