عبد الناصر: عندما تحولت القوة إلى أخطاء استراتيجية

حين تحولت القوة والطموح إلى استنزاف وصراعات وقرارات دفعت مصر ثمنها

لم تكن مشكلة عبد الناصر أنه كان ضعيفًا؛ بل ربما كانت مشكلته العكس تمامًا. امتلك من القوة والشرعية الشعبية ما كان يسمح له ببناء دولة أكثر توازنًا، لكنه استخدم جزءًا كبيرًا من هذه القوة في صراعات كان يمكن تجنبها، وأبعد قوى كان يمكن احتواؤها، ودخل حروبًا استنزفت الدولة، ثم انتهى إلى هزيمة كشفت ثمن تلك الخيارات.

عبد الناصر ليس مجرد هزيمة 1967

من السهل اختزال تجربة جمال عبد الناصر في حرب يونيو 1967. وهذا غير عادل تاريخيًا. فقد حقق نظامه إنجازات حقيقية: التخلص من الملكية، إعادة توزيع جزء من الثروة، توسيع دور الدولة، بناء السد العالي، تأميم قناة السويس، وإنهاء النفوذ البريطاني المباشر، وتحويل مصر إلى قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها.

لكن المشكلة أن الإنجازات لا تلغي الأخطاء الاستراتيجية. بل ربما تجعلها أكثر أهمية. فالحاكم الذي لا يملك شيئًا ويخطئ في بعض قراراته قد تكون خياراته محدودة. أما من يمتلك دولة كبيرة وجيشًا وشعبية ونفوذًا إقليميًا، فإن الخطأ يصبح أكثر تكلفة. وهذا ما حدث مع عبد الناصر.


أول خطأ: تحويل الخصومة السياسية إلى صراع وجودي

أحد أكبر أخطاء عبد الناصر كان تعامله مع القوى السياسية الداخلية بمنطق الإقصاء بدل الاحتواء. بعد الثورة، كان أمامه مجتمع سياسي متنوع: الإخوان المسلمون، الوفديون، اليساريون، الليبراليون، الضباط، النخب القديمة، والطبقات الاجتماعية المختلفة. كان يمكن بناء نظام سياسي يستوعب جزءًا من هذه القوى، مع تحييد من يشكل خطرًا مباشرًا على الدولة. لكن الاتجاه الذي انتصر كان مختلفًا: احتكار السلطة، ثم تضييق المجال السياسي، ثم السجن، ثم المحاكمات، ثم الإعدام في بعض الحالات.

وهنا لم يعد الخصم السياسي مجرد خصم. أصبح عدوًا للدولة. وهذا فرق خطير. الدولة القوية لا تحتاج إلى تحويل كل معارض إلى عدو وجودي. بل تحتاج إلى معرفة من يمكن استيعابه، ومن يجب عزله، ومن يشكل خطرًا حقيقيًا.


إعدام سيد قطب: انتصار أمني وخسارة سياسية

إعدام سيد قطب عام 1966 من أكثر القرارات التي يمكن مناقشتها في هذا السياق. قطب لم يكن مجرد معارض سياسي عادي؛ فقد تطور فكره في اتجاه شديد الصدام مع النظام، وكانت جماعة الإخوان قد دخلت في صراع طويل مع السلطة الناصرية، وارتبطت القضية باتهامات التخطيط للعنف ومحاولة اغتيال عبد الناصر. لكن السؤال الاستراتيجي لا يتعلق فقط بما إذا كان النظام يمتلك مبررات قانونية لمحاكمته. السؤال هو: هل كان إعدامه أفضل قرار للدولة؟ وهنا يمكن الاعتراض بقوة. كان بإمكان نظام عبد الناصر أن يسجن قطب مدى الحياة، أو يعزله سياسيًا وفكريًا، أو يحوله إلى شخصية هامشية. أما الإعدام فقد فعل العكس. حوّله إلى رمز.

وهذه قاعدة سياسية قديمة: قتل الخصم الفكري قد ينهي حياته، لكنه أحيانًا يبدأ حياته الرمزية. وهذا ما حدث بالفعل مع قطب لاحقًا. لم يعد مجرد كاتب معارض أعدمته الدولة. أصبح اسمه جزءًا من تاريخ التيارات الإسلامية الراديكالية التي جاءت بعده، واختلفت في تفسير أفكاره وتطبيقها، لكن بعضها وجد فيه مرجعية فكرية.

وبذلك يمكن القول إن عبد الناصر انتصر على الرجل وخسر معركة الذاكرة. وهذا لا يعني أن كل التيارات التي استندت لاحقًا إلى قطب كانت نتيجة مباشرة لإعدامه، فهذا تبسيط غير صحيح. لكن الإعدام ساهم في تحويله من مفكر معارض إلى شهيد في ذاكرة خصوم النظام. وهذه نتيجة سياسية كان يمكن توقعها.


إبعاد القوى بدل استخدامها

عبد الناصر امتلك فرصة أخرى لم يستثمرها بما يكفي: تعدد القوى داخل المجتمع المصري. كان يستطيع أن يجعل الدولة مركز التوازن بينها. بدلًا من ذلك، أصبح النظام نفسه هو المركز شبه الوحيد. وهنا نشأ نظام شديد الاعتماد على الزعيم والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. وهذا النموذج يمنح الحاكم قدرة كبيرة على اتخاذ القرار. لكنه يحمل مشكلة خطيرة:

  • كلما أصبحت السلطة أكثر تركيزًا، أصبحت الأخطاء أكثر ارتباطًا بشخص واحد.
  • لا توجد مؤسسات سياسية قوية تستطيع إيقاف القرار.
  • ولا معارضة حقيقية تستطيع اختبار الفكرة.
  • ولا صحافة مستقلة قادرة على كشف الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة.
  • ولا برلمان قادر على مساءلة السياسة الخارجية.

فتصبح الدولة قوية في تنفيذ القرار، لكنها أضعف في تصحيح القرار قبل وقوع الكارثة. وهذه واحدة من أكبر مشكلات نظام عبد الناصر.


اليمن: عندما تحولت مصر إلى قوة احتلال واستنزاف

إذا أردنا البحث عن خطأ استراتيجي واضح، فإن حرب اليمن تكاد تكون المثال المثالي. في عام 1962 اندلعت الثورة في شمال اليمن، وأرسلت مصر قواتها لدعم الجمهوريين ضد الملكيين المدعومين من السعودية. في البداية يمكن فهم القرار ضمن صراع إقليمي أوسع. لكن المشكلة بدأت عندما تحولت المشاركة المصرية إلى التزام عسكري كبير وطويل الأمد.

  • مصر تقاتل في أرض بعيدة.
  • ضد قوات محلية تعرف الجغرافيا.
  • في بيئة جبلية صعبة.
  • وبدعم خارجي للخصم.
بينما الجيش المصري كان يحتاج إلى الاستعداد لمواجهة إسرائيل، وهي الخطر الاستراتيجي الأكبر على الدولة المصرية. وهنا يظهر الخطأ بوضوح: عبد الناصر استخدم جزءًا من القوة العسكرية المصرية في حرب ثانوية بينما كانت مصر تواجه خصمًا رئيسيًا على حدودها الشرقية. لم تكن المشكلة أن اليمن لا أهمية له. بل أن حجم الالتزام المصري تجاوز العائد الاستراتيجي المحتمل.

والأسوأ أن الحرب استنزفت الجيش والاقتصاد والقيادة السياسية. وبدل أن تكون مصر قوة إقليمية تتحكم في مسار الأحداث، أصبحت عالقة في حرب لا تستطيع حسمها بسهولة ولا الانسحاب منها دون خسارة سياسية.


والأسوأ: الخصم أصبح عربيًا

هنا يظهر تناقض آخر مع مشروع عبد الناصر القومي. كان النظام يتحدث عن وحدة العرب ومواجهة الاستعمار. لكن الحرب جعلت مصر والسعودية في مواجهة غير مباشرة. العرب أنفسهم أصبحوا طرفي صراع. مصر تدعم الجمهوريين. السعودية تدعم الملكيين. أي أن المشروع القومي الذي يفترض أن يوحد القرار العربي أصبح أحد أدوات الصراع العربي على النفوذ. وهذا يكشف مشكلة أعمق من حرب اليمن نفسها: القومية العربية كانت تستطيع أن تبرر تدخل مصر في اليمن، لكنها لم تستطع منع السعودية من النظر إلى التدخل باعتباره تهديدًا لمصالحها. الدولة انتصرت على الأمة مرة أخرى.


الخطأ الأكبر: إدارة القوة بدل حساب حدودها

عبد الناصر كان يؤمن بأن مصر تستطيع أن تكون قوة عربية مركزية. وكان ذلك منطقيًا إلى حد كبير. مصر تمتلك السكان الأكبر، والجيش الأكبر، والثقل الثقافي والإعلامي، والموقع الجغرافي. لكن امتلاك عناصر القوة لا يعني القدرة على استخدامها كلها في الوقت نفسه. وهنا وقع عبد الناصر في مشكلة:

  • فتح جبهات أكثر من قدرة الدولة على تحملها.
  • صراع داخلي.
  • صراع مع القوى الاستعمارية.
  • الصراع مع إسرائيل.
  • الصراع مع السعودية.
  • التدخل في اليمن.
  • التنافس مع العراق وسوريا.
  • المواجهة مع الغرب.
  • العلاقة مع الاتحاد السوفيتي.

كل ذلك وضع مصر في شبكة ضخمة من الصراعات. وكان على دولة واحدة أن تتحمل تكلفتها.


1967: عندما ظهرت فاتورة الأخطاء

حرب 1967 ليست نتيجة خطأ واحد. وهذا مهم. لا يمكن القول إن عبد الناصر «قرر الحرب» ببساطة ثم خسرها. كانت هناك أزمة دولية معقدة، وحسابات خاطئة، وضغوط عربية، وتحركات إسرائيلية، ومعلومات استخباراتية، وأخطاء عسكرية، ومشكلات في القيادة. لكن الهزيمة كشفت شيئًا أعمق:

  • مصر دخلت الأزمة وهي ليست في أفضل حالة استراتيجية.
  • الجيش كان قد خرج لتوه تقريبًا من حرب اليمن.
  • القيادة العسكرية كانت تعاني مشكلات في التنظيم والتنسيق.
  • النظام السياسي شديد المركزية.
  • والقرار الاستراتيجي مرتبط بدرجة كبيرة بالقيادة العليا.
  • ثم جاءت الهزيمة. وانهار جزء كبير من الصورة التي بناها النظام عن القوة المصرية.


المفارقة: القوة كانت أكبر من القدرة على إدارتها

هذه ربما أفضل طريقة لفهم عبد الناصر. لم يكن زعيمًا ضعيفًا. بل كان أقوى من المؤسسات التي تحيط به. وهذه ميزة قصيرة المدى، لكنها خطر طويل المدى. فإذا كان الزعيم قويًا والمؤسسات ضعيفة، فإن الدولة تستطيع تنفيذ قراراته بسرعة. لكن إذا أخطأ، فإن الدولة كلها تتحرك في الاتجاه الخطأ بسرعة أيضًا. وهذا ما يجعل تركيز السلطة مشكلة استراتيجية، وليس فقط مشكلة سياسية أو أخلاقية.


ماذا لو احتوى خصومه بدل إقصائهم؟

من الصعب كتابة التاريخ بصيغة «لو». لكن يمكن طرح سؤال مفيد:

  • ماذا لو احتوى عبد الناصر جزءًا من القوى الإسلامية والسياسية بدل القضاء عليها؟
  • ربما لم يكن سيصبح النظام ديمقراطيًا بالمعنى الحديث.
  • لكن كان يمكن أن يكون أكثر توازنًا وأقل اعتمادًا على الأجهزة الأمنية.
  • وكان يمكن أن تبقى بعض القوى داخل النظام السياسي بدل أن تتحول إلى قوى معارضة سرية.

وهذا مهم لأن الدولة عندما تغلق المجال السياسي لا تلغي المعارضة. بل تدفعها إلى أماكن أقل قابلية للسيطرة. المعارضة العلنية يمكن مراقبتها والتفاوض معها. أما المعارضة السرية فتتغير طبيعتها. وهنا يمكن أن يكون القمع قد ساهم، بصورة غير مباشرة، في دفع بعض التيارات نحو مزيد من الراديكالية.


الخطأ الذي تكرر بعده

المشكلة أن أخطاء عبد الناصر لم تكن منفصلة. كانت هناك فلسفة حكم أنتجتها:

  • الدولة المركزية.
  • الزعيم القوي.
  • الجيش في قلب النظام.
  • المعارضة خطر.
  • الإعلام أداة تعبئة.
  • السياسة الخارجية امتداد للشرعية الداخلية.
  • والقوة العسكرية وسيلة لإثبات المكانة.

كل عنصر من هذه العناصر يمكن أن يكون مفيدًا في ظرف معين. لكن اجتماعها يجعل الدولة تميل إلى المغامرة أكثر مما تميل إلى حساب حدود القوة. وهنا تتحول السياسة الخارجية إلى جزء من صورة النظام عن نفسه. إذا تراجع، بدا وكأنه ضعف. وإذا تنازل، بدا وكأنه خيانة للمشروع. وبالتالي يصبح الانسحاب من حرب أو التراجع عن موقف أصعب سياسيًا من الاستمرار فيه.


عبد الناصر لم يكن وحده المسؤول عن كل شيء

ومن الضروري هنا ألا نحول المقال إلى محاكمة شخصية. 

  • الشرق الأوسط في تلك الفترة كان شديد الاضطراب. الاستعمار لم ينتهِ تمامًا.  
  • إسرائيل كانت دولة حديثة في منطقة صراعية.
  • الحرب الباردة قسمت العالم.
  • بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كانوا يتنافسون على المنطقة.
  • والأنظمة العربية نفسها كانت تعاني من عدم الاستقرار.

لذلك لم يكن أمام عبد الناصر طريق سهل. لكن وجود الظروف الصعبة لا يعفي القيادة من مسؤولية اختيار الطريق الأقل كلفة. وهنا يمكن نقد عبد الناصر دون إنكار إنجازاته.


المشكلة لم تكن في الطموح

  • كان من الطبيعي أن تريد مصر أن تكون قوة إقليمية.
  • وكان من الطبيعي أن تحاول إنهاء النفوذ الاستعماري.
  • وكان من الطبيعي أن تدعم حركات التحرر.
  • وكان من الطبيعي أن تواجه إسرائيل.
  • المشكلة لم تكن في هذه الأهداف نفسها.
  • المشكلة كانت في ترتيب الأولويات.

كان ينبغي أن يكون السؤال: 

  • ما الذي تستطيع مصر تحمله؟ 
  • ثم: أين تستخدم قوتها؟
  • ثم: ما الحرب التي تستحق أن نخوضها؟
  • ثم: ما الصراع الذي يمكن احتواؤه بدل خوضه؟

هذه هي الأسئلة التي تميز القوة الاستراتيجية عن مجرد امتلاك القوة.


الخلاصة

عبد الناصر ترك أثرًا ضخمًا في تاريخ مصر والعالم العربي، ولذلك لا يمكن اختزاله في صورة «الزعيم الفاشل».

لكن العكس صحيح أيضًا:

  • لا يجوز أن تتحول شعبيته وإنجازاته إلى حصانة من النقد.
  • أخطأ عندما جعل الخصومة السياسية الداخلية أقرب إلى معركة وجود.
  • وأخطأ عندما أعدم سيد قطب، لأن الإعدام أنهى الخصم جسديًا لكنه ساعد على تحويله إلى رمز.
  • وأخطأ عندما أبعد قوى سياسية كان يمكن احتواؤها.
  • وأخطأ استراتيجيًا عندما تورط في اليمن إلى درجة استنزفت الجيش والدولة.
  • وأخطأ عندما فتح لمصر جبهات وصراعات متعددة في وقت واحد.
  • وأخطأ عندما أصبحت القوة العسكرية جزءًا من صورة النظام عن نفسه أكثر من كونها أداة تستخدم وفق حساب دقيق للعائد والكلفة.
  • ثم جاءت 1967 لتكشف الثمن.

ليست العبرة أن عبد الناصر خسر حربًا. العبرة أن الدولة التي تريد أن تكون قوة كبرى تحتاج إلى شيء أكثر من الزعيم القوي والجيش الكبير والخطاب الجماهيري. تحتاج إلى مؤسسات تستطيع أن تقول للزعيم: لا.

وتحتاج إلى قيادة تستطيع أن تسمع هذه الـ«لا» قبل أن تسمعها في ميدان المعركة. وهنا ربما تكمن أكبر مفارقة في تجربة عبد الناصر: كان يريد أن يجعل مصر أقوى من محيطها، لكنه سمح أحيانًا لقوة النظام أن تصبح أكبر من قدرة المؤسسات على ضبط قراراته.

ولهذا لم تكن مشكلة عبد الناصر أنه لم يكن قويًا بما يكفي. كانت المشكلة أنه لم يعرف دائمًا أين يجب أن يتوقف استخدام القوة.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.