
الناصر محمد: السلطان الذي هزم الأمراء ثم عادوا بعده
كانت الدولة المملوكية منذ نشأتها تقوم على مفارقة أساسية: السلطان هو رأس الدولة، لكن القوة التي تحمي السلطان هي نفسها القوة التي تستطيع عزله. فالأمراء يملكون المماليك والإقطاعات والمناصب، والسلطان يحتاج إليهم لإدارة الجيش والدولة، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى منع أي أمير من أن يصبح أقوى منه. ولهذا لم تكن المشكلة المملوكية مجرد العثور على حاكم قوي، وإنما كانت في بناء توازن يستطيع السلطان من خلاله أن يحكم مجموعة من الرجال الأقوياء دون أن تتحول الدولة إلى ساحة مفتوحة لصراعهم. وفي مراحل كثيرة كان السلطان نفسه مجرد مركز مؤقت تتجمع حوله تحالفات الأمراء، فإذا ضعفت شخصيته أو فقد رجاله أصبح العرش أداة في يد المجموعة الأقوى.
لكن الناصر محمد استطاع أن يفعل شيئًا أكثر صعوبة؛ فقد لم يكتفِ بالوصول إلى السلطنة، بل تمكن تدريجيًا من إعادة تشكيل العلاقة بين السلطان والأمراء بحيث أصبح هو مركز التوازن بينهم، لا مجرد طرف آخر في صراعهم. وهذه النقلة كانت مهمة جدًا في تاريخ الدولة المملوكية؛ لأن السلطان لم يعد مضطرًا إلى أن يكون تابعًا لأحد الأمراء، بل أصبح قادرًا على استخدام المنافسة بينهم لحماية سلطته. ومع ذلك، فإن نجاح الناصر محمد حمل في داخله مشكلة لم تظهر إلا بعد وفاته: هل أصبح مركز السلطة قويًا بما يكفي ليستمر من دونه، أم أن ما بناه كان مرتبطًا بشخصه وشبكته الخاصة؟
السلطان الذي تعلم من الانقلابات
لم يصل الناصر محمد إلى هذه القوة دفعة واحدة. فقد تولى السلطنة وهو صغير، ثم وجد نفسه وسط عالم يسيطر عليه كبار الأمراء، ولم تكن له في البداية القوة التي تسمح له بإدارة هذا الصراع بنفسه. ولذلك أصبحت سنواته الأولى تجربة سياسية قاسية تعلم خلالها أن امتلاك لقب السلطان لا يعني بالضرورة امتلاك السلطة الفعلية. كان العرش موجودًا، والبيعة موجودة، والشرعية موجودة، لكن الأمير الذي يملك الرجال والمال والعلاقات يستطيع أن يفرض إرادته على السلطان.
ولهذا فإن تجربة الناصر محمد المبكرة تكشف إحدى أهم قواعد السياسة المملوكية: السلطان الذي لا يملك رجالًا يدينون له بالولاء الشخصي يبقى معرضًا لأن يصبح أداة في يد غيره. فالأمير يستطيع أن يحاصر السلطان سياسيًا، ويؤثر في قراراته، ويعزله إذا وجد التوقيت المناسب، بينما لا يستطيع السلطان الضعيف أن يواجهه إلا إذا امتلك شبكة قوة مستقلة. ومن هنا بدأ الناصر محمد يفهم أن المشكلة ليست في وجود الأمراء بحد ذاته، لأنهم جزء أساسي من الدولة والجيش، وإنما في أن يصبح أحدهم قادرًا على احتكار القوة.
من السلطان المحاصر إلى السلطان الذي يحاصر
بعد عودته إلى الحكم للمرة الثالثة، بدأ الناصر محمد يتعامل مع المشكلة بطريقة مختلفة. لم يعد يريد أن يكون مجرد سلطان بين أمراء أقوياء، بل أراد أن يجعل الجميع بحاجة إليه. ولم يكن ذلك ممكنًا بالقوة العسكرية وحدها، وإنما من خلال السيطرة على أدوات توزيع القوة نفسها: المناصب، والإقطاعات، والامتيازات، والمال، والقيادات العسكرية، وتكوين شبكة مماليك خاصة به.
وهنا يظهر التحول الحقيقي في حكمه. فقد أدرك أن الأمير القوي لا يصبح خطرًا فقط بسبب عدد رجاله، بل بسبب قدرته على بناء شبكة مستقلة عن السلطان. ولذلك بدأ الناصر محمد في بناء شبكته الخاصة من المماليك، وتوسيع نفوذه داخل المؤسسة العسكرية، وإعادة ترتيب المناصب بحيث لا يستطيع أمير واحد أن يجمع من القوة ما يسمح له بتحدي السلطان بسهولة. لم يكن هدفه القضاء على الأمراء، لأن الدولة نفسها تحتاج إليهم، بل كان هدفه منعهم من التحول إلى مراكز سلطة مستقلة عن العرش.
وبذلك انتقل النظام من وضع كان فيه السلطان مضطرًا إلى التفاوض مع مراكز القوة من موقع الضعف، إلى وضع أصبح فيه السلطان هو الذي يحدد إلى حد كبير موازين القوة بين هذه المراكز. الأمير ما يزال قويًا، لكنه يعرف أن منصبه وإقطاعه ومكانته مرتبطة بالسلطان، وأن منافسه يمكن أن يحصل على موقع أفضل إذا فقد دعمه. وهكذا أصبحت المنافسة بين الأمراء نفسها أداة يستخدمها السلطان للحفاظ على سلطته.
كيف يحكم السلطان مجموعة من الرجال الأقوياء؟
كان السر في أن الناصر محمد لم يحاول تحويل الدولة إلى نظام مركزي حديث، ولم يستطع أصلًا أن يفعل ذلك؛ فقد ظلت القوة موزعة داخل المؤسسة العسكرية، وظل الأمراء ضرورة للجيش والإدارة. لكنه جعل هذه القوة موزعة بطريقة تمنع ظهور مركز منافس واحد. فإذا كان أمير قويًا، كان هناك أمراء آخرون يستطيعون موازنته، وإذا ارتفع أمير أكثر من اللازم، أمكن تقليص نفوذه، وإذا ظهرت مجموعة جديدة، أمكن إدخالها في شبكة السلطان.
وهنا تصبح سياسة الناصر محمد أقرب إلى إدارة شبكة من مراكز القوة منها إلى إلغاء هذه المراكز. فقد كان يعرف أن القوة لا يمكن إزالتها، لكن يمكن تنظيمها. وهذا يفسر جانبًا من طول فترة حكمه في مرحلته الأخيرة؛ إذ لم يكن استقراره نتيجة غياب الصراع، وإنما نتيجة قدرته على منع الصراع من الوصول إلى نقطة تهدد العرش.
المال والإقطاع جزء من السلطة
لكن السيطرة على الأمراء لم تكن عسكرية فقط. فالاقتصاد كان جزءًا أساسيًا من اللعبة السياسية، لأن الإقطاع هو الذي يمنح الأمير موارده، والموارد تسمح له بتمويل مماليكه وإعالتهم وتسليحهم والحفاظ على شبكته. وبالتالي فإن توزيع الإقطاعات كان في جانب منه توزيعًا للنفوذ العسكري نفسه.
كان السلطان الذي يستطيع التحكم في توزيع الموارد قادرًا على التأثير في موازين القوة. ومن هنا لم يكن الإقطاع مجرد نظام اقتصادي لإدارة الأرض، بل كان إحدى الأدوات التي تُبنى بها السلطة السياسية. وكلما أصبح الأمير أكثر اعتمادًا على السلطان في الحصول على موارده، أصبح من الأصعب عليه أن يتحول إلى قوة مستقلة.
وهذه النقطة مهمة لأن القوة المملوكية لم تكن قائمة على السيف وحده. الأمير يحتاج إلى المال حتى يملك المماليك، ويحتاج إلى المماليك حتى يملك القوة، ويحتاج إلى القوة حتى يحافظ على موقعه السياسي. ولذلك فإن من يسيطر على تدفق الموارد يستطيع التأثير في السلسلة كلها.
الناصر محمد وبناء مركز السلطة
بهذه الطريقة استطاع الناصر محمد أن يجعل السلطان مركز التوازن بين الأمراء بدل أن يكون مجرد واجهة تتنافس المجموعات العسكرية على السيطرة من خلالها. أصبح الأمير يعرف أن الوصول إلى السلطان أهم من مواجهته، وأن الحصول على رضاه قد يكون أكثر فائدة من الدخول في صراع مباشر معه، وأن المنافسة بين الأمراء يمكن أن تعمل لصالح السلطان بدل أن تعمل ضده.
وهذا هو الإنجاز السياسي الأهم للناصر محمد. فقد لم يكن مجرد سلطان طويل الحكم، بل كان قادرًا على تغيير العلاقة بين قمة الدولة والنخبة العسكرية. لقد جعل الأمراء يتنافسون تحت سقف سلطته بدل أن يتنافسوا على السيطرة على السلطنة نفسها.
لكن هنا تحديدًا تظهر المفارقة التي ستتضح بعد وفاته: إذا كان السلطان هو الذي يمسك بالخيوط كلها، فماذا يحدث عندما يموت؟
وفاة السلطان وعودة المشكلة القديمة
في سنة 741هـ/1341م توفي الناصر محمد بعد حكم طويل، ولم تكن المشكلة في غياب وريث للعرش. كان له أبناء، وكانت الأسرة القلاوونية ما تزال تملك وزنًا سياسيًا، وكانت السلطنة قائمة، وكانت مؤسسات الدولة تعمل. لكن الشيء الذي لم ينتقل تلقائيًا إلى أبنائه كان أهم من كل ذلك: القدرة على فرض التوازن بين الأمراء.
وهنا ظهرت إحدى أهم مشكلات النظام المملوكي. ففي الملكيات الوراثية التقليدية يكفي أن يكون الحاكم ابنًا للملك كي يحصل على قدر كبير من الشرعية السياسية الموروثة، أما في الدولة المملوكية فالنسب وحده لا يكفي. السلطان يحتاج إلى الجيش والأمراء والمال والهيبة والقدرة على توزيع المناصب والإقطاعات، والأهم من ذلك يحتاج إلى رجال يدينون له بالولاء الشخصي. وهذه الأشياء لا يرثها الابن تلقائيًا بمجرد جلوسه على العرش.
تولى أبناء الناصر محمد السلطنة بعده، لكنهم لم يمتلكوا القوة التي امتلكها أبوهم، ولذلك عاد الأمراء تدريجيًا إلى الواجهة. لم يعد السلطان هو الذي يدير المنافسة بينهم، بل أصبحوا هم الذين يديرون السلطنة من خلال السلطان.
وراثة العرش ليست وراثة القوة
هذه هي النقطة التي تكشف حدود المحاولة القلاوونية في تحويل السلطنة إلى حكم وراثي. كان الناصر محمد قد جعل أبناءه قريبين من مركز السلطة، وكان من الطبيعي أن تبدو الأسرة القلاوونية وكأنها تتجه نحو بناء سلالة مستقرة. لكن التجربة أثبتت أن انتقال العرش من الأب إلى الابن لا يعني انتقال القوة معه.
فالابن يستطيع أن يرث اسم أبيه، ومكانته، وربما عرشه، لكنه لا يرث بالضرورة شبكة المماليك التي بناها الأب، ولا علاقاته مع الأمراء، ولا هيبته العسكرية، ولا خبرته في إدارة الصراعات. وهكذا ظهر الفرق بين وراثة السلطنة ووراثة شبكة القوة. الأولى ممكنة، والثانية أكثر تعقيدًا.
ولهذا لم تستطع الأسرة القلاوونية أن تتحول إلى أسرة ملكية بالمعنى التقليدي. كان ابن السلطان يستطيع أن يصبح سلطانًا، لكن الأمراء يستطيعون عزله إذا لم يملك القوة التي تمنحه القدرة على حماية موقعه. وبقيت السلطنة مرتبطة بموازين القوة داخل الطبقة العسكرية أكثر من ارتباطها بالنسب وحده.
عودة السلطان إلى وظيفته القديمة
بعد وفاة الناصر محمد عاد العرش تدريجيًا إلى وظيفته القديمة: أداة تستخدمها النخبة العسكرية لحسم صراعاتها الداخلية. إذا كان السلطان قويًا، احتاج الأمراء إلى التفاهم معه، وإذا كان ضعيفًا أصبح العرش أداة في أيديهم. فإذا اختلف أمير مع أمير آخر، يمكن لكل منهما أن يبحث عن سلطان يؤيده، وإذا أصبح أحد الأمراء أقوى من اللازم، يبحث خصومه عن سلطان آخر يمكن استخدامه لموازنته.
ولهذا قد يبدو تعاقب السلاطين في هذه المرحلة وكأنه عبث سياسي: سلطان يأتي ثم يعزل، وآخر يأتي ثم يُستبدل، وقد يعود شخص إلى السلطة بعد أن أُبعد عنها. لكن الصورة تصبح أكثر وضوحًا عندما نفهم أن الصراع لم يكن دائمًا حول من يحكم الدولة مباشرة، بل حول من يسيطر على الشخص الذي يجلس على العرش.
وهنا تظهر ظاهرة «السلطة خلف العرش». فقد يكون السلطان موجودًا في القلعة ويحمل كل الرموز الرسمية للسلطة، بينما يكون الأمير الأقوى هو الذي يعين الوزراء والقادة، ويؤثر في توزيع الإقطاعات، ويحرك الجيش، ويحدد الاتجاه السياسي للدولة. وهكذا يصبح الفرق بين السلطة الرسمية والسلطة الفعلية واضحًا جدًا.
لماذا احتاج الأمراء إلى سلطان ضعيف؟
قد يبدو السؤال منطقيًا: إذا كان الأمير قادرًا على التحكم بالدولة، فلماذا لا يصبح سلطانًا بنفسه؟ لأن السلطنة تحمل قيمة سياسية ورمزية لا يستطيع الأمير تجاهلها. هناك البيعة، والخطبة، والعملة، والمراسيم، ومكانة السلطان الدينية والسياسية، وهي كلها تمنح الحاكم صيغة شرعية لا يوفرها مجرد كون الشخص أميرًا قويًا.
ولهذا قد يكون السلطان الضعيف مفيدًا للأمير الأقوى؛ فهو يسمح له بممارسة قدر كبير من السلطة من خلف العرش، دون أن يضطر إلى تحمل كل أعباء الحكم أو مواجهة كل الأطراف بصورة مباشرة. لكن هذه الصيغة تحمل مشكلة أخرى: كل أمير يريد أن يكون هو الأقرب إلى السلطان، وكل أمير يخشى أن يحتكر منافسه هذه العلاقة. وهكذا لا ينتهي الصراع، بل ينتقل من سؤال من يحكم؟ إلى سؤال من يسيطر على الحاكم؟
دولة لا تستطيع التخلص من نخبتها
كان هذا الصراع صعبًا لأن السلطان لا يستطيع ببساطة إلغاء طبقة الأمراء. فالأمراء هم جزء من المؤسسة العسكرية التي تقوم عليها الدولة، ولديهم المماليك والخبرة والموارد والعلاقات. يستطيع السلطان إبعاد أمير، ومصادرة إقطاعه، وتغيير منصبه، وربما التخلص منه في بعض الحالات، لكنه لا يستطيع إلغاء البنية التي تنتج الأمراء من الأساس.
ولهذا كان الصراع أشبه بمحاولة مستمرة لضبط النخبة لا القضاء عليها. السلطان يحتاج إلى الأمراء، والأمراء يحتاجون إلى السلطان، وكل طرف يعرف أن الطرف الآخر لا يستطيع الاستغناء عنه بالكامل. ومن هذه العلاقة المتناقضة نشأ قدر كبير من الاستقرار في فترات، ومن الصراع في فترات أخرى.
عندما تضيق الموارد يصبح الصراع أخطر
كانت هذه المعادلة السياسية مرتبطة بالاقتصاد أيضًا. ففي الظروف التي تكون فيها الموارد واسعة، يستطيع السلطان توزيع المناصب والإقطاعات والمكافآت على عدد أكبر من الأمراء، فيصبح من الأسهل شراء الولاءات والحفاظ على التوازن. لكن عندما تتراجع الموارد، يصبح توزيعها أكثر صعوبة، ويبدأ كل أمير في الدفاع عن نصيبه بقوة أكبر.
وهنا تدخل الأزمات الاقتصادية والديموغرافية في قلب السياسة. فقد شهد القرن الرابع عشر موجات من الطاعون أثرت بشدة في مصر والشام، وأدت إلى انخفاض السكان واضطراب الإنتاج الزراعي وتغير قيمة الأراضي وتراجع بعض الموارد. ولم تكن آثار ذلك مجرد خسارة بشرية هائلة، بل كان لها أثر مباشر في النظام الذي يمول الجيش والنخبة الحاكمة.
فإذا انخفض عدد الفلاحين، لا يعني ذلك فقط أن عدد السكان أصبح أقل، بل قد تنخفض القدرة الإنتاجية للأرض أيضًا. وإذا تراجع الإنتاج، تتراجع الإيرادات، وإذا تراجعت الإيرادات يصبح تمويل الجيش والأمراء أكثر صعوبة. والأمير الذي يفقد جزءًا من موارده لا يفقد المال فقط؛ بل قد يفقد قدرته على شراء مماليك جدد، وإعالتهم وتسليحهم، والحفاظ على شبكة الولاء التي تمنحه قوته السياسية.
وهكذا يمكن أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة عسكرية، ثم إلى أزمة سياسية. فالمسألة تبدأ من الأرض والإنتاج، لكنها قد تنتهي في القلعة عند العرش.
الدولة مستقرة رغم اضطراب السلطنة
ومع ذلك، سيكون من الخطأ وصف هذه المرحلة بأنها مرحلة انهيار الدولة. فقد بقيت القاهرة مركزًا سياسيًا واقتصاديًا ضخمًا، واستمر الشام جزءًا أساسيًا من الدولة، وبقي الجيش قائمًا، واستمرت التجارة والإدارة والقضاء والمؤسسات الدينية. كان السلطان يتغير، لكن الدولة لا تتغير معه بالدرجة نفسها.
وهذه من أهم خصائص التجربة المملوكية: الاستقرار المؤسسي كان أكبر من الاستقرار في قمة السلطة. قد يسقط السلطان في القلعة، لكن القاضي يستمر في عمله، والديوان يستمر، والأسواق تستمر، والأوقاف والمدارس تستمر، والتجار يواصلون نشاطهم، والجيش يبقى قائمًا. ولذلك لم يكن تغيير السلطان يعني تلقائيًا انهيار الدولة.
وهذا يفسر في جانب منه طول عمر السلطنة المملوكية. فقد استطاعت الدولة أن تفصل نسبيًا بين استمرار الدولة واستمرار الحاكم. وهذه كانت نقطة قوة حقيقية، لكنها في الوقت نفسه أصبحت مصدر مشكلة عندما تحولت عملية تغيير السلطان إلى وسيلة متكررة لحل الخلافات بين الأمراء.
السلطان الصغير والوصي القوي
أصبح وجود السلاطين الصغار أحد الأشكال الواضحة لهذه المشكلة. فالطفل لا يستطيع إدارة شبكة معقدة من الأمراء، ولذلك يظهر أمير وصي أو مجموعة من الأمراء يديرون الدولة باسمه. لكن الوصي الذي يبدأ باعتباره حاميًا للسلطان قد يصبح أقوى رجل في الدولة، وعندما تزداد قوته يبدأ الأمراء الآخرون في الخوف منه.
وهكذا تتحول الحماية إلى منافسة. أمير يقول إنه يحمي السلطان من خصومه، وخصمه يقول إنه يحمي السلطان من الأمير الأول، بينما السلطان نفسه قد لا يملك القدرة على الاختيار بينهما. فيصبح الطفل الموجود على العرش مركزًا لصراع الكبار، وتصبح السيطرة عليه وسيلة للسيطرة على الدولة.
لكن هذا لا يعني أن السلاطين كانوا دائمًا بلا شخصية؛ فبعضهم عندما يكبر يحاول استعادة سلطته، وقد ينجح في ذلك إذا استطاع بناء قوة خاصة به. وهنا يعود الدرس الذي تركه الناصر محمد: لا يكفي أن تكون سلطانًا؛ يجب أن تمتلك رجالًا.
ما صنعه الناصر محمد ولم يستطع أبناؤه وراثته
كان الناصر محمد قد فهم هذه القاعدة بوضوح. لقد بنى شبكته الخاصة من المماليك، وقربهم، وأدخلهم في منظومة الحكم، واستخدمهم لتقليص اعتماد السلطان على الأمراء الذين سبقوه. أما أبناؤه فوجدوا أنفسهم أمام شبكة من الرجال صنعها الأب، وأمام أمراء لهم مصالحهم وشبكاتهم الخاصة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في تجربته: نجح الناصر محمد في بناء مركز سلطة قوي إلى درجة أن الأمراء لم يستطيعوا منافسته بسهولة، لكنه لم يستطع بناء آلية تضمن أن ينتقل هذا المركز من شخصه إلى وريثه بصورة مستقرة.
كان نجاحه شخصيًا إلى حد كبير. وعندما اختفى الشخص الذي كان يدير التوازن، ظهرت هشاشة البنية التي تحته.
هل كان الناصر محمد استثناءً؟
نعم، من حيث قدرته على كسر الحلقة، لكنه لم يلغِ الحلقة نفسها. فقد استطاع خلال حكمه الطويل أن يمنع الأمراء من تحويل السلطنة إلى أداة بأيديهم، لكنه لم يستطع أن يجعل هذا الوضع قاعدة مؤسسية تستمر تلقائيًا بعد وفاته.
وهذا يعني أن المشكلة كانت أعمق من شخصية سلطان واحد. الناصر محمد استطاع أن يسيطر على النظام، لكنه لم يغير طبيعته الأساسية. بقيت الدولة المملوكية دولة تقوم على طبقة عسكرية قوية، وبقي الأمراء أساسًا للجيش والإدارة، وبقي السلطان بحاجة إلى بناء قوته الخاصة حتى يستطيع السيطرة عليهم.
ولذلك فإن عودة الأمراء بعد وفاته لم تكن انقلابًا مفاجئًا على إنجازاته، بقدر ما كانت عودة للبنية الأصلية عندما غاب الشخص الذي كان يضبطها.
من التوازن إلى الصراع
في عهد الناصر محمد كان تعدد الأمراء وسيلة يستطيع السلطان استخدامها لصناعة التوازن؛ أما بعد وفاته أصبح تعددهم نفسه مصدرًا للصراع. كل أمير لديه مماليك ومال وعلاقات وإقطاع ومكانة، ولذلك فإن إبعاده لا يعني بالضرورة اختفاء قوته. يستطيع أن ينتظر، أو أن يتحالف مع غيره، أو أن يبحث عن سلطان بديل.
ومع مرور الوقت أصبحت السلطنة أكثر اعتمادًا على التوازنات بين الأمراء، ثم بدأت تظهر تحولات جديدة داخل الطبقة المملوكية نفسها. ومع صعود المماليك البرجية لاحقًا وظهور سلاطين مثل برقوق، دخل النظام مرحلة مختلفة؛ لم يعد السؤال فقط كيف يحافظ السلطان على توازن الأمراء، بل كيف يعيد بناء مركز السلطة في بيئة أصبحت فيها القوى الداخلية أكثر تعقيدًا، بينما بدأ العالم الخارجي نفسه يتغير.
الناصر محمد وحدود النظام المملوكي
تكشف تجربة الناصر محمد في النهاية شيئًا أعمق من قصة سلطان قوي استطاع هزيمة الأمراء. إنها تكشف حدود النظام السياسي المملوكي كله. فقد كان النظام قادرًا على إنتاج سلطان قوي يستطيع السيطرة على النخبة العسكرية، لكنه لم يكن قادرًا دائمًا على تحويل قوة السلطان الشخصية إلى مؤسسة مستقرة تنتقل منه إلى من بعده.
وهنا تكمن المفارقة: الدولة المملوكية كانت أقوى من سلاطينها، لكنها أضعف من أن تضمن انتقالًا مستقرًا للسلطة بينهم. استطاعت أن تبقى دولة رغم عزل السلاطين، واستطاعت مؤسساتها أن تمتص الصدمات السياسية، لكن كثرة الصراعات على العرش كانت تستنزف الموارد والهيبة وتمنع بناء انتقال هادئ ومنظم للسلطة.
ولذلك فإن مرحلة ما بعد الناصر محمد لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد فترة فوضى أعقبت عصرًا ذهبيًا، بل باعتبارها اختبارًا للنظام الذي بناه. لقد نجح الرجل في السيطرة على الأمراء، لكن موته طرح السؤال الذي لم يستطع النظام الإجابة عنه: ماذا يحدث عندما تختفي الشخصية التي كانت تمسك بالخيوط كلها؟
والجواب كان واضحًا؛ عاد الأمراء إلى الواجهة، وعاد السلطان في كثير من الأحيان إلى وظيفته القديمة باعتباره مركزًا تتصارع حوله القوى، وبدأت الدولة تدخل تدريجيًا في مرحلة جديدة من تاريخها. ولم تكن هذه المرحلة تعني سقوط الدولة، لكنها كشفت أن التوازن الذي صنعه الناصر محمد كان يعتمد على رجل أكثر مما يعتمد على قاعدة سياسية قابلة للتوريث.
ومن هنا يبدأ فصل جديد في تاريخ المماليك: المماليك البرجية، وصعود برقوق، ومحاولة إعادة بناء مركز السلطان في نظام أصبحت فيه المنافسة بين الأمراء أكثر تعقيدًا، وفي عالم خارجي بدأ يتغير بسرعة أكبر مما اعتادت عليه الدولة المملوكية.