بوذا السمين وبوذا النحيل: كيف تحولت صورة الزاهد إلى رمز للامتلاء؟

من جسد يتعذب بالزهد إلى جسد يرمز إلى الاستنارة

إذا طلبت من شخص أن يتخيل تمثالًا لبوذا، فقد تظهر أمامه صورة رجل هادئ، جالس في وضع التأمل، بعينين نصف مغمضتين وملامح ساكنة، وربما بجسد ممتلئ وبطن بارز. لكن هذه الصورة تثير مفارقة غريبة: كيف يمكن لشخص أصبح رمزًا للزهد والتخلي عن الملذات أن يُصوَّر أحيانًا بجسد يبدو بعيدًا تمامًا عن صورة الناسك النحيل؟

المفارقة تصبح أكثر وضوحًا عندما نضع إلى جانب هذه التماثيل صورًا أخرى لسيدارتا غاوتاما بجسد هزيل للغاية، تظهر فيه الأضلاع والعظام، وكأن صاحبه على وشك الموت من الجوع. فأيهما هو بوذا الحقيقي؟ هل كان زاهدًا نحيلًا أم رجلًا ممتلئًا هادئ الملامح؟

الحقيقة أن السؤال نفسه يجمع بين صور وشخصيات ومراحل مختلفة.

سيدارتا الذي اختار الطريق القاسي

قبل أن يصبح سيدارتا غاوتاما «بوذا»، أي «المستنير»، مر بمرحلة طويلة من البحث الروحي. وبعد تخليه عن حياة القصر، انخرط في ممارسات زهد شديدة القسوة، شملت الحرمان الشديد من الطعام وتعذيب الجسد.

وتصوّر بعض الأعمال الفنية الآسيوية هذه المرحلة تحديدًا بجسد شديد النحول. فالأضلاع بارزة، والجلد يبدو ملتصقًا بالعظام، والوجه غائر، والجسد كله يحمل آثار الحرمان.

لكن هذه الصورة ليست صورة بوذا بعد الاستنارة؛ إنها صورة سيدارتا أثناء بحثه عن الطريق.

والأهم أن سيدارتا نفسه انتهى إلى رفض هذا النوع من الزهد. فقد أدرك أن تعذيب الجسد ليس طريقًا ضروريًا إلى التحرر، وأن الانغماس في الملذات من جهة والتجويع والتعذيب من جهة أخرى يمثلان تطرفين ينبغي تجنبهما.

ومن هنا ارتبط تعليمه بفكرة «الطريق الوسط».

لماذا أصبح بوذا ممتلئًا إذن؟

عندما أصبح سيدارتا في الفن البوذي بوذا المستنير، لم يعد المطلوب من الفنان أن يصور جسد رجل يموت من الجوع، بل جسدًا يعكس حالة مختلفة تمامًا: السكينة، والصحة، والكمال، والاكتمال الروحي.

ولهذا تظهر بعض صور بوذا بجسد ممتلئ نسبيًا، لكن الامتلاء هنا لا يعني بالضرورة الترف أو الإفراط في الطعام. إنه جزء من لغة فنية ورمزية تطورت عبر قرون طويلة في المجتمعات البوذية.

فالوجه الهادئ، ووضعية التأمل، وحركة اليدين، والثوب الرهباني، والهالة، وهيئة الجسد كلها عناصر تعمل معًا لتقول للمشاهد إن الشخصية وصلت إلى حالة تتجاوز الصراع والاضطراب.

ولهذا لا ينبغي أن نبحث في تمثال بوذا عن صورة «راهب جائع» بالضرورة. الفن الديني لا يلتزم دائمًا بالتصوير الواقعي للجسد، بل يستخدم الجسد نفسه للتعبير عن معنى روحي.

لكن هناك مشكلة أكبر: بوذا السمين قد لا يكون بوذا أصلًا

هنا تحدث واحدة من أشهر حالات الخلط في الصور الشعبية للبوذية.

الشخصية ذات البطن الضخم والابتسامة الواسعة والوجه المرح التي يعرفها كثير من الناس باسم «بوذا السمين» ليست في الأصل تصويرًا لسيدارتا غاوتاما.

إنها غالبًا شخصية هوتاي، وهي شخصية صينية تاريخية ارتبطت لاحقًا بالتقاليد البوذية، وانتقلت صورتها إلى اليابان وغيرها من مناطق شرق آسيا. أصبح هوتاي في اليابان شخصية محبوبة مرتبطة بالحظ والسعادة والوفرة، وصار أحد «آلهة الحظ السبعة» في الثقافة اليابانية.

وهنا يصبح البطن الكبير والضحكة والهيئة الممتلئة جزءًا من معنى الشخصية نفسه.

فإذا رأيت تمثالًا لرجل أصلع، مبتسم، ضخم البطن، يحمل كيسًا أو يجلس وسط الأطفال، فمن الخطأ تلقائيًا أن تقول: «هذا هو بوذا».

قد يكون هوتاي.

لماذا وقع هذا الخلط؟

لأن الثقافة الشعبية الحديثة جمعت تحت اسم واحد صورًا مختلفة جدًا.

بوذا التاريخي شخصية دينية وفلسفية محددة، بينما تطورت عبر القرون عشرات الصور والهيئات البوذية، وظهرت إلى جانبها شخصيات رهبانية وأساطير شعبية وآلهة محلية وشخصيات صينية ويابانية ارتبطت بالبوذية.

كما أن الفن البوذي نفسه لم يكن موحدًا؛ فتمثال بوذا في الهند القديمة ليس بالضرورة شبيهًا بتمثال بوذا في الصين، ولا بالصور التي ظهرت في اليابان بعد ذلك.

كل مجتمع دخلت إليه البوذية أعاد تفسير صورها بلغة فنية وثقافية تناسبه.

اليابان لا تقدم صورة واحدة لبوذا

في اليابان تحديدًا نجد تنوعًا هائلًا في التماثيل البوذية. هناك بوذا أميدا، وهناك بوذا التاريخي، وهناك تماثيل ضخمة مثل «دايبوتسو»، وهناك صور لشخصيات بوذية أخرى، ولكل منها ملامح ووظيفة دينية وفنية مختلفة.

لذلك فإن القول إن «اليابانيين يصورون بوذا سمينًا» تعميم غير دقيق.

بعض التماثيل تبدو ممتلئة، وبعضها نحيل، وبعضها شديد الجلال والهدوء، وبعضها يحمل ملامح تختلف جذريًا عن الصورة الغربية الشائعة لبوذا.

وحتى عندما يكون الجسد ممتلئًا، فهذا لا يعني أن الفنان أراد الإشارة إلى شخص يأكل كثيرًا. فالفن الديني يستخدم النسب الجسدية بطريقة رمزية، كما تفعل حضارات كثيرة عندما تجعل الآلهة أو الشخصيات المقدسة أكبر أو أجمل أو أكثر امتلاءً من الإنسان العادي.

من الزهد إلى الامتلاء: مفارقة تبدو أكبر مما هي عليه

المفارقة بين بوذا النحيل وبوذا الممتلئ تكشف في الحقيقة شيئًا مهمًا عن تطور الصورة الدينية.

النحافة الشديدة تذكّرنا بمرحلة البحث والزهد والحرمان التي مر بها سيدارتا قبل الاستنارة. أما صورة بوذا الهادئ بعد الاستنارة فلا تحتاج إلى الاحتفاظ بآثار الجوع والمعاناة.

بل إن جعل بوذا يبدو في حالة صحية ومطمئنة قد يكون أكثر انسجامًا مع الرسالة التي تريد الصورة إيصالها: لقد تجاوز مرحلة الصراع مع الجسد بدل أن يبقى أسيرًا لها.

أما «بوذا السمين» المبتسم جدًا، فقد يكون شخصًا آخر تمامًا هو هوتاي، الذي تحولت صورته في الثقافة اليابانية إلى رمز للسعادة والوفرة والحظ.

وهكذا فإن ثلاث صور تختلط في ذهن المشاهد الحديث: سيدارتا الزاهد النحيل، وبوذا المستنير الهادئ، وهوتاي السمين المبتسم.

واللافت أن الأجساد الثلاثة تحكي ثلاث قصص مختلفة.

فالجسد النحيل يحكي قصة البحث والحرمان، والجسد الهادئ يحكي قصة الاستنارة، والجسد الممتلئ الضاحك يحكي في كثير من الأحيان قصة السعادة والوفرة.

وهنا يتضح أن التمثال الديني لا يخبرنا فقط كيف كان الشخص يبدو، بل يخبرنا أيضًا كيف أراد عصرٌ وثقافةٌ معينة أن تتذكره.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.