
الانتصار الذي يصنع الهزيمة: عندما تنجح الدولة عسكريًا وتخسر استراتيجيًا
من السهل أن نعرف من انتصر في معركة. الجيش الذي استولى على المدينة انتصر. والذي دمر عددًا أكبر من الدبابات انتصر. والذي أسقط النظام المعادي في أسابيع قليلة يبدو أنه حقق نصرًا واضحًا. لكن الأمن القومي لا يهتم بالمعركة وحدها. السؤال الأهم هو: هل جعل الانتصار الدولة أكثر أمنًا؟
فهناك فرق بين النصر العسكري والنجاح الاستراتيجي.
- قد تحقق الدولة كل أهدافها العسكرية المباشرة، ثم تكتشف أنها لم تحقق الهدف السياسي الذي خاضت الحرب من أجله.
- وقد تدمر جيش خصمها، لكنها تخلق مقاومة جديدة.
- وقد تحتل أرضًا، لكنها تخسر تحالفات.
- وقد تسقط نظامًا، لكنها تفتح فراغًا لا تستطيع السيطرة عليه.
- وقد تنهي حربًا، لكنها تترك وراءها بيئة أكثر خطورة مما كانت عليه قبلها.
وهنا يصبح الانتصار العسكري بداية سؤال أصعب، لا نهاية السؤال.
المعركة ليست الحرب
الجيوش تفكر بطبيعتها في العمليات العسكرية. السيطرة على موقع. تدمير هدف. إجبار قوة معادية على الانسحاب. لكن الدولة لا تخوض الحرب من أجل هذه الأشياء وحدها. هي تخوضها لتحقيق هدف سياسي. وهنا يجب أن يكون السؤال: ماذا أردنا أن نحقق سياسيًا؟
- إذا كان الهدف هو منع تهديد معين، فهل اختفى التهديد؟
- إذا كان الهدف هو حماية الأمن القومي، فهل أصبح البلد أكثر أمنًا؟
- إذا كان الهدف هو تغيير سلوك الخصم، فهل تغير؟
- إذا كان الهدف هو إسقاط نظام، فماذا سيأتي بعده؟
- إذا لم تكن الإجابة واضحة، فقد يكون الجيش قد نجح، بينما فشلت السياسة.
وهذه إحدى أكثر المفارقات خطورة في الحرب.
العراق 2003: انتصار عسكري وسؤال لم ينتهِ
يقدم غزو العراق عام 2003 مثالًا واضحًا على الفرق بين النجاح العسكري والنجاح الاستراتيجي. لم يكن هناك شك كبير في قدرة لولايات المتحدة على هزيمة القوات العراقية النظامية. وخلال أسابيع سقطت بغداد وانتهى النظام. من منظور عسكري مباشر، كان ذلك انتصارًا ساحقًا. لكن الحرب لم تنتهِ. بدأ السؤال الأصعب: كيف يُدار العراق بعد سقوط النظام؟
وهنا ظهرت تحديات لم تكن قابلة للحل بالقوة العسكرية وحدها. تفككت مؤسسات، وحدث فراغ أمني، وظهرت مقاومة مسلحة، وتصاعد الصراع الطائفي والسياسي، ثم أصبحت الساحة العراقية جزءًا من صراعات إقليمية أوسع. لم يكن الخطأ أن الولايات المتحدة لم تكن قوية بما يكفي لإسقاط النظام. بل كانت قوية جدًا في تحقيق ذلك الهدف. المشكلة كانت أن تحقيق الهدف العسكري لم يكن هو نفسه تحقيق الهدف الاستراتيجي.
وهذه نقطة مركزية في الأمن القومي: إذا كان الانتصار العسكري يخلق بيئة تجعل الهدف السياسي أكثر صعوبة، فالنصر العسكري لا يكون كافيًا.
الاتحاد السوفيتي في أفغانستان
دخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان عام 1979 بقوة عسكرية ضخمة. كان قادرًا على السيطرة على المدن والمراكز المهمة، وعلى تنفيذ عمليات عسكرية واسعة ضد خصومه. لكن السيطرة العسكرية لم تتحول إلى استقرار سياسي دائم. فالمشكلة لم تكن مجرد السيطرة على الأرض. كانت تتعلق بقدرة الدولة المدعومة من السوفييت على فرض شرعية مستقرة، وبقدرة القوات السوفيتية على مواجهة حرب استنزاف طويلة في بيئة جغرافية واجتماعية صعبة، وبالخصوم المحليين والدعم الخارجي الذي تلقوه. استمرت الحرب سنوات. وارتفعت التكلفة.
وفي النهاية انسحبت القوات السوفيتية عام 1989. هنا لا يمكن القول إن الجيش السوفيتي كان عاجزًا عسكريًا. بل إن المشكلة كانت أن التفوق العسكري لم يكن قادرًا على إنتاج النتيجة السياسية المطلوبة بتكلفة مقبولة. وهذا هو الفارق بين الحرب كعملية عسكرية والحرب كأداة سياسية.
الولايات المتحدة في فيتنام
في فيتنام ظهر الفرق بصورة أكثر وضوحًا. كانت الولايات المتحدة تملك تفوقًا عسكريًا هائلًا مقارنة بالقوات التي واجهتها. واستطاعت تحقيق انتصارات عسكرية عديدة، وإلحاق خسائر كبيرة بالقوات الشيوعية. لكن تحقيق الانتصارات في المعارك لم يكن كافيًا لتحقيق الهدف السياسي للحرب. فالحرب لم تكن مجرد مسألة عدد الجنود أو الطائرات. كانت تتعلق بالإرادة السياسية، والقدرة على الاستمرار، والشرعية، والدعم الشعبي، والبيئة المحلية، وقدرة الخصم على تحمل الخسائر.
وفي النهاية انسحبت الولايات المتحدة، ثم سقطت سايغون عام 1975. مرة أخرى: التفوق العسكري لا يضمن تحقيق الهدف السياسي.
لماذا يصعب على الدول الاعتراف بأن الانتصار لم يكن كافيًا؟
لأن الاعتراف بذلك مكلف سياسيًا. بعد إنفاق مليارات الدولارات وسقوط الجنود، يصبح من الصعب على القيادة أن تقول: «ربما لم تكن الحرب تحقق ما أردناه.» وقد يؤدي ذلك إلى ظاهرة خطيرة: كلما ارتفعت التكلفة، زاد التمسك بالقرار. ليس لأن القرار أصبح أفضل، بل لأن الاعتراف بخطئه أصبح أصعب.
وهنا تتحول الحرب إلى ما يشبه الفخ السياسي. القيادة لا تريد التراجع لأن التراجع يبدو اعترافًا بالفشل.
- فتطلب مزيدًا من الموارد.
- ثم مزيدًا من الوقت.
- ثم مزيدًا من القوات.
- ثم تعيد تعريف الهدف بدل الاعتراف بأن الهدف الأصلي لم يتحقق.
وهكذا يصبح الانتصار الموعود دائمًا في المستقبل.
مشكلة «ماذا بعد؟»
من أهم الأسئلة التي يجب أن تسبق الحرب: ماذا سيحدث بعد أن ننتصر؟ هذا السؤال يبدو بسيطًا، لكنه ربما يكون أصعب من التخطيط للمعركة نفسها.
- إذا أسقطنا النظام، من سيدير الدولة؟
- إذا دمرنا الجيش، من سيحافظ على الأمن؟
- إذا أزلنا الحكومة، كيف نمنع الفراغ؟
- إذا احتللنا الأرض، كيف نحكمها؟
- إذا هزمنا التنظيم المسلح، ماذا سيحدث للأفكار والظروف التي أنتجته؟
- إذا انتصرنا على دولة منافسة، كيف ستتصرف بعد هزيمتها؟
هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن سؤال كيفية الفوز بالحرب. بل في بعض الحالات تكون أهم منه. لأن الدولة تستطيع أن تعرف كيف تبدأ الحرب، لكنها قد لا تعرف كيف تنهيها.
النصر قد يخلق أعداء جددًا
الحرب ليست عملية حسابية. كلما استخدمت الدولة القوة، تغيرت البيئة التي تعمل فيها.
- قد يؤدي قتل قائد إلى ظهور قائد أكثر تطرفًا.
- وقد يؤدي احتلال منطقة إلى توحيد جماعات كانت متنافسة.
- وقد يؤدي إسقاط نظام إلى فتح المجال أمام قوى كانت مكبوتة.
- وقد يؤدي تدمير مؤسسات الدولة إلى إنتاج فوضى يستفيد منها خصوم آخرون.
وهنا يصبح السؤال: هل عالجت الحرب التهديد، أم غيرت شكله فقط؟
- قد ينتهي الجيش الذي كنت تخشاه، لكن يظهر تنظيم مسلح أصغر وأكثر انتشارًا.
- وقد تختفي الحكومة التي اعتبرتها مصدر المشكلة، لكن تظهر عدة قوى متنافسة أكثر صعوبة في التعامل معها.
وهذا ما يجعل بعض الانتصارات العسكرية قصيرة النظر. لقد أزالت المشكلة التي كانت أمامها، لكنها خلقت بيئة تسمح بمشكلات جديدة.
الانتصار التكتيكي والهزيمة الاستراتيجية
يمكن تلخيص المشكلة بثلاثة مستويات.
- النصر التكتيكي: نجحت في المعركة أو العملية.
- النصر العملياتي: حققت سلسلة من الأهداف العسكرية المهمة.
- النجاح الاستراتيجي: حققت الهدف السياسي الذي من أجله استخدمت القوة.
وقد تجتمع المستويات الثلاثة. لكنها قد تنفصل أيضًا. يمكن أن تنتصر في كل معركة تقريبًا ولا تحقق الهدف السياسي. وهذا ما يجعل تقييم الحرب أكثر تعقيدًا من عدّ المعارك التي فاز بها الجيش.
هل يعني ذلك أن استخدام القوة خطأ؟
بالتأكيد لا. وهنا يجب أن نكون دقيقين.
- بعض الحروب ضرورية.
- وبعض التهديدات لا يمكن ردعها إلا بالقوة.
- وبعض الانتصارات العسكرية أنقذت دولًا بالفعل.
لذلك ليست الرسالة أن الدولة يجب أن تتجنب الحرب. الرسالة هي أن القوة العسكرية يجب أن تكون مرتبطة بهدف سياسي واضح وقابل للتحقيق. وأن يكون لدى القيادة تصور واقعي لما بعد الحرب. وأن تكون مستعدة لتغيير المسار إذا تغيرت الظروف. القوة التي لا تستطيع الدولة استخدامها بحكمة ليست قوة كاملة. والجيش الذي يستطيع الفوز في المعركة لكنه لا يستطيع تحويل النصر إلى نتيجة سياسية قد يكون أداة عسكرية ممتازة، لكنه لا يكفي وحده لصناعة الأمن القومي.
متى يكون الانسحاب انتصارًا؟
أحيانًا يكون الانسحاب هو القرار الأكثر عقلانية. لكن المشكلة أن الانسحاب يحمل تكلفة سياسية. سيقول الخصوم إن الدولة هُزمت. وقد يقول الحاكم إن التراجع سيضر بهيبته. وقد ترى المؤسسة العسكرية أن التراجع يهدر تضحيات الجنود. لكن الدولة لا يفترض أن تخوض الحرب من أجل تجنب وصفها بالهزيمة. هدفها حماية مصالحها. إذا أصبحت تكلفة الاستمرار أكبر من الفائدة المتوقعة، فإن تغيير المسار قد يكون عقلًا استراتيجيًا، لا جبنًا. والدولة التي تستطيع الاعتراف بأن أهداف الحرب لم تعد قابلة للتحقيق قد تكون أكثر قوة من دولة تستمر فقط لأنها تخشى الاعتراف بالفشل.
الأمن القومي يقيس النتيجة لا الصورة
- قد تبدو الدولة أكثر قوة بعد انتصار عسكري.
- قد ترتفع شعبية القيادة.
- قد تمتلئ الشاشات بصور الدبابات.
- وقد تتحدث وسائل الإعلام عن «النصر التاريخي».
لكن التاريخ لا يقيس الحرب من خلال الاحتفال الأول. يقيسها بما يحدث بعدها.
- هل أصبحت الحدود أكثر أمنًا؟
- هل أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على الاستمرار؟
- هل تراجع خطر الخصم؟
- هل تحسن موقع الدولة الاستراتيجي؟
- هل أصبحت الدولة أكثر قدرة على مواجهة الأزمة التالية؟
- أم أنها أصبحت أكثر تورطًا واستنزافًا وعزلة؟
إذا كانت النتيجة الأخيرة هي التي حدثت، فقد يكون النصر العسكري قد أخفى هزيمة استراتيجية.
خاتمة
الدولة لا تخوض الحرب لكي تفوز بالمعركة. تخوضها لكي تحقق هدفًا سياسيًا يخدم أمنها. ولهذا فإن أصعب سؤال قبل الحرب ليس: هل نستطيع هزيمة الخصم؟ بل: ماذا سيحدث إذا هزمناه؟
- قد يكون الجيش قادرًا على إسقاط العاصمة، لكن الدولة قد تكون عاجزة عن إدارة اليوم التالي.
- وقد يكون قادرًا على احتلال الأرض، لكنه غير قادر على تحمل تكلفة بقائها.
- وقد يكون قادرًا على تدمير خصمه، لكنه غير قادر على منع ظهور خصم جديد.
- وقد يحقق انتصارًا كاملًا في الميدان، بينما يصبح وضع الدولة أسوأ مما كان عليه قبل الحرب.
لهذا لا يقاس الأمن القومي بعدد الانتصارات العسكرية وحدها. فالانتصار الحقيقي هو أن تنتهي الحرب والدولة أقوى وأكثر أمنًا وأقرب إلى الهدف الذي خاضتها من أجله. أما إذا خرجت الدولة من الحرب وقد ربحت المعارك وخسرت قدرتها على تحقيق مصالحها، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح ليس: «هل انتصر الجيش؟» بل: «هل انتصرت الدولة؟»
وفي المقال التالي نصل إلى السؤال الأعمق في السلسلة كلها: إذا كان الحاكم يستطيع أن يخطئ، والحرب قد تكون خطأ، والمعلومات قد تُحجب، والإصلاح قد يتأخر، فمن الذي يحمي الدولة من أخطاء الحاكم نفسه؟