حين يصبح الإنجاز اختراعًا للرقم: لماذا امتلأ غينيس بالسجلات التافهة؟

حين نسمع عبارة «رقم قياسي عالمي»، تتبادر إلى الذهن صورة إنجاز استثنائي تجاوز ما استطاع البشر الوصول إليه من قبل.

أسرع إنسان في العالم. أعلى جبل تسلقه البشر. أثقل وزن رفعه إنسان. أطول رحلة. هذه أرقام تبدو منطقية؛ لأن الإنجاز جاء أولًا، ثم جاء الرقم لوصفه. لكن من يطالع سجلات غينيس اليوم سيجد شيئًا مختلفًا تمامًا. أكبر تجمع لأشخاص يرتدون زيًا معينًا.

أكبر عدد من الملاعق المتوازنة على وجه إنسان. أطول مدة لتدوير شيء غريب. أكبر مجموعة من أشياء لا يعرف الإنسان لماذا اجتمعت أصلًا. 

وهنا يبرز السؤال: هل نحن أمام سجلات للإنجازات فعلًا، أم أمام صناعة كاملة لإنتاج الأرقام القياسية؟

عندما كان الرقم نتيجة للإنجاز

الفكرة الأصلية للرقم القياسي بسيطة. هناك منافسة حقيقية أو ظاهرة قابلة للقياس، ويحاول الناس تجاوز الحدود السابقة. الإنسان يركض أسرع. يبني أعلى. يغوص أعمق. يرفع أثقل.

ثم يأتي السجل ليقول: هذا هو الحد الذي وصل إليه البشر حتى الآن. في هذه الحالة، الرقم القياسي لا يحتاج إلى اختراع. فهو موجود ضمن نشاط له معنى مستقل عنه. الرياضة ستستمر حتى لو لم تكن هناك موسوعة غينيس. والبناء سيستمر. والاستكشاف سيستمر. والعلم سيستمر.

الرقم هنا يوثق شيئًا موجودًا أصلًا. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح النشاط نفسه غير موجود إلا من أجل الرقم.

عندما يصبح الرقم هو الذي يخلق الإنجاز

هنا تنقلب العلاقة. بدل أن يحدث إنجاز ثم نسأل: هل حطم رقمًا قياسيًا؟ نبدأ بالسؤال: ما الشيء الغريب الذي يمكن أن نحوله إلى رقم قياسي؟ وهكذا يمكن، نظريًا، أن تتحول أي حركة بشرية إلى فئة مستقلة إذا أمكن تعريفها وقياسها. ليس المهم أن يكون لها قيمة. ولا أن تكون مهارة نافعة. ولا أن تمثل تقدمًا حقيقيًا. 

المهم أن تكون: قابلة للتحديد. قابلة للقياس. قابلة للتوثيق. ومن هنا تظهر تلك السجلات التي تبدو أحيانًا وكأن شخصًا اخترعها بعد أن قرر أنه يريد دخول موسوعة غينيس بأي طريقة. وهنا لم يعد الإنسان يحقق إنجازًا ثم يحصل على رقم. بل يبحث عن رقم يمكن اختراعه ثم يؤدي الفعل المطلوب للحصول عليه. وهذا فرق جوهري.

من موسوعة للظواهر الاستثنائية إلى سوق للأرقام

لا ينبغي النظر إلى غينيس باعتبارها مجرد كتاب محايد يجمع المعلومات. فمع الوقت أصبحت العلامة نفسها ذات قيمة كبيرة.

عبارة: «حامل رقم قياسي عالمي» يمكن استخدامها في الإعلان. وفي الأخبار. وفي الترويج السياحي. وفي الحملات التجارية. وفي المناسبات العامة. شركة تريد أن تظهر في الإعلام؟ يمكنها تنظيم أكبر تجمع لزبائنها. مدينة تريد الدعاية؟ تنظم أكبر حدث من نوع معين.

مدرسة تريد الظهور؟

تجمع أكبر عدد من الطلاب في نشاط جماعي. وهكذا لم يعد الرقم القياسي مجرد نتيجة للمنافسة، بل أصبح أداة تسويقية يمكن إنتاجها. وكلما زادت الفئات الممكنة، زاد عدد الزبائن المحتملين.

التافه ليس مشكلة عرضية

قد يقال إن السجلات الغريبة مجرد جانب مرح من الموسوعة. وهذا صحيح جزئيًا. فالناس يحبون الغرابة، وليس مطلوبًا أن يكون كل شيء عظيمًا أو علميًا. لكن المشكلة ليست في وجود سجلات طريفة.

المشكلة حين يصبح اختراع التفاهة جزءًا من النظام نفسه. لأن هناك فرقًا بين أن نكتشف أن شخصًا حقق شيئًا غريبًا بالفعل، ثم نوثقه. وبين أن نبحث عن أي فعل غريب يمكن تحويله إلى عنوان جذاب. في الحالة الأولى، نحن نسجل الواقع. وفي الثانية، نحن ننتج حدثًا من أجل التسجيل. وهنا تصبح موسوعة الأرقام القياسية جزءًا من صناعة الحدث الإعلامي.

الرقم القياسي المثالي للإعلام

الإعلام الحديث لا يبحث دائمًا عن الأهم. غالبًا ما يبحث عن ما يمكن عرضه بسرعة. صورة غريبة. فيديو قصير.

عنوان يثير الفضول. معلومة يمكن مشاركتها دون حاجة إلى شرح. ومن هذه الناحية، قد يكون الرقم القياسي التافه أكثر نجاحًا إعلاميًا من الإنجاز العظيم. خبر عن بحث علمي استغرق عشر سنوات يحتاج إلى شرح. أما صورة رجل يحمل خمسين ملعقة على وجهه، فلا تحتاج إلى أي شرح. تنظر إليها فتفهم الخبر كله. بل إن غرابة الأمر هي الخبر نفسه.

وهكذا تصبح القيمة الإعلامية منفصلة تمامًا عن القيمة الحقيقية. كلما كان الشيء أغرب، كان أكثر قابلية للانتشار. وليس بالضرورة أكثر أهمية.

ليس كل «رقم عالمي» عظيمًا

هناك مشكلة أخرى في اللغة نفسها. عبارة «رقم قياسي عالمي» تمنح الإنجاز هالة أكبر مما يستحق أحيانًا. فالناس يسمعون كلمة «عالمي» ويتخيلون منافسة كبرى بين البشر للوصول إلى أعلى مستوى ممكن. لكن بعض السجلات لا تعني هذا إطلاقًا.

قد تكون الفئة نفسها ضيقة جدًا إلى درجة أن عدد المنافسين عليها محدود. بل قد تكون الفئة قد صُممت بطريقة تجعل شخصًا بعينه قادرًا على امتلاكها. وهنا يصبح السؤال الأهم: هل الشخص هو الأفضل في العالم، أم أنه ببساطة الشخص الوحيد الذي قرر القيام بهذا الشيء؟

هناك فرق بين أن تكون أسرع إنسان في سباق يعرفه العالم كله، وبين أن تكون صاحب أفضل نتيجة في نشاط شديد التحديد لم يفكر معظم البشر أصلًا في ممارسته. لكن لقب «الرقم القياسي العالمي» قد يُستخدم في الحالتين.

المشكلة في تقديس الرقم

ربما تكشف ظاهرة غينيس شيئًا أوسع من غينيس نفسها. نحن نعيش في عصر يحب القياس. عدد المتابعين. عدد الإعجابات. عدد المشاهدات. عدد الكتب. عدد الشركات. عدد الأرقام القياسية. وكأن الشيء يكتسب قيمته بمجرد أن يمكن وضع رقم بجواره. لكن ليس كل ما يمكن قياسه مهمًا. وليس كل ما لا يمكن قياسه غير مهم.

يمكن لإنسان أن يغير حياة آلاف الناس دون أن يدخل أي سجل. ويمكن لشخص آخر أن يدخل موسوعة عالمية لأنه رتب أشياء بطريقة غريبة لمدة ساعة. الأول حقق أثرًا حقيقيًا. والثاني حقق رقمًا. والخلط بين الاثنين هو المشكلة.

عندما يصبح النجاح هو قابلية التوثيق

الرقم القياسي في النهاية يفضل نوعًا معينًا من الإنجازات. الإنجاز الذي يمكن اختصاره في وحدة قياس. متر. ثانية. كيلوغرام. عدد.

وهذا يجعل بعض الأمور عظيمة جدًا في عالم الأرقام، بينما تختفي أشياء أكثر أهمية لأنها لا تصلح للقياس بسهولة. من هو أفضل أب؟ ما أعظم أثر اجتماعي تركه إنسان؟ من أكثر شخص جعل مجتمعًا أفضل؟ من هو الإنسان الذي أحدث أكبر تغيير في حياة الآخرين؟ هذه أسئلة أهم من آلاف السجلات، لكنها لا تصلح بسهولة لكتاب أرقام قياسية. ولهذا فإن عالم الأرقام يقدم لنا دائمًا نسخة ناقصة من معنى الإنجاز. إنه يرى ما يمكن عده، لا ما يستحق بالضرورة أن يُعد.

من يبحث عن الإنجاز، ومن يبحث عن الشهادة؟

وهنا يمكن فهم جزء كبير من السجلات الغريبة. هناك أشخاص يبحثون فعلًا عن اختبار لقدراتهم. لكن هناك أيضًا من يبحث عن اللقب. وهذا يغير الهدف كله. الشخص الذي يريد تحطيم رقم في الجري يريد أن يجري أسرع. أما الشخص الذي يريد فقط دخول غينيس فقد يكون مستعدًا لفعل أي شيء، مهما كان غريبًا، بشرط أن يمنحه شهادة تقول إنه صاحب رقم عالمي.

وهنا تصبح الشهادة أهم من الفعل. والاعتراف أهم من الإنجاز. ولهذا تتكاثر الفئات الغريبة؛ لأنها تمنح عددًا أكبر من الناس فرصة للحصول على ذلك اللقب السحري: «حامل رقم قياسي عالمي».

غينيس لم تعد تسأل: ما أعظم ما فعله الإنسان؟

ربما هذا هو التحول الحقيقي. في صورتها القديمة، يمكن تخيل السؤال هكذا: ما الأشياء الاستثنائية التي حققها البشر؟ أما اليوم، ففي كثير من الحالات أصبح السؤال أقرب إلى: ما الأشياء التي يمكن تحويلها إلى سجل استثنائي؟

الفرق بين السؤالين هو الفرق بين توثيق الإنجاز وصناعة الإنجاز. ولهذا لا ينبغي أن نستغرب امتلاء غينيس بالسجلات التافهة. فالتفاهة ليست دائمًا خطأ في الاختيار. أحيانًا تكون نتيجة طبيعية لنظام يحتاج باستمرار إلى فئات جديدة، وأرقام جديدة، وعناوين جديدة، ومنافسين جدد، وأحداث قابلة للتصوير والنشر والتسويق.

لقد بدأ الأمر بمحاولة معرفة أين تقف الحدود البشرية. ثم اتسعت الحدود إلى درجة أصبح معها السؤال أحيانًا ليس: ما الذي لم يستطع أحد فعله من قبل؟ بل: ما الشيء الذي لم يفكر أحد في تحويله إلى رقم قياسي بعد؟

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.