عندما تنقلب الحملة على أصحابها: أغرب نهايات الغزوات في التاريخ

التاريخ العسكري مليء بالحملات التي فشلت لأن الجيش كان أضعف من خصمه، أو لأن القائد ارتكب خطأً واضحًا. لكن بعض الهزائم أكثر غرابة من ذلك بكثير؛ فهناك حملات بدأت بأهداف محددة، ثم تغير مسارها بطريقة لم يكن أحد يتوقعها، وتحولت أحيانًا إلى نقيض الهدف الذي خرجت من أجله. جيش جاء لمعاقبة ملك فوجده مقتولًا، فتحالف مع الرجل الذي سيطرده لاحقًا. وقائد هزم إمبراطوريات كاملة ثم كاد يفقد جيشه في الصحراء. وإمبراطور أرسل أسطولًا ضخمًا لغزو جزيرة، فكانت العواصف أكثر فتكًا به من جيشها. وفي بعض الحالات، لم يكن العدو هو الذي أفشل الحملة أصلًا، بل الجغرافيا أو سوء التقدير أو سلسلة من القرارات التي جعلت النجاح الأول مقدمة للفشل.

المغول في جاوة: 

ذهبوا لمحاربة ملك فأعادوا العرش

في أواخر القرن الثالث عشر، كانت إمبراطورية المغول في عهد قوبلاي خان قد أصبحت قوة هائلة تمتد من الصين إلى أجزاء واسعة من آسيا. وعندما رفض ملك مملكة سنغاساري في جاوة، كيرتانيغارا، الخضوع للمغول وأهان مبعوثيهم، قرر قوبلاي خان إرسال حملة عسكرية إلى الجزيرة سنة 1292. كان الهدف واضحًا: إجبار الملك على الخضوع ومعاقبته على تحديه للسلطة المغولية.

لكن عندما وصلت القوات المغولية إلى جاوة، كانت المشكلة التي جاءت لمعالجتها قد تغيرت بالكامل. فقد كان كيرتانيغارا قد قُتل بالفعل في تمرد داخلي، وسيطر جايَاكاتوانغ على السلطة. وبذلك وجد المغول أنفسهم في بلد لم يعد فيه الملك الذي جاءوا لمعاقبته موجودًا أصلًا، بينما كانت السلطة تتنازعها قوى محلية مختلفة.

هنا دخل إلى المشهد رادن ويجايا، وهو من أفراد الأسرة الحاكمة وصهر الملك المقتول. أدرك ويجايا أن وصول المغول يمكن أن يكون فرصة لاستعادة السلطة، فقدم نفسه حليفًا لهم، واتفق معهم على التعاون ضد جايَاكاتوانغ. وهكذا تحول جيش الغزو، بصورة شبه عبثية، من قوة جاءت لمعاقبة ملك جاوي إلى قوة تساعد أحد أقربائه على استعادة الحكم.

نجحت الخطة. ساعد المغول ويجايا في القضاء على جايَاكاتوانغ، وأصبح الطريق مفتوحًا أمام حليفهم الجديد. لكن المفارقة الحقيقية بدأت بعد انتهاء الحرب؛ إذ لم يكن ويجايا يريد أن يحكم جاوة تحت الوصاية المغولية. عاد إلى عاصمته، وجمع قواته، ثم انقلب على حلفائه المغول وشن عليهم هجومًا مفاجئًا. وجد الجيش المغولي نفسه يقاتل الرجل الذي ساعده قبل فترة قصيرة على الوصول إلى السلطة، واضطر في النهاية إلى الانسحاب من الجزيرة.

وهكذا كانت الحملة واحدة من أغرب الانقلابات في التاريخ العسكري: جاء المغول لمعاقبة ملك، فوجدوه قد مات؛ وتحالفوا مع صهره، وساعدوه على استعادة الحكم؛ ثم اكتشفوا أن الحليف الذي صنعوه بأنفسهم هو الذي سيطردهم من البلاد.

نادر شاه في داغستان: 

عندما عجز الجيش الذي لا يُقهر أمام الجبال

كان نادر شاه من أبرز القادة العسكريين في القرن الثامن عشر، وقد صنع خلال سنوات قليلة إمبراطورية واسعة بفضل جيش شديد الحركة والكفاءة. انتصر على خصوم كبار، واجتاح الهند، ودخل دلهي منتصرًا، وأصبح اسمه مرتبطًا بالقوة العسكرية التي يصعب إيقافها. لكن حملاته في داغستان أظهرت أن التفوق العسكري له حدود، خصوصًا عندما ينتقل الجيش إلى بيئة لا تناسب أسلوبه القتالي.

كانت داغستان مختلفة تمامًا عن ساحات القتال التي اعتادها نادر. جبال شديدة الوعورة، طرق ضيقة، مسافات طويلة، وقوى محلية تعرف الأرض بصورة أفضل من الجيش الغازي. لم يكن بالإمكان حسم الحرب بسهولة بمعركة واحدة، وبدأ المقاتلون المحليون يستفيدون من طبيعة المنطقة لاستنزاف القوات الفارسية وقطع طرق الإمداد ومهاجمة الوحدات المعزولة.

ومع استمرار الحملة، تحول التفوق العددي والعسكري إلى عبء. فكلما تقدم الجيش داخل الجبال ازدادت صعوبة إطعامه وتحريك الخيول والمحافظة على الاتصال بين وحداته. وتكبدت القوات خسائر هائلة، وأصبحت الحملة استنزافًا طويلًا بدل أن تكون انتصارًا سريعًا.

لم تكن هذه الحملة هي التي أسقطت نادر شاه مباشرة، لكنه خرج منها وقد تعرضت هيبته لضربة قاسية. فالقائد الذي بدا قادرًا على إخضاع دول كبيرة اكتشف أن إخضاع منطقة جبلية صغيرة نسبيًا قد يكون أكثر صعوبة من هزيمة جيش منظم في سهل مفتوح.

ألكسندر الأكبر في جدروسيا: 

حين يصبح الطريق أخطر من العدو

بعد سنوات من الفتوحات التي أوصلته إلى الهند، بدأ ألكسندر الأكبر رحلة العودة غربًا. كان جيشه قد خاض معارك لا حصر لها ضد الفرس والهنود، لكنه واجه في طريق العودة خصمًا لا يمكن هزيمته بالسيف: صحراء جدروسيا، في المنطقة الواقعة اليوم بين جنوب إيران وباكستان.

اختار ألكسندر عبور الصحراء رغم معرفته بصعوبة الطريق، بينما تحرك جزء من قواته البحرية بالتوازي مع الساحل. وكانت الفكرة أن يظل هناك نوع من الاتصال بين القوات البرية والأسطول، لكن الظروف أثبتت أن الحسابات على الخرائط شيء، والواقع الصحراوي شيء آخر.

كانت الحرارة قاسية، والمياه نادرة، والإمدادات محدودة، وأصبحت المسيرة معركة بقاء. مات جنود وحيوانات وأفراد من القافلة أثناء الطريق، واضطر الجيش إلى تحمل ظروف لم يواجه مثلها في حملاته السابقة. لم يكن هناك جيش عدو ينتظرهم، ولا حصن يحتاج إلى اقتحام؛ كان مجرد الوصول إلى الماء انتصارًا بحد ذاته.

وكانت المفارقة القاسية أن ألكسندر، الذي تمكن من إسقاط الإمبراطورية الفارسية وخوض حملات هائلة في آسيا، تعرض جيشه لخسائر شديدة خلال رحلة العودة بسبب البيئة نفسها. لقد كان قادرًا على هزيمة الجيوش، لكنه لم يكن قادرًا على إصدار أمر للصحراء بأن تتوقف عن قتله.

المغول في اليابان: 

عندما اصطدمت الإمبراطورية البرية بالبحر

بعد توحيد الصين تقريبًا، نظر قوبلاي خان إلى اليابان باعتبارها واحدة من المناطق التي يمكن إخضاعها لنفوذ المغول. أرسل حملتين كبيرتين لغزو الأرخبيل، الأولى عام 1274 والثانية عام 1281. وفي كل مرة كانت الإمبراطورية المغولية تمتلك قوة هائلة، لكن المشكلة أن اليابان لم تكن هدفًا بريًا يمكن اجتياحه بالطريقة التي اجتاح بها المغول سهول آسيا.

واجهت القوات الغازية مقاومة يابانية، لكن العامل الأكثر شهرة في فشل الحملتين كان البحر. فقد تعرض الأسطول المغولي في المرتين لعواصف شديدة، وكانت العاصفة التي ضربت الحملة الثانية مدمرة بصورة خاصة، وأسهمت في تدمير عدد كبير من السفن وإغراق أعداد ضخمة من الجنود.

لاحقًا أصبحت هذه العاصفة جزءًا من الذاكرة اليابانية باعتبارها "الكاميكازي"، أي الريح الإلهية التي أنقذت اليابان من الغزو. وهنا تكمن المفارقة: إمبراطورية نجحت في بناء أكبر قوة برية في عصرها وجدت نفسها عاجزة عن تحويل ذلك التفوق إلى نصر عندما أصبح البحر هو ساحة المعركة.

نابليون في مصر: 

انتصر على الأرض وخسر الطريق إلى فرنسا

عندما نزل نابليون بونابرت في مصر عام 1798، كان الهدف يتجاوز احتلال مصر نفسها. كانت فرنسا تريد ضرب المصالح البريطانية في الشرق وتهديد الطريق الذي يربط بريطانيا بالهند. وبدأت الحملة بصورة مبهرة؛ فقد هزم نابليون قوات المماليك في معركة الأهرام، وسيطر الفرنسيون على القاهرة، وبدا أن المشروع يسير في اتجاه النجاح.

لكن هناك عنصرًا واحدًا لم يستطع نابليون السيطرة عليه: البحر.

في أغسطس 1798، دمر الأسطول البريطاني بقيادة هوراشيو نلسون الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية. وبذلك أصبح الجيش الفرنسي في مصر معزولًا بدرجة كبيرة عن فرنسا. لقد نجح نابليون في عبور البحر والوصول إلى مصر، لكنه فقد الوسيلة التي كان يحتاج إليها للحفاظ على حملته.

استمر القتال الفرنسي في مصر فترة أخرى، لكن الحملة بدأت تفقد أهدافها الأصلية. وفي النهاية غادر نابليون مصر سرًا وعاد إلى فرنسا، تاركًا قواته هناك، وانتهى الأمر بانسحاب الفرنسيين من مصر عام 1801.

المفارقة أن الحملة التي كان يفترض أن تستخدم مصر لضرب بريطانيا ومصالحها أصبحت في النهاية جيشًا فرنسيًا عالقًا في مصر بعد أن قطعت البحرية البريطانية طريقه إلى الوطن.

الأرمادا الإسبانية ثم الإنجليزية: 

عندما فشل الغزو، وفشل الرد على الفشل

في عام 1588 أرسلت إسبانيا أسطولها الشهير، الأرمادا الإسبانية، لمساعدة خطة غزو إنجلترا. كانت إسبانيا آنذاك واحدة من أقوى القوى في أوروبا، بينما كانت إنجلترا دولة بحرية صاعدة لم تختبر بعد قدرتها على مواجهة القوة الإسبانية مباشرة.

لكن الخطة فشلت. واجه الأسطول الإسباني مقاومة إنجليزية ومشكلات في التنسيق والإمداد، ثم جاءت الرياح والعواصف لتزيد الكارثة. واضطر الأسطول إلى العودة حول الجزر البريطانية، وتعرض لخسائر كبيرة.

كان من الممكن أن تنتهي القصة هنا باعتبارها هزيمة إسبانية شهيرة، لكن المفارقة أن الإنجليز قرروا استغلال انتصارهم بسرعة. ففي العام التالي أطلقت إنجلترا ما عرف باسم الأرمادا الإنجليزية بقيادة فرانسيس دريك وجون نوريس، بهدف ضرب القوة الإسبانية ودعم التمرد في البرتغال.

لكن الإنجليز اكتشفوا أن هزيمة أسطول لا تعني أن غزو شبه الجزيرة الإيبيرية أصبح سهلًا. فشلت الحملة في تحقيق أهدافها الأساسية، وتكبدت خسائر هائلة بسبب القتال والمرض وسوء الإمداد، واضطرت إلى العودة دون النصر الذي كانت تنتظره.

وهنا تصبح القصة أكثر غرابة من مجرد "إسبانيا خسرت أمام إنجلترا": إسبانيا أرسلت أرمادا لغزو إنجلترا وفشلت، ثم أرسلت إنجلترا أرمادا لاستغلال الهزيمة الإسبانية، فانتهت بالفشل هي الأخرى.

البريطانيون في أفغانستان: 

إمبراطورية تنسحب من الجبال

في القرن التاسع عشر كانت بريطانيا في ذروة قوتها الإمبراطورية، وكانت أفغانستان تمثل نقطة حساسة في الصراع بينها وبين روسيا على النفوذ في آسيا الوسطى. دخل البريطانيون أفغانستان خلال الحرب الأنغلو-أفغانية الأولى، وتمكنوا من احتلال كابل وتنصيب حاكم موالٍ لهم.

لكن السيطرة على العاصمة لم تكن تعني السيطرة على البلاد. تصاعدت المقاومة، وأصبح الوجود البريطاني في كابل مكلفًا وخطيرًا، حتى اضطر الجيش إلى الانسحاب في شتاء 1842.

كانت عملية الانسحاب نفسها كارثة. خرج آلاف الجنود والمدنيين في طريق طويل نحو جلال آباد وسط الثلوج والبرد والهجمات المتكررة. تعرضت القوة للاستنزاف، وقُتل معظم أفرادها أو ماتوا من البرد والجوع والإرهاق، ولم يصل إلى جلال آباد من القوة المنسحبة سوى عدد ضئيل جدًا.

أصبحت صورة الطبيب ويليام بريدون وهو يصل إلى جلال آباد من أشهر صور الحملة، حتى ترسخت في الذاكرة البريطانية باعتبارها رمزًا لانهيار جيش كامل تقريبًا.

المفارقة هنا أن بريطانيا لم تكن قد خسرت إمبراطوريتها، ولم تكن أفغانستان دولة صناعية تنافسها في القوة؛ لكنها اكتشفت أن امتلاك أقوى جيش وإمبراطورية واسعة لا يعني القدرة على إخضاع بلد جبلي بعيد لا يريد الخضوع.

إيساندلوانا: 

جيش حديث يهزم في المكان الذي ظن أنه لا يمكن أن يهزم فيه

في حرب بريطانيا مع مملكة الزولو عام 1879، دخل البريطانيون جنوب أفريقيا بثقة كبيرة في تفوقهم العسكري. كانوا يمتلكون الأسلحة الحديثة والتنظيم العسكري والخبرة الإمبراطورية، بينما كان الزولو يعتمدون بدرجة كبيرة على قوات المشاة والأسلحة التقليدية.

لكن في معركة إيساندلوانا وقع خطأ كارثي في تقدير الموقف. تمركزت قوة بريطانية كبيرة في معسكر مكشوف نسبيًا، ولم تُتخذ الإجراءات الدفاعية التي كان يمكن أن تجعل موقعها أكثر قدرة على الصمود. استغل الزولو الفرصة وهاجموا بقوة كبيرة، وانتهت المعركة بهزيمة بريطانية ساحقة ومقتل عدد كبير من الجنود.

والأغرب أن هذه الهزيمة وقعت في الحرب نفسها التي أصبحت فيها بريطانيا رمزًا للقوة الإمبراطورية. وبعد وقت قصير فقط، تمكنت حامية بريطانية صغيرة في رورك دريفت من صد هجوم زولو آخر، لتظهر صورتان متناقضتان تمامًا: قوة بريطانية كبيرة تنهار أمام الزولو، وقوة صغيرة تصمد أمامهم في موقع آخر.

وهكذا لم تكن إيساندلوانا مجرد معركة خاسرة، بل درسًا في أن التفوق التكنولوجي لا يعوض سوء الانتشار وسوء التقدير والثقة الزائدة.

ما الذي يجمع هذه القصص؟

رغم اختلاف الأزمنة والجيوش، هناك خيط مشترك بينها جميعًا. الحملة العسكرية لا تفشل دائمًا لأن الجيش الأضعف كان أقوى من الجيش الأقوى؛ أحيانًا تفشل لأن القائد اختار المعركة الخطأ، أو الطريق الخطأ، أو الحليف الخطأ، أو لأنه افترض أن النجاح في مكان يعني القدرة على النجاح في مكان آخر.

وفي جاوة، كان أغرب ما في الحملة أن المغول ساعدوا عدوًا محليًا على الوصول إلى السلطة ثم اضطروا إلى محاربته. وفي جدروسيا، لم يكن هناك عدو أصلًا بالمعنى التقليدي، ومع ذلك كانت الصحراء كافية لإهلاك الجيش. وفي اليابان كان البحر أقوى من القوة البرية التي اجتاحت معظم آسيا. وفي مصر انتصر نابليون على الأرض لكنه فقد الاتصال ببلاده. أما في أفغانستان وداغستان وإيساندلوانا، فقد أثبتت الجغرافيا والمقاومة المحلية أن التفوق العسكري لا يساوي بالضرورة القدرة على السيطرة.

وربما تكون هذه هي المفارقة الأكبر في التاريخ العسكري: أن أخطر لحظة في الحملة ليست دائمًا عندما يواجه الجيش عدوًا قويًا، بل عندما يعتقد قائده أن النصر أصبح مضمونًا.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.