
عندما يريد المجتمع طريقًا مختلفًا عن الطريق الذي رسمته الدولة
لم تنتهِ قصة أتاتورك بوفاته سنة 1938. بل يمكن القول إن المرحلة التالية كانت، في بعض جوانبها، أكثر كمالية من عهد المؤسس نفسه. ففي حياته كان هناك رجل يقود مشروعًا. أما بعد وفاته، فتحول المشروع إلى نظام دولة.
أفكار محددة عن الجمهورية والعلمانية والقومية والهوية، لم تعد مجرد رؤية سياسية يمكن لحزب أن يناقشها مع حزب آخر، بل أصبحت جزءًا من المؤسسات التي تحكم الدولة وتحرس اتجاهها. وهنا بدأت المشكلة التي سترافق تركيا لعقود:
ماذا يحدث عندما يريد المجتمع طريقًا مختلفًا عن الطريق الذي رسمته الدولة؟
لم يكن الجواب سهلًا. ولم يصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة فجأة، ولم يبدأ أردوغان من نقطة الصفر. قبله كانت هناك محاولات. وانتصارات انتخابية. وانقلابات. وإعدامات. وأحزاب أُغلقت. وسياسيون مُنعوا من العمل. وحكومات أُجبرت على الرحيل. وكانت كل محاولة تترك درسًا لمن يأتي بعدها.
إن قصة الطريق إلى حزب العدالة والتنمية هي في الحقيقة قصة طويلة من محاولات الخروج من المسار الكمالي، وفشل بعضها، وقمع بعضها، ثم عودة الفكرة في شكل جديد.
عندما أصبح مشروع أتاتورك أقوى من الحكومات
بعد وفاة أتاتورك، لم تصبح تركيا دولة مفتوحة تستطيع فيها القوى السياسية أن تعيد مناقشة كل شيء. على العكس، ترسخت مبادئ الجمهورية داخل بنية الدولة. وكان للجيش موقع خاص في هذه القصة. فالجيش لم ير نفسه، في مراحل مهمة من تاريخ الجمهورية، مجرد مؤسسة عسكرية مهمتها حماية الحدود. بل تطور داخله تصور بأنه حارس للجمهورية وإرث أتاتورك. وهذا خلق وضعًا سياسيًا غير عادي.
أول مفاجأة: المجتمع لم يكن مطابقًا لصورة الدولة
عندما انتقلت تركيا إلى التعددية السياسية، ظهرت حقيقة مهمة. الدولة التي أعيد تشكيلها من أعلى لم تكن تعني أن المجتمع كله أصبح كماليًا بالدرجة نفسها. بقيت قطاعات واسعة من المجتمع أكثر محافظة. لم تكن بالضرورة تريد إعادة السلطنة. ولم تكن تطالب بإلغاء الجمهورية. لكنها لم تكن ترى أيضًا أن الحداثة تعني إبعاد الدين والرموز الإسلامية عن الحياة العامة إلى الحد الذي وصل إليه النظام الكمالي.
وهنا جاء الحزب الديمقراطي وعدنان مندريس.
كان هذا تطورًا بالغ الأهمية. فمندريس لم يقدم نفسه باعتباره رجلًا يريد هدم الجمهورية. لكنه مثّل، بصورة أوضح، صوت قطاعات من المجتمع لم تجد نفسها بالكامل في النخبة الحاكمة. ومن الرموز الشهيرة لعهد الحزب الديمقراطي إعادة الأذان باللغة العربية بعد أن كان قد فُرض باللغة التركية في عهد الجمهورية المبكرة.وكانت الرسالة أكبر من مجرد لغة الأذان.
لقد بدأت السياسة تقول: ربما لا تريد الدولة أن تكون كما كانت، لكن المجتمع أيضًا لا يريد أن يعيش دائمًا وفق الصيغة التي فُرضت عليه من أعلى.
وفي انتخابات 1950 وصل الحزب الديمقراطي إلى السلطة، منهياً حكم حزب الشعب الجمهوري الذي استمر منذ تأسيس الجمهورية. كانت هذه أول مرة يحدث فيها انتقال للسلطة عبر انتخابات تعددية إلى المعارضة. (Atatürk Ansiklopedisi)
وهنا بدأ أول خروج سياسي كبير عن الاحتكار الكمالي القديم.
عدنان مندريس: اكتشف الناس أن الانتخابات لا تحسم كل شيء
صعود مندريس كان مهمًا لسبب آخر. لقد أثبت أن المجتمع التركي قادر، عندما يُمنح فرصة الاختيار، على انتخاب اتجاه سياسي مختلف. لكن التجربة نفسها لم تكن بسيطة أو مثالية. فحكومة مندريس نفسها اتُهمت في سنواتها الأخيرة بتضييق الخناق على المعارضة والصحافة، وتصاعدت الأزمة السياسية والاجتماعية قبل الانقلاب. ولذلك فإن تفسير ما حدث عام 1960 باعتباره مجرد عقاب على «المحافظة الدينية» سيكون تبسيطًا غير دقيق؛ كانت هناك أيضًا أزمة حقيقية في الحكم وصراع سياسي حاد. (Atatürk Ansiklopedisi)
لكن ما حدث بعد ذلك كان أخطر من الأزمة نفسها. في 27 مايو 1960 أطاح الجيش بحكومة مندريس. اعتُقل رئيس الوزراء وأعضاء حكومته ونواب الحزب الحاكم، وتولى العسكريون السلطة وأوقفوا الحياة السياسية القائمة. ثم حوكم مندريس في محاكمات ياسّي أدا وأُعدم في 17 سبتمبر 1961. (Atatürk Ansiklopedisi)
وهنا تلقى المجتمع التركي درسًا قاسيًا: يمكنك أن تفوز في الانتخابات، لكن الفوز لا يعني بالضرورة أنك أصبحت صاحب الكلمة الأخيرة في الدولة. هذه النقطة ستكون أساسية في كل ما سيأتي لاحقًا.
الجيش لم يعد مجرد جيش
بعد انقلاب 1960 لم يعد ممكنًا تجاهل الدور السياسي للمؤسسة العسكرية. لقد أصبح الجيش لاعبًا يرى لنفسه دورًا في حماية النظام الجمهوري. وفي وثائق وتحليلات تلك المرحلة يظهر بوضوح أن الجيش كان يُنظر إليه باعتباره حارسًا لإرث أتاتورك وإصلاحاته، وأن جزءًا من استيائه من حكومة مندريس ارتبط بما اعتبره تراجعًا عن التصور الكمالي للدولة والمجتمع، إلى جانب الأزمة السياسية الأوسع. (Office of the Historian)
لكن المشكلة في هذا التصور واضحة. إذا كان الجيش هو من يحدد متى انحرفت السياسة عن الطريق الصحيح، فمن الذي يحدد حدود سلطة الجيش؟ وهل تصبح الديمقراطية ديمقراطية فعلًا إذا كان هناك طرف يستطيع، عند الضرورة، أن يقول للناخبين: لقد اخترتم، لكن اختياركم غير مقبول؟ هذه كانت العقدة الأساسية في الجمهورية التركية.
انقلاب بعد انقلاب: الديمقراطية تحت الوصاية
لم يكن انقلاب 1960 حادثة وحيدة. في 1971 أجبر الجيش حكومة سليمان ديميريل على الاستقالة عبر مذكرة عسكرية. ثم جاء انقلاب 1980، وهو أكثر الانقلابات شمولًا، حيث عُلّق الدستور وحُلّت الأحزاب السياسية وتولى العسكريون إدارة البلاد قبل صياغة دستور جديد سنة 1982. (Türkiye Büyük Millet Meclisi)
وهذا التكرار خلق نمطًا واضحًا. ليست المسألة أن تركيا بلا انتخابات.
لم يختفِ المجتمع المحافظ
الانقلابات لم تحل المشكلة. لأن المشكلة لم تكن حزبًا واحدًا يمكن حله بقرار. كان هناك قطاع اجتماعي واسع بقي خارج الصيغة الكمالية الصلبة. وفي كل مرة يُغلق باب، يظهر باب آخر. وهنا بدأت التيارات ذات المرجعية الإسلامية أو المحافظة تتحول من مجرد مطالب اجتماعية إلى مشروع سياسي منظم.
وأبرز اسم في هذه المرحلة كان نجم الدين أربكان. أربكان يمثل مرحلة مختلفة عن مندريس. مندريس كان محافظًا ويمنح المجتمع المتدين مساحة أكبر داخل النظام. أما أربكان فكان يقدم رؤية سياسية أكثر وضوحًا حول الهوية والاقتصاد والعلاقة مع الغرب ومكان الدين في المجتمع. وهنا أصبح التحدي أكبر. لم يعد السؤال: هل نسمح ببعض المظاهر الدينية؟ بل أصبح:
هل يمكن لتيار سياسي محافظ ذي مرجعية إسلامية أن يشارك في تحديد اتجاه الدولة؟
أربكان: كلما أُغلق حزب ظهر آخر
واجه التيار الذي قاده أربكان سلسلة طويلة من الحظر. ظهرت أحزاب، ثم أُغلقت، ثم عادت الحركة تحت أسماء جديدة. وهذه التجربة صنعت شيئًا مهمًا جدًا: لم يعد التيار المحافظ يعتقد أن مجرد تأسيس حزب والفوز ببعض الأصوات يكفي.فقد تعلم أن الدولة تستطيع استخدام القضاء أو المؤسسة العسكرية أو القواعد الدستورية لإغلاق الطريق. وكانت كل تجربة فاشلة تضيف خبرة جديدة.
- كيف تتعامل مع الجيش؟
- كيف تتعامل مع القضاء؟
- كيف تقدم نفسك للناخب؟
- كيف تتجنب إعطاء خصومك سببًا مباشرًا لحظرك؟
وهذه الدروس ستصبح لاحقًا جزءًا من سر نجاح الجيل التالي.
1997: الوصول إلى السلطة لا يعني امتلاك الدولة
وصل أربكان إلى رئاسة الحكومة في التسعينيات. وهنا بدا أن التيار الإسلامي السياسي حقق ما لم يحققه من قبل. وصل إلى قمة السلطة عبر العملية السياسية. لكن التجربة لم تستمر.
في 28 فبراير 1997 مارس الجيش والمؤسسة الأمنية ضغوطًا على حكومة أربكان، فيما أصبح يعرف لاحقًا باسم «انقلاب 28 فبراير» أو «الانقلاب ما بعد الحداثي». لم يكن انقلابًا تقليديًا تستولي فيه الدبابات على السلطة مباشرة، لكنه أدى إلى تغيير المشهد السياسي وخروج أربكان من رئاسة الحكومة، ثم حُظر حزب الرفاه ومُنع أربكان وعدد من السياسيين من العمل السياسي لفترة. (Anadolu Ajansı)
وهنا ظهر درس أكثر قسوة: يمكنك أن تصل إلى رئاسة الحكومة، ومع ذلك لا تكون قد وصلت إلى السلطة الحقيقية كلها. لأن الدولة أكبر من الحكومة. وهذا الفرق لم يفهمه كثيرون في بداية الديمقراطيات، لكن التجربة التركية جعلته واضحًا جدًا.
الاعتقالات والحظر لم تنهِ الفكرة
ربما كانت هذه أكبر مفارقة. كلما تدخلت الدولة لإيقاف تيار، لم يختفِ التيار.
- أحيانًا كان يخرج أكثر حذرًا.
- وأحيانًا أكثر تنظيمًا.
- وأحيانًا باسم جديد.
- عدنان مندريس أُطيح به ثم أُعدم.
- أحزاب أربكان حُظرت.
- سياسيون مُنعوا من العمل.
- حكومات أُجبرت على الرحيل.
وتدخل الجيش مرارًا عندما شعر بأن السياسة خرجت عن الحدود التي يقبل بها النظام. كل ذلك كان يصنع تدريجيًا شعورًا بأن هناك فجوة بين تركيا الرسمية وتركيا التي تريد أن تعبر عن نفسها عبر الانتخابات.
ظهور جيل جديد
ومن هذه البيئة خرج جيل سياسي جديد. جيل شاهد ما حدث لمن قبله. ولم يكن يريد تكرار الأخطاء نفسها. كان من بينهم رجب طيب أردوغان. وهنا يجب ألا نقفز مباشرة إلى قصة نجاحه. الأهم أن نفهم الدرس الذي سبقها.
الجيل الجديد لم يرَ أن طريق أربكان فشل لأن المجتمع لا يؤيده. فقد وصل أربكان بالفعل إلى رئاسة الحكومة. بل رأى أن المشكلة هي أن الوصول إلى الحكم بطريقة مباشرة وصدامية نسبيًا لا يكفي للبقاء فيه.إذا قدمت نفسك منذ البداية باعتبارك تحديًا صريحًا للدولة العميقة، فقد تتحد مؤسسات كثيرة ضدك.
وهكذا بدأ التفكير في طريق مختلف. ليس التخلي بالضرورة عن المجتمع المحافظ. بل تغيير طريقة الوصول إلى السلطة وتقديم المشروع.
- أكثر براغماتية.
- أكثر حذرًا.
- أكثر تركيزًا على الديمقراطية والاقتصاد.
- وأقل استعدادًا لإعلان معركة الهوية منذ اليوم الأول.
من الفشل إلى الدرس
هنا يصبح الطريق إلى حزب العدالة والتنمية مفهومًا. الحزب لم يظهر من فراغ. كان وراءه تاريخ كامل من التجارب. مندريس كشف أن المجتمع يمكن أن يصوت ضد النخبة التقليدية.
- لكن انقلاب 1960 كشف أن الانتخابات وحدها لا تحمي الحكومة.
- الانقلابات التالية أثبتت أن الجيش قادر على العودة إلى السياسة كلما رأى ضرورة لذلك.
- أربكان أثبت أن التيار المحافظ يستطيع الوصول إلى قمة السلطة.
- لكن 1997 أثبت أن الوصول إلى رئاسة الحكومة لا يعني السيطرة على مؤسسات الدولة.
ثم جاءت الاعتقالات والحظر والمنع لتضيف درسًا آخر: إذا أُغلق الحزب، يجب أن تكون الفكرة قادرة على العودة بصورة مختلفة. وهكذا لم يكن حزب العدالة والتنمية مجرد حزب جديد. كان، في جانب مهم منه، خلاصة دروس الفشل التي سبقته.
الجمهورية التي كانت تتغير ببطء
ولهذا سيكون من الخطأ القول إن تركيا بقيت على طريق أتاتورك دون أي تغيير حتى وصول أردوغان. التغيير بدأ قبل ذلك بوقت طويل:
- بدأ عندما ظهرت التعددية السياسية.
- وبدأ عندما فاز مندريس.
- واستمر مع كل محاولة لإعادة الدين والمجتمع المحافظ إلى المجال العام.
- واستمر مع كل حزب جديد.
- ومع كل انقلاب.
- ومع كل منع.
لكن الفرق أن المحاولات السابقة كانت تُهزم أو تُحتوى قبل أن تستطيع تغيير بنية الدولة نفسها. أما المرحلة التالية فستكون مختلفة. لأن السؤال لن يعود: هل يستطيع تيار محافظ الوصول إلى السلطة؟ لقد حدث ذلك من قبل.
السؤال الجديد سيكون: هل يستطيع البقاء في السلطة مدة كافية لتغيير قواعد اللعبة نفسها؟ وهنا، عند هذه النقطة، يظهر حزب العدالة والتنمية. ليس بوصفه بداية القصة. بل بوصفه نتيجة طريق طويل بدأ منذ أن اكتشف المجتمع التركي أن الجمهورية التي وُلدت بعد أتاتورك لم تستطع أن تلغي الأسئلة التي تركها الماضي.
أسئلة الدين. والهوية. والتاريخ. ومن يملك الدولة. ومن يحدد طريقها.
وفي المقال التالي تبدأ المرحلة الحاسمة: كيف نجح حزب العدالة والتنمية في الوصول إلى السلطة، والأهم: لماذا لم يسقط في البداية بالطريقة التي سقط بها من سبقوه؟