تأبط شرًا: حين تحوّل الخطر إلى بطولة

من بين أسماء الصعاليك العرب، يصعب العثور على شخصية تحمل اسمًا أكثر إثارة من تأبط شرًا. حتى الاسم نفسه يبدو كأنه جزء من أسطورة. رجل يعيش خارج الجماعة، يغامر في الصحراء، يغير، يطارد، ويعود من الأماكن التي قد لا يعود منها الآخرون. ثم يتحول بعد ذلك إلى شخصية شعرية تحتفي بالشجاعة والسرعة والقدرة على مواجهة الخطر. لكن تأبط شرًا يفتح بابًا مختلفًا في فهم الصعلكة.
فإذا كان الشنفرى يمثل الإنسان الذي اختار البرية بدل القبيلة، وإذا كان عروة بن الورد يمثل الصعلوك الذي حاول بناء جماعة تحمي المهمشين، فإن تأبط شرًا يمثل جانبًا آخر: الصعلوك الذي تحولت قدرته على مواجهة الخطر إلى مصدر لقيمته. وهنا لا تعود الصعلكة مجرد نتيجة للفقر أو الإقصاء. تصبح مهارة. وتصبح المهارة سمعة. وتصبح السمعة نوعًا من السلطة.
الاسم الذي أصبح أسطورة
ارتبطت شخصية تأبط شرًا في التراث العربي بحكايات كثيرة، وبعضها شديد الطرافة والمبالغة. وهنا يجب أن نتذكر دائمًا أن المسافة بين الشخصية التاريخية والشخصية التي صنعتها الرواية الأدبية قد تكون واسعة. فالأخبار التي وصلت إلينا عن الصعاليك لم تكن تسجيلًا صحفيًا لحياتهم. لقد تناقلها الرواة، ثم دخلت في كتب الأدب والأخبار، وأضيفت إليها التفاصيل والحكايات، حتى أصبحت الشخصية جزءًا من الذاكرة الجماعية.
ولهذا فإن تأبط شرًا الذي نعرفه اليوم هو مزيج من رجل تاريخي وشخصية أدبية وأساطير تراكمت حول الاثنين. وهذا لا يقلل من قيمته. بل يوضح سبب بقائه. فالأسطورة لا تحتاج إلى أن تكون دقيقة بالكامل حتى تكون مؤثرة.
رجل صنع من الخطر مهنة
الصعلوك العادي يمكن أن يغير لأنه فقير. لكن تأبط شرًا في صورته الأدبية يبدو كأنه جعل من المغامرة نفسها أسلوب حياة. وهنا يظهر فرق مهم. الفقر قد يدفع الإنسان إلى الغزو مرة. لكن الاستمرار يحتاج إلى مهارة.
- أن تعرف الطريق.
- أن تعرف متى تهاجم.
- أن تعرف متى تنسحب.
- أن تتحمل الجوع والعطش.
- أن تتحرك بسرعة.
- أن تعرف الصحراء.
- أن تتعامل مع الخطر دون أن تتحول إلى ضحية له.
في عالم لا تحميك فيه الدولة
نحن نعيش اليوم في مجتمعات تعتمد بدرجات مختلفة على مؤسسات الأمن والقانون والخدمات. أما الإنسان في المجتمع العربي القديم فكان يعتمد بدرجة أكبر على شبكته الاجتماعية وقوته الشخصية. وهذا يعني أن القدرة على حماية النفس كانت قيمة حقيقية. الرجل الذي يستطيع أن يواجه الخطر أكثر قدرة على البقاء. ومن هنا نفهم لماذا اكتسبت الشجاعة هذه المكانة الكبيرة في الشعر الجاهلي. الشجاعة لم تكن مجرد فضيلة أخلاقية. كانت أحيانًا مهارة بقاء. وهذا يفسر جانبًا من صورة تأبط شرًا. فهو لا يظهر في الأدب كرجل يبحث عن الهدوء. بل كرجل يعرف كيف يعيش في عالم خطير.
لماذا يصبح العنيف بطلاً؟
هنا تبدأ المشكلة الأخلاقية. إذا كان تأبط شرًا يمارس الغزو والقتل، فلماذا تحتفي به القصائد؟ الجواب ليس أن العرب كانوا يحبون الجريمة. بل لأن الشعر لم يكن دائمًا محكمة أخلاقية. كان الشعر يحتفي أيضًا بالقوة والشجاعة والوفاء والكرم والصبر والقدرة على مواجهة الخصم. وبالتالي يمكن للشخص نفسه أن يكون مرفوضًا من زاوية، ومثيرًا للإعجاب من زاوية أخرى. وهذا أمر لا يخص الصعاليك وحدهم. حتى في المجتمعات الحديثة، قد يتحول شخص خارج القانون إلى شخصية شعبية إذا امتلك صفات يراها الناس جذابة. القوة، والجرأة، والتمرد، والقدرة على تحدي السلطة، كلها يمكن أن تصنع هالة حول شخصية خطرة. لكن الهالة ليست براءة. وهذه نقطة يجب ألا نغفلها.
الخطر يصنع السمعة
في عالم الصعاليك، السمعة كانت موردًا. إذا عرف الناس أنك قوي، فقد يترددون في مهاجمتك. إذا عرفوا أنك سريع، فقد يخافون مطاردتك. إذا عرفوا أنك لا تتراجع، تصبح أكثر قدرة على فرض شروطك. وهكذا تتحول السمعة إلى نوع من الحماية. وهذه إحدى المفارقات المهمة: الصعلوك الذي خرج من القبيلة لأنه فقد الحماية، قد يصنع لنفسه حماية جديدة من خلال السمعة.
لكن الفرق أن حماية القبيلة جماعية، بينما حماية السمعة فردية. القبيلة تقول: «لا تؤذِ هذا الرجل، لأن وراءه جماعة.» أما السمعة فتقول: «لا تؤذه، لأنك قد تدفع الثمن.».. في الحالة الأولى القوة تأتي من الجماعة. وفي الثانية تأتي من الخوف.
تأبط شرًا والاقتصاد القاسي للغارة
لا يمكن فصل الصعلكة عن الموارد. الجوع لا ينتج الشعر وحده. الإنسان يحتاج إلى الطعام. ويحتاج إلى السلاح. ويحتاج إلى الدابة. ويحتاج إلى الملابس. والصعلوك الذي لا يملك أرضًا أو تجارة أو قبيلة قوية يحتاج إلى مصدر بديل. وهنا تصبح الغارة وسيلة اقتصادية. لكنها وسيلة تقوم على نقل الموارد بالقوة. وهذا يجعل الصعلكة ظاهرة مركبة: هي في الوقت نفسه فقر، ومهارة، وعنف، واقتصاد.
وإذا ركزنا على عنصر واحد فقط فلن نفهمها. تأبط شرًا لم يكن يعيش في عالم مجرد من الموارد. كان يعيش في عالم تتنافس فيه الجماعات والأفراد على الموارد. والفرق أنه كان يتحرك في الهامش.
الصحراء تختبر الإنسان
في صورة تأبط شرًا، تصبح الصحراء أكثر من مكان. إنها امتحان. الذي يجهلها يهلك. والذي يعرفها يمتلك أفضلية. ولهذا فإن الصعلوك الناجح يحتاج إلى معرفة لا يملكها الإنسان المستقر بالضرورة.
- معرفة الطرق.
- ومعرفة الماء.
- ومعرفة أماكن الاختباء.
- ومعرفة الحيوانات.
- ومعرفة المسافات.
- ومعرفة متى يتحرك.
وهكذا يصبح الرجل الذي يستطيع البقاء في الصحراء أقرب إلى مقاتل يمتلك مهارة جغرافية كاملة. وهذه المهارة هي التي تجعل شخصية الصعلوك أقل بدائية مما تبدو. إنه ليس رجلًا يركض في الصحراء بلا هدف. إنه رجل يعرف كيف يستخدم البيئة لصالحه.
حين يصبح الخوف بطولة
من أكثر الأشياء إثارة في شخصية تأبط شرًا أن الخوف نفسه يتحول إلى جزء من البطولة. الرجل الذي لا يخاف من الخطر يصبح في الخيال أقوى من الخطر. والذي يواجه الوحش يصبح في الرواية قريبًا من الوحش نفسه. وهنا تتغير المعادلة: بدل أن يكون الصعلوك ضحية للبيئة القاسية، يصبح جزءًا منها. الصحراء تخيف الآخرين. أما هو فيعرف كيف يعيش فيها. الخطر يطارد الآخرين. أما هو فيطارده أيضًا. ومن هنا تتكون الأسطورة.
لكن الإنسان الذي لا يخاف ليس بالضرورة شجاعًا
هذه نقطة تستحق التوقف. الشجاعة ليست غياب الخوف. الشجاعة هي القدرة على التصرف رغم الخوف. أما الإنسان الذي يبحث دائمًا عن الخطر فقد يكون شجاعًا، وقد يكون متهورًا. والتراث الأدبي يميل بطبيعته إلى تضخيم الجانب البطولي.
لذلك ينبغي أن نضع مسافة بين صورة تأبط شرًا في الشعر وبين الإنسان الحقيقي الذي عاش حياة مليئة بالمخاطر. فقد تكون بعض المغامرات التي رويت عنه صحيحة. وقد تكون أخرى مبالغًا فيها. وقد يكون بعض ما حفظته الذاكرة تعبيرًا عن رغبة المجتمع في صناعة نموذج مثالي للمغامر الذي لا يعرف المستحيل. وهذا هو عمل الأدب أحيانًا. لا يحفظ الإنسان فقط. بل يصنع منه رمزًا.
تأبط شرًا ليس عروة بن الورد
وهنا يظهر الفرق بين نموذجين داخل الصعلكة. عروة بن الورد اكتسب مكانته الأدبية من علاقته بالفقراء ومن كرمه ومن محاولته بناء جماعة. أما تأبط شرًا فالقوة الشخصية هي مركز صورته.
- عروة يقول: القوة تجعلني قادرًا على حماية الآخرين.
- وتأبط شرًا يقول، في صورته الأدبية: القوة تجعلني قادرًا على النجاة بنفسي.
الأول يميل إلى التضامن. والثاني يميل إلى الفردانية. وهذا الفرق مهم لأنه يكشف أن الصعلكة لم تكن حركة واحدة لها عقيدة واحدة. لقد كانت مساحة واسعة جمعت رجالًا مختلفين، جمعتهم ظروف الهامش أكثر مما جمعتهم فلسفة مشتركة.
هل كان تأبط شرًا متمردًا؟
نعم، إذا قصدنا بالتمرد رفض الخضوع لموقع اجتماعي محدد. لكن لا، إذا قصدنا بالتمرد مشروعًا لتغيير المجتمع. هو لم يكن صاحب نظرية. ولم يكن قائد ثورة. ولم يكن يحاول إعادة بناء النظام القبلي. كان ببساطة يعيش خارجه بطريقة مختلفة. وهذا يجعل تمرده أقرب إلى تمرد وجودي وفردي منه إلى تمرد سياسي. إنه لا يقول: «يجب أن يتغير المجتمع.» بل يقول: «لن أعيش بالطريقة التي يريدها المجتمع.» وهذا فرق كبير.
لماذا أحببنا شخصيات كهذه؟
ربما لأن المجتمع نفسه يعرف أنه لا يستطيع أن يعيش كله مثلهم. لكنه يحب أن يتخيل وجود شخص يستطيع أن يفعل ما لا يستطيع الآخرون فعله. الشخصية المتمردة تمنح المجتمع مساحة للخيال. يمكن للرجل المستقر أن يعجب بالمغامر دون أن يصبح مغامرًا. ويمكن للإنسان الذي يعيش داخل القواعد أن يستمتع بقصة رجل يعيش خارجها. وهنا يتحول الصعلوك إلى نوع من التنفيس الأدبي.
- إنه يمثل الحرية التي لا يستطيع الجميع ممارستها.
- والخطر الذي لا يجرؤ الجميع على مواجهته.
- والخروج الذي لا يستطيع الجميع القيام به.
لكن الأدب يخفي الثمن
- كلما قرأنا عن المغامرة، ننسى أحيانًا الجوع.
- وكلما قرأنا عن الشجاعة، ننسى الإصابات.
- وكلما قرأنا عن الحرية، ننسى الوحدة.
- وكلما قرأنا عن الغنيمة، ننسى أن الغارة تعني أن طرفًا آخر خسر.
وهذه إحدى مشكلات القراءة الرومانسية للصعاليك. الأدب يحتفظ باللحظة المثيرة. لكنه لا يحتفظ دائمًا بكل تفاصيل الحياة اليومية. ولهذا تبدو حياة الصعلوك أحيانًا أجمل في القصيدة مما يمكن أن تكون عليه في الواقع. الحقيقة ربما كانت أكثر قسوة بكثير.
الصعلوك بوصفه محترفًا للهامش
ربما نستطيع أن نختصر شخصية تأبط شرًا في مفهوم واحد: احتراف الهامش. هو لا يملك أدوات الرجل المستقر. لكنه يملك أدوات أخرى.
- السرعة بدل الحماية.
- المعرفة بدل الاستقرار.
- الجرأة بدل المكانة.
- السمعة بدل القبيلة.
- والقدرة على المخاطرة بدل الأمان.
هذه ليست حياة أفضل. إنها حياة مختلفة. والأهم أنها حياة تفرض على صاحبها أن يحول نقاط ضعفه إلى مهارات. وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل الشخصية مثيرة حتى اليوم.
عندما يصبح الخارج أقوى من الداخل
المفارقة النهائية أن المجتمع الذي أخرج الصعلوك من داخله قد يصنع منه شخصية أقوى في الذاكرة من كثير من الأشخاص الذين بقوا داخله. قد يختفي اسم شيخ قبيلة. لكن يبقى اسم صعلوك. وقد ينسى الناس كثيرًا من الرجال الذين عاشوا حياة مستقرة. لكنهم يتذكرون الرجل الذي واجه الخطر وحده. لماذا؟ لأن الأدب لا يحفظ الواقع كما هو. يحفظ ما يراه مثيرًا. وتأبط شرًا كان مثيرًا. كان خطرًا. وكان مختلفًا. وكان يحمل في شخصيته ما يكفي لصناعة الأسطورة. ولهذا بقي.
الصعلكة ليست بطولة ولا جريمة فقط
تأبط شرًا يعلّمنا شيئًا مهمًا عن الصعاليك جميعًا. لا يمكن اختزالهم في ثنائية: أبطال أم مجرمون؟ فالصعلوك:
- يمكن أن يكون شجاعًا ومجرمًا في الوقت نفسه.
- وكريمًا وقاسيًا.
- ومظلومًا وظالمًا.
- ومتمردًا ومندفعًا.
- وهذا ليس تناقضًا في القراءة.
- بل هو الإنسان نفسه.
تأبط شرًا لم يصبح خالدًا لأنه كان نموذجًا أخلاقيًا كاملًا. أصبح خالدًا لأن شخصيته جمعت عناصر يصعب على الأدب مقاومتها: الخطر، والحرية، والوحدة، والقوة، والمغامرة، والتمرد. ولهذا تحول الرجل الذي عاش على هامش القبيلة إلى بطل داخل الذاكرة العربية. والسؤال الأهم ربما ليس: هل كان تأبط شرًا بطلًا؟.. بل: لماذا تحتاج المجتمعات إلى أن تتخيل أحيانًا رجلًا يستطيع أن يفعل ما تخشاه هي؟ ربما لأن الإنسان المستقر يحتاج إلى الصعلوك في خياله، حتى لو لم يرد أن يصبح صعلوكًا في حياته.
فالقبيلة تحتاج إلى قوانينها. والمجتمع يحتاج إلى استقراره. لكن الأدب يحتاج أحيانًا إلى رجل يقف عند الحافة، وينظر إلى كل هذه القواعد، ثم يقرر أن يختبر إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يعيش خارجها. وهنا، تحديدًا، تحوّل تأبط شرًا من صعلوك خطير إلى أسطورة أدبية عن الإنسان الذي جعل من مواجهة الخطر هويةً كاملة.