
كيف يتحول الإنسان من شخص إلى «عدو» يمكن قتله؟
الجندي لا يولد وهو يعرف من يجب أن يقتل. قد يحمل السلاح، ويتعلم إطلاق النار، ويتدرب على الحركة والانضباط، لكنه لا يولد وهو يرى شخصًا من بلد آخر باعتباره هدفًا مشروعًا. هذه الصورة تُبنى تدريجيًا.
قبل أن تطلب الدولة من الإنسان أن يخاطر بحياته ضد شخص آخر، عليها أن تشرح له لماذا أصبح ذلك الشخص خصمًا، ولماذا يجب أن يخاف منه، ولماذا يصبح قتله جزءًا من الواجب. ولهذا فإن الحروب لا تعتمد على السلاح وحده، وإنما تحتاج أيضًا إلى صناعة صورة ذهنية للعدو.
وهنا تظهر واحدة من أخطر وظائف الدعاية العسكرية: أن تجعل الإنسان قادرًا على رؤية خصمه باعتباره «عدوًا» قبل أن يراه باعتباره إنسانًا.
العدو يبدأ بالكلمة
قبل أن يظهر العدو في ساحة المعركة، يظهر في اللغة. قد يوصف بأنه غازٍ، أو خائن، أو همجي، أو متوحش، أو خطر على الوطن، أو تهديد للحضارة. وتختلف الكلمات من حرب إلى أخرى، لكن الوظيفة واحدة: نقل الخصم من خانة الإنسان الذي لديه دوافع ومخاوف وعائلة، إلى خانة التهديد الذي يجب التخلص منه.
هذه العملية مهمة لأن قتل الإنسان يخلق صراعًا نفسيًا، أما قتل «العدو» فيبدو داخل الخطاب العسكري وكأنه أداء لمهمة. ولهذا فإن اللغة ليست مجرد وصف للحرب. إنها جزء من أدوات الحرب نفسها.
لماذا لا يكفي أن تقول للجندي: هذا خصمك؟
لأن الإنسان بطبيعته قادر على التعاطف حتى مع خصمه. إذا رأى الجندي شخصًا يبكي، أو يسمع صوته، أو يرى صورته العائلية، فقد يتذكر أنه أمام إنسان يشبهه. وهذا يمكن أن يصنع ترددًا.
لذلك تحتاج الدعاية إلى مسافة نفسية بين الطرفين. كلما قل حضور الفرد واختفت تفاصيل حياته، أصبح من الأسهل التعامل معه باعتباره جزءًا من كتلة معادية. وهنا تتحول صورة العدو من «هذا إنسان يقاتل ضدي» إلى «هؤلاء أعداء.»
والانتقال من المفرد إلى الجمع ليس بسيطًا. عندما يصبح ملايين الأشخاص كتلة واحدة في المخيلة، تختفي الفروق بينهم، وتصبح أفعال بعضهم دليلًا على طبيعة الجميع.
التعميم: من فعل فرد إلى صفة شعب
أحد أخطر أشكال صناعة العدو هو التعميم. يرتكب فرد أو مجموعة فعلًا معينًا، فتتحول المسؤولية تدريجيًا إلى جماعة بأكملها. ارتكب بعض الجنود جريمة، إذن الجيش كله مجرم. هاجم تنظيم ما هدفًا مدنيًا، إذن كل من ينتمي إلى الجماعة التي يدعي تمثيلها متطرف. ارتكب حاكم جريمة، إذن كل مواطني دولته متواطئون.
بهذه الطريقة يصبح الإنسان مسؤولًا عن أفعال لم يرتكبها. والنتيجة أن الحرب تتحول من مواجهة قوة عسكرية محددة إلى عداء شامل تجاه مجتمع كامل.
وهنا تصبح الدعاية أخطر من مجرد التحريض على القتال؛ لأنها تلغي الحدود بين المقاتل والمدني، والمسؤول وغير المسؤول، والفرد والجماعة.
الصورة أكثر قوة من الخطاب
لم تعتمد الدعاية العسكرية على الكلمات وحدها. الصور والملصقات والأفلام والرسوم والقصص كانت أدوات أساسية في تشكيل صورة العدو، لأن الصورة تستطيع أن تختصر فكرة معقدة في مشهد واحد.
يمكن تصوير العدو على هيئة وحش، أو شخص مخيف، أو متآمر، أو متوحش، أو خائن. ويمكن تصوير الجندي الوطني باعتباره حامي الأسرة والطفل والوطن.
بهذه الطريقة لا تقدم الدعاية طرفين متساويين في التعقيد. هناك «نحن»: بشر، عائلات، ضحايا، مدافعون. وهناك «هم»: خطر، تهديد، عدوان. وهذه الثنائية تجعل الحرب أخلاقيًا أكثر بساطة مما هي عليه في الواقع.
ماذا يحدث عندما تختفي إنسانية العدو؟
عندما يصبح العدو مجرد رمز، يصبح قتله أسهل نفسيًا. الجندي الذي يطلق النار على شخص قد يشعر بالتردد، أما الجندي الذي يعتقد أنه يدمر «تهديدًا» فقد يرى الفعل باعتباره تنفيذًا للواجب.
وهذا لا يعني أن الدعاية تستطيع محو الضمير بالكامل. الجندي قد يظل خائفًا، وقد يشعر بالذنب، وقد يتعاطف مع شخص من الطرف الآخر عندما يراه مباشرة. لكن الدعاية تستطيع أن تخفض الحاجز النفسي الذي يجعل قتل الآخر أصعب.
وهذا أحد أسباب أهمية التدريب العسكري نفسه. فهو لا يعلم الجندي فقط كيفية استخدام السلاح، وإنما يضع استخدامه داخل إطار يجعل الفعل مفهومًا ومقبولًا في سياق المهمة.
التدريب يعيد تعريف الخطر
في التدريب العسكري، يتعلم الجندي أن يميز بين الصديق والعدو، وأن يستجيب بسرعة، وأن يتعامل مع أهداف محددة. هذه العملية ضرورية عسكريًا، لكنها تحمل أثرًا نفسيًا أيضًا.
الإنسان يتعلم أن بعض الأشكال والحركات والملابس والمواقع مرتبطة بالخطر، وبمرور الوقت يمكن أن تصبح الاستجابة أكثر سرعة من التفكير. وهذا هو المطلوب في لحظة القتال: أن يعرف الجندي ماذا يفعل عندما لا يكون لديه وقت للتأمل.
لكن المشكلة تظهر عندما تتسع هذه الطريقة في التفكير خارج حدود المعركة، فيصبح كل فرد ينتمي إلى المجموعة الأخرى موضع اشتباه أو عداء. هنا يتحول التمييز العسكري بين المقاتل والخصم إلى تصنيف اجتماعي بين «نحن» و«هم».
العدو الذي لا تراه
هناك نوع أخطر من صناعة العدو: أن يصبح العدو فكرة غير مرئية. في بعض الحروب لا يكون الخصم شخصًا محددًا أمام الجندي، وإنما يكون شبكة، أو أيديولوجية، أو جماعة سرية، أو «مؤامرة» واسعة.
وهنا يمكن أن تتوسع دائرة الاشتباه بلا حدود. إذا كان العدو غير محدد، يمكن أن يصبح أي شخص مشبوهًا. وإذا كانت صفته الأساسية أنه «متخفٍ»، فإن عدم وجود دليل قد يتحول نفسه إلى دليل.
وهكذا يصبح من السهل أن يتحول المجتمع إلى مساحة مراقبة وشك. الجندي لا يبحث عن شخص يحمل سلاحًا فقط، وإنما عن علامات تدل على أن الشخص «ينتمي إلى العدو».
وهذا النوع من التفكير كان له آثار خطيرة في حروب واحتلالات مختلفة، لأنه يطمس الحد بين الحرب وبين الحياة المدنية.
لماذا يحتاج الجندي إلى كراهية العدو؟
ليس بالضرورة أن يحتاج إليها. هذه نقطة مهمة.
الجيوش تستطيع أن تجعل الجندي يقاتل من خلال الانضباط، والواجب، وحماية الرفاق، وتنفيذ المهمة، دون أن يحتاج إلى كراهية شخصية لكل فرد في الطرف الآخر. قد يقاتل الجندي خصمًا لا يكرهه، وقد يحترم قدرته القتالية، وقد يعرف أن لديه عائلة، وقد يعود من الحرب وهو غير قادر على اعتبار جميع أفراد الطرف الآخر أشرارًا.
ولهذا فإن الكراهية ليست شرطًا ضروريًا للقتال. لكنها قد تكون أداة فعالة عندما تريد القيادة رفع الاستعداد للقتال، خصوصًا عندما تصبح الحرب طويلة ومكلفة ويبدأ الجنود والمجتمع في التساؤل عن سبب استمرارها.
عندما تتعب الشعوب من الحرب
في بداية الحرب، قد يكون الحماس مرتفعًا. لكن الحروب الطويلة تنتج القتلى والجرحى والفقر والخوف. عندها تظهر مشكلة سياسية: كيف تقنع المجتمع بأن الاستمرار ما زال ضروريًا؟
إحدى الطرق هي إعادة التأكيد على خطورة العدو. كلما أصبح العدو أكثر تهديدًا في الخطاب، أصبح استمرار الحرب أكثر قابلية للتبرير.
ولهذا قد ترتفع لغة التحريض في أوقات معينة من الحرب، لا لأن العدو تغير بالضرورة، وإنما لأن الحاجة إلى الحفاظ على الدعم الشعبي تغيرت.
وهنا تتحول صورة العدو من أداة عسكرية إلى أداة سياسية.
العدو المثالي لا يشبهنا
من أكثر الطرق فاعلية في صناعة الكراهية إقناع الناس بأن العدو مختلف جذريًا عنهم. إذا كان يشبهنا، يصبح قتله أصعب.
أما إذا قيل إنه لا يملك القيم نفسها، ولا يحترم الحياة نفسها، ولا يفهم اللغة نفسها، ولا ينتمي إلى العالم الأخلاقي نفسه، يصبح من الأسهل اعتباره تهديدًا دائمًا.
لكن التاريخ يكشف أن هذا التصور غالبًا مضلل. الجندي الذي يواجهه الإنسان في الجبهة لديه خوف مشابه، وقد يكون لديه أطفال، وقد يكون مجندًا لا يملك قرار الحرب أصلًا.
وهذه الحقيقة لا تلغي العداء العسكري، لكنها تمنع تحويله إلى عداء إنساني شامل.
ماذا يحدث عندما يلتقي الجندي بعدوه الحقيقي؟
أحيانًا تنهار الدعاية في اللحظة التي يلتقي فيها الإنسان بالإنسان. قد يجد الجندي أن الشخص الذي قيل له إنه وحش يشبهه تمامًا. قد يجد في جيبه صورة عائلية، وقد يسمع منه لغة يعرفها، وقد يكتشف أنه خائف مثله.
وقد تحدث لحظات من التعاطف أو الهدوء أو حتى التعاون بين جنود أعداء في ظروف معينة، خصوصًا عندما يتراجع ضغط القيادة المباشر.
هذه اللحظات لا تعني أن الحرب انتهت، لكنها تكشف أن الصورة التي تصنعها الدعاية للعدو ليست بالضرورة الصورة التي يراها الإنسان عندما يلتقي به وجهًا لوجه.
المشكلة ليست في معرفة العدو
الجيش يحتاج فعلًا إلى معرفة عدوه. يحتاج إلى معرفة قدراته، وتكتيكاته، وأهدافه، ونقاط قوته وضعفه.
المشكلة ليست في التمييز بين الصديق والخصم. المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التمييز من معلومة عسكرية إلى حكم أخلاقي شامل على الإنسان.
يمكن أن تقول: هذا الشخص مقاتل معادٍ ويجب مواجهته. وهذا يختلف جذريًا عن القول: هذا الشخص شرير بطبيعته ولا يستحق أي حقوق.
الأول تعريف عسكري، والثاني نزع للإنسانية. وهنا يقع الخطر.
عندما يصبح المدني جزءًا من العدو
أخطر مراحل صناعة العدو هي عندما تنتقل الصفة من المقاتل إلى المجتمع كله. إذا أصبح كل مواطن من الدولة المعادية جزءًا من العدو، يصبح المدني في نظر الجندي امتدادًا للخصم.
وهذا يفتح الباب أمام العقاب الجماعي، والانتقام، والعنف ضد المدنيين. ولهذا تطورت قواعد الحرب الحديثة لتضع حدودًا واضحة بين المقاتلين وغير المقاتلين، وبين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية.
لكن القوانين وحدها لا تكفي إذا انهارت الصورة الذهنية التي تميز بين الإنسان المقاتل والإنسان المدني. لذلك فإن حماية المدنيين تبدأ، جزئيًا، من رفض فكرة أن شعبًا كاملًا هو العدو.
من صناعة العدو إلى صناعة الكراهية
الدعاية لا تحتاج دائمًا إلى أن تجعل الجندي يكره كل فرد في الطرف الآخر. يكفي أحيانًا أن تجعله يعتقد أن الطرف الآخر خطر، وأن التردد في مواجهته سيعرض جماعته للخطر.
وهنا نصل إلى نقطة أكثر دقة. الخوف قد يكون أقوى من الكراهية. الجندي قد لا يكره خصمه، لكنه يعتقد أن خصمه سيقتله إذا لم يقتله هو أولًا. عندها يصبح العنف دفاعًا في وعيه حتى عندما يكون الواقع أكثر تعقيدًا.
وهذا يوضح لماذا يمكن أن تستمر الحروب بين مجموعات لا تحمل بالضرورة كراهية شخصية تجاه بعضها.
يكفي أن يعتقد كل طرف أن الطرف الآخر يشكل تهديدًا وجوديًا.
العدو الذي يبقى بعد الحرب
حتى عندما تنتهي الحرب، لا تختفي صورة العدو فورًا. قد تبقى في المناهج، والقصص العائلية، والأفلام، والذاكرة السياسية، والخطاب الوطني. وقد يرث جيل لم يشارك في الحرب مشاعر جيل عاشها.
وهنا تتحول الحرب من حدث تاريخي إلى ذاكرة سياسية. يمكن أن تنتهي المعارك، لكن صورة «هم» تبقى.
ولهذا فإن المصالحة بين الدول والمجتمعات لا تعني فقط وقف إطلاق النار. إنها تحتاج أحيانًا إلى إعادة بناء صورة الطرف الآخر: من «العدو» إلى «الجار»، ومن «الخطر» إلى «المجتمع الآخر»، ومن الذاكرة التي تبرر الكراهية إلى ذاكرة تستطيع الاعتراف بالضحايا من الطرفين.
صناعة العدو لا تبدأ بالرصاصة
في النهاية، لا تبدأ الحرب النفسية عندما يرفع الجندي سلاحه. قد تبدأ قبل ذلك بسنوات، في المدرسة، والصحيفة، والخطاب السياسي، والأفلام، والملصقات، والقصص، وطريقة وصف الآخرين.
وقد تبدأ بكلمة صغيرة: «هم». ثم تصبح: «هم مختلفون». ثم: «هم خطر». ثم: «هم يريدون تدميرنا». وفي النهاية قد تصبح: «لا بد من القضاء عليهم.»
بين الجملة الأولى والأخيرة مسافة طويلة، لكنها لا تُقطع دفعة واحدة. إنها سلسلة من التحولات النفسية والسياسية التي تجعل الإنسان أقل قدرة على رؤية الفرد داخل الجماعة.
ولهذا فإن أخطر ما تفعله صناعة العدو ليس أنها تجعل الإنسان يكره خصمه، وإنما أنها تجعله يتوقف عن رؤيته كإنسان أصلًا.
والجندي الذي تعلم أن أمامه «هدفًا» بدل إنسان يصبح أكثر استعدادًا للضغط على الزناد. لكن الجندي الذي يستطيع أن يعرف خصمه كعدو عسكري دون أن ينكر إنسانيته يظل قادرًا على القتال داخل حدود أكثر وضوحًا.
وهنا يظهر الفرق بين الحرب باعتبارها صراعًا بين قوات، والحرب عندما تتحول إلى صراع بين هويات.
في الحالة الأولى ينتهي العداء عندما تتوقف المعركة. أما في الثانية، فقد تستمر الحرب داخل الذاكرة حتى بعد أن تختفي الجبهة.
ولهذا فإن صناعة العدو قد تكون أطول عمرًا من الحرب نفسها؛ لأن الرصاصة تنتهي لحظة إطلاقها، أما الصورة التي صنعتها في عقل الإنسان فقد تعيش أجيالًا.