عندما وصل المغول إلى إندونيسيا
عندما نتحدث عن توسعات المغول في القرن الثالث عشر، غالبًا ما تتجه الصورة إلى سهول آسيا الوسطى والصين وفارس وروسيا. لكن مشروع المغول، وخصوصًا في عهد قوبلاي خان، وصل إلى حدود أبعد بكثير، حتى جنوب شرق آسيا. وفي سنة 1293م ظهرت القوات المغولية، التابعة لإمبراطورية يوان، على جزيرة جاوة في أرخبيل إندونيسيا الحالي.
لكن هذه الحملة لم تكن محاولة لاحتلال إندونيسيا بالمعنى الذي نفهمه اليوم، كما أنها لم تكن جزءًا من مشروع مغولي للسيطرة المباشرة على جميع جزر الأرخبيل. كانت الحملة موجهة أساسًا ضد مملكة سنغاساري في جاوة، بعد أن رفض ملكها كرتانيغارا الخضوع لقوبلاي خان وأهان أحد مبعوثيه.
غير أن المفارقة الكبرى أن الرجل الذي جاء المغول لمعاقبته كان قد مات قبل وصولهم، والدولة التي أرادوا إخضاعها كانت قد سقطت أصلًا. وهكذا دخل الجيش المغولي جاوة في لحظة سياسية مختلفة تمامًا عن تلك التي بدأ بسببها الغزو.
من الدبلوماسية إلى الحرب
كانت جاوة في ذلك الوقت جزءًا مهمًا من شبكة التجارة والسياسة في جنوب شرق آسيا. وكانت مملكة سنغاساري قد أصبحت قوة مؤثرة في المنطقة، في الوقت الذي كانت فيه إمبراطورية يوان الصينية تسعى إلى توسيع نفوذها جنوبًا وربط المناطق المحيطة بالصين بنظامها السياسي والتجاري.
أرسل قوبلاي خان مبعوثين إلى كرتانيغارا مطالبًا إياه بالاعتراف بسلطة يوان، لكن الملك الجاوي رفض. ولم يكن الرفض مجرد اختلاف دبلوماسي عادي؛ فقد تصاعدت المواجهة إلى إهانة للمبعوث المغولي، وهو أمر كان من الصعب على قوبلاي خان تجاهله.
بالنسبة إلى إمبراطور يوان، كانت المسألة تتعلق بالهيبة بقدر ما تتعلق بالمصالح الاستراتيجية. فقبول إهانة مبعوث إمبراطوري من دون رد كان يمكن أن يشجع قوى أخرى في المنطقة على رفض المطالب المغولية.
لذلك بدأ الإعداد لحملة عسكرية ضد جاوة.
لكن جاوة تغيرت قبل وصول الجيش
استغرق تجهيز الحملة وعبورها إلى جاوة وقتًا، وخلال هذه الفترة تغيرت الخريطة السياسية للجزيرة. في سنة 1292م تعرضت سنغاساري لهجوم من جاياكاتوانغ، حاكم كديري، الذي تمكن من قتل كرتانيغارا وإسقاط المملكة.
وهنا أصبحت الحملة المغولية أمام واقع جديد تمامًا. الملك الذي رفض قوبلاي خان لم يعد موجودًا، والدولة التي كان من المفترض أن يعاقبها المغول لم تعد هي القوة الحاكمة.
وفي وسط هذا التحول ظهر رادن ويجايا، أحد أفراد النخبة المرتبطة بسنغاساري. كان لديه خصومة مع جاياكاتوانغ، ولذلك أدرك أن وصول الجيش المغولي يمكن أن يتحول من كارثة إلى فرصة. لم يكن أمامه جيش يوازي الجيش المغولي، لكنه امتلك شيئًا آخر: المعرفة بالجزيرة والسياسة المحلية.
التحالف الغريب
قدم ويجايا نفسه للمغول باعتباره حليفًا محتملًا. وأقنعهم بأن جاياكاتوانغ هو الحاكم الذي ينبغي القضاء عليه، وأنه مستعد للاعتراف بسلطة قوبلاي خان بعد مساعدته على استعادة موقعه.
بالنسبة إلى المغول، بدا العرض منطقيًا. فقد وصلوا إلى جزيرة بعيدة لا يعرفون تضاريسها السياسية والعسكرية جيدًا، ووجدوا شخصًا محليًا يعرف البلاد ويعرض عليهم التعاون ضد خصمهم.
وهكذا نشأ تحالف مؤقت بين الطرفين. لم يكن تحالفًا قائمًا على الثقة، بل على تطابق المصالح في لحظة محددة. المغول يريدون إسقاط السلطة الجاوية المعادية لهم، وويجايا يريد إسقاط عدوه المحلي. وكان كل طرف يعتقد أنه سيستفيد من الطرف الآخر. لكن ويجايا كان لديه هدف مختلف تمامًا.
الجيش المغولي في جزيرة استوائية
كانت الحملة مختلفة عن معظم الحروب التي ارتبطت باسم المغول. فلم يكن الجيش يخوض حربًا في السهوب المفتوحة حيث تستطيع وحدات الفرسان الاستفادة من سرعتها وحركتها. كان عليه أن يتحرك في بيئة جزيرية استوائية، وسط تضاريس مختلفة، وأن يعتمد على السفن والإمدادات البحرية، وأن يقاتل بعيدًا جدًا عن مركز قوته في الصين.
ومع ذلك تمكن الجيش المغولي، بالتعاون مع قوات ويجايا، من هزيمة جاياكاتوانغ وإسقاط مركز قوته. من الناحية العسكرية، حققت الحملة نجاحًا مهمًا. لكن من الناحية السياسية، كان هذا النجاح بداية المشكلة. فبعد سقوط جاياكاتوانغ لم يعد لدى المغول الخصم الذي جاؤوا لمحاربته، بينما أصبح ويجايا هو القوة التي استفادت من وصولهم.
عندما انتهت مهمة المغول
بعد هزيمة جاياكاتوانغ طلب ويجايا العودة إلى أراضيه بحجة الاستعداد لتقديم الجزية لقوبلاي خان. وافق المغول على ذلك. وهنا تظهر براعة المناورة السياسية التي جعلت هذه الحملة مختلفة عن كثير من الحملات المغولية الأخرى. كان ويجايا قد حصل على ما يريد.
استخدم الجيش المغولي لإسقاط خصمه، ثم أصبح عليه التخلص من الجيش نفسه قبل أن يتحول من حليف مؤقت إلى قوة احتلال. عاد ويجايا إلى قواته، وجمع رجاله، واستعد للمواجهة. وفي مايو 1293م انقلب على المغول وشن هجمات مفاجئة عليهم. فوجئت القوات المغولية التي لم تكن تتوقع أن يتحول الرجل الذي تعاون معها قبل فترة قصيرة إلى خصم مباشر. وهكذا تحول التحالف الذي أسقط جاياكاتوانغ إلى حرب جديدة.
لماذا لم يحتل المغول جاوة؟
قد يبدو من السهل تفسير الانسحاب باعتباره هزيمة عسكرية بسيطة، لكن ذلك لا يعكس الصورة كاملة. المغول كانوا قادرين على تحقيق انتصارات عسكرية في الجزيرة، لكن احتلال جاوة والسيطرة المستمرة عليها كان شيئًا مختلفًا تمامًا. فالجيش كان بعيدًا عن الصين، وكان يعتمد على الأسطول والإمدادات البحرية. وكان عليه أيضًا أن يتعامل مع بيئة استوائية وتضاريس لم تكن مناسبة تمامًا لنمط الحرب الذي اشتهرت به الجيوش المغولية.
كما أن الحرب لم تعد تحقق الهدف الأصلي للحملة. كرتانيغارا مات. وجاياكاتوانغ هُزم. والقوة المحلية التي كان من المفترض أن تخضع للمغول أصبحت تحت قيادة رجل قرر مقاومتهم. لم يعد أمام الجيش المغولي هدف سياسي واضح يبرر البقاء في جزيرة بعيدة ومعادية.
وفوق ذلك كان توقيت العودة مهمًا بسبب ظروف الرياح الموسمية، الأمر الذي جعل البقاء لفترة طويلة خطرًا على الحملة البحرية. لذلك قرر قادة الجيش الانسحاب.
الانسحاب الذي صنع دولة جديدة
عاد الجيش المغولي إلى الصين سنة 1293م، وانتهت حملته في جاوة. لكن المغول، رغم فشلهم في إخضاع الجزيرة، تركوا وراءهم نتيجة سياسية لم تكن في حساباتهم. فقد ساعد وصولهم، بصورة غير مباشرة، رادن ويجايا على التخلص من جاياكاتوانغ، ثم تمكن هو نفسه من تأسيس دولة جديدة هي ماجاباهيت. وهكذا خرج المغول من جاوة، بينما بدأ ويجايا مرحلة جديدة من تاريخ الجزيرة.
ومع مرور الوقت أصبحت ماجاباهيت واحدة من أهم القوى السياسية والبحرية في تاريخ الأرخبيل، وارتبط اسمها بفترة واسعة من النفوذ في أجزاء كبيرة من جنوب شرق آسيا.
درس جاوة: القوة لا تكفي
تكشف حملة المغول على جاوة عن جانب مختلف من التاريخ المغولي. فالمشكلة لم تكن أن المغول لم يمتلكوا القوة العسكرية اللازمة للوصول إلى الجزيرة؛ فقد قطعوا مسافة هائلة عبر البحر وأنزلوا جيشًا كبيرًا وحققوا انتصارًا على خصم محلي.
المشكلة كانت أن القوة العسكرية دخلت إلى لعبة سياسية لم تكن قواعدها واضحة لها.
جاء المغول لمعاقبة ملك، فوجدوه ميتًا. وجاءوا لإسقاط دولة، فوجدوا دولة أخرى قد أسقطتها قبلهم. ثم تحالفوا مع رجل محلي لم يكن يريد أن يصبح تابعًا لهم، وإنما أراد استخدام قوتهم لتحقيق هدفه الخاص. وهنا تكمن المفارقة.
لم يُهزم المغول في جاوة لأنهم كانوا أضعف بالضرورة، وإنما لأن انتصارهم الأول ساعد رجلًا آخر على تحقيق هدفه، ثم أصبح وجود الجيش المغولي نفسه عقبة أمام مشروع ذلك الرجل.
كانت الحملة بالنسبة إلى قوبلاي خان محاولة لإظهار قوة الإمبراطورية وحماية هيبتها في أقصى حدود نفوذها البحري. أما بالنسبة إلى رادن ويجايا، فقد كانت فرصة نادرة لاستدعاء أقوى جيش في المنطقة لضرب عدوه، ثم التخلص منه عندما تنتهي مهمته.
وهكذا انتهت المغامرة المغولية في جاوة بانسحاب الجيش الذي جاء ليخضع الجزيرة، بينما بقي الرجل الذي استخدم وصوله ليؤسس دولة ستصبح لاحقًا إحدى القوى الكبرى في تاريخ إندونيسيا.
في جاوة لم ينتصر الطرف الذي امتلك القوة الأكبر، بل الطرف الذي عرف متى يستخدم قوة الآخرين، ومتى ينقلب عليهم.