الطقوس الغريبة: الجسد جزء من العبادة: المشي على النار: لماذا يضع الإنسان جسده في مواجهة النار؟

عندما تصبح النار طريقًا إلى المقدس

النار من أكثر الأشياء التي عرف الإنسان أنها خطرة منذ زمن بعيد. فهي مصدر للدفء والطهي والضوء، لكنها في الوقت نفسه قادرة على حرق الجسد وتدمير الأشياء خلال لحظات. ولذلك يبدو المشهد غريبًا عندما يرى الإنسان مجموعة من الأشخاص يمشون حفاة فوق طبقة من الجمر أو النار باعتبار ذلك جزءًا من طقس ديني.

بالنسبة إلى المشاهد العادي، السؤال يبدو مباشرًا: لماذا يفعلون هذا بأنفسهم؟

لكن المشي على النار ليس مجرد تحدٍّ لقدرة الإنسان على تحمل الألم. في التقاليد التي ظهر فيها هذا الطقس، ارتبط بأفكار مختلفة مثل التطهير، والوفاء بالنذر، وطلب الحماية أو الشفاء، والتعبير عن الإيمان، أو عبور حالة رمزية من الخوف إلى الأمان.

ولهذا فإن النار في هذه الطقوس ليست مجرد مادة تحرق، وإنما تتحول إلى حد فاصل بين عالمين: قبل الطقس وبعده، الخوف والشجاعة، المرض والشفاء، الذنب والتطهير، أو النذر والوفاء به.

النار التي يخافها الجميع

لا تحتاج النار إلى تفسير ثقافي حتى يشعر الإنسان بالخوف منها. فالخوف من الاحتراق مرتبط بتجربة جسدية مباشرة.

وهذا ما يجعل استخدامها في الطقوس أكثر تأثيرًا. فإذا كان الهدف هو إثبات الإيمان أو الوفاء بنذر، فإن اختيار شيء يخشاه الإنسان بطبيعته يمنح الفعل وزنًا أكبر.

فالإنسان لا يمشي فوق أرض عادية، وإنما فوق شيء يعرف أنه يمكن أن يؤذيه.

ومن هنا يمكن فهم أحد أبعاد الطقس: المقدس لا يطلب دائمًا فعلًا سهلًا. أحيانًا تكون قيمة الفعل في أنه يتطلب من الإنسان تجاوز خوف أو مشقة أو ألم.

هل المشي على النار يعني عدم الشعور بالألم؟

ليس بالضرورة.

هناك فرق بين عدم الإصابة وبين عدم الإحساس بالحرارة. كثير من حالات المشي فوق الجمر يمكن تفسيرها بعوامل فيزيائية، منها طبيعة الجمر، ومدة ملامسة القدم له، وسرعة الحركة، وانخفاض التوصيل الحراري نسبيًا لبعض أنواع الفحم مقارنة بمواد أخرى ساخنة.

لكن هذا التفسير الفيزيائي لا يلغي الجانب الديني.

فحتى لو عرفنا لماذا يمكن للقدم أن تعبر الجمر دون إصابة خطيرة في ظروف معينة، فإن ذلك لا يجيب عن السؤال الأهم: لماذا يريد الإنسان أصلًا أن يفعل ذلك؟

العلم يستطيع أن يفسر آلية الظاهرة، لكنه لا يستطيع وحده تفسير معناها بالنسبة إلى الشخص الذي يؤدي الطقس.

الوفاء بالنذر

في بعض المجتمعات، ارتبط المشي على النار بالنذر.

قد يمر الإنسان بمرض أو أزمة أو خوف شديد، ثم يتعهد بأنه إذا تحققت نتيجة معينة فسوف يؤدي طقسًا محددًا. فإذا تحقق ما طلبه، يصبح الوفاء بالنذر التزامًا دينيًا وأخلاقيًا في نظره.

وهنا يصبح المشي على النار أشبه بسداد دين رمزي.

فهو لم يعد مجرد فعل اختاره الإنسان للترفيه أو الاستعراض، وإنما تنفيذ لوعد قطعه على نفسه أمام قوة مقدسة.

وهذا النوع من التفكير ليس غريبًا على الإنسان عمومًا. فالناس يقدمون وعودًا ويتحملون مشقات كثيرة من أجل الوفاء بها، لكن الطقس الديني يضيف إلى الوعد بُعدًا مقدسًا يجعل التراجع عنه أكثر صعوبة.

اختبار الإيمان

يمكن للنار أيضًا أن تتحول إلى اختبار.

إذا كان الإنسان يؤمن بأن قوة مقدسة تحميه، فإن عبور النار قد يصبح لحظة يختبر فيها إيمانه. ليس بالضرورة بمعنى أنه يعتقد أنه أصبح محصنًا جسديًا، وإنما باعتبار الطقس فعل ثقة وتوكل.

وهنا نجد فكرة تتكرر في عدد كبير من الطقوس البشرية: إثبات ما نؤمن به من خلال الفعل، لا بالكلمات وحدها.

فالكلمات يمكن أن يقولها الجميع. أما الوقوف أمام شيء يخيفك ثم الإقدام عليه، فيمكن أن يصبح في نظر صاحبه دليلًا أقوى على صدق الالتزام.

الجماعة تجعل النار أقل غرابة

لو رأى الإنسان شخصًا واحدًا يمشي على النار في مكان منعزل، فقد يفسر المشهد باعتباره تصرفًا خطيرًا أو غريبًا.

لكن الصورة تختلف عندما يكون الطقس جزءًا من احتفال تشارك فيه جماعة كاملة.

توجد الموسيقى، والملابس الخاصة، والمواكب، والدعاء، والجمهور، والتقاليد التي يعرفها المشاركون منذ طفولتهم. عندها لا يعود الشخص أمام «كومة نار» فقط، وإنما أمام مشهد كامل من المعاني.

وهذا يوضح مرة أخرى قوة السياق الثقافي.

الطقس لا يعيش منفصلًا عن المجتمع الذي يؤديه. وإذا كان الشخص قد رأى والديه وأقاربه وأبناء مجتمعه يؤدونه، فإن ما يبدو لنا فعلًا شديد الغرابة قد يكون بالنسبة إليه جزءًا مألوفًا من تقويمه الديني والاجتماعي.

من الطقس إلى الاستعراض

مع مرور الوقت، يمكن أن تتداخل الحدود بين الطقس الديني والمشهد العام.

فبعض الطقوس تجذب أعدادًا كبيرة من المتفرجين، وتصبح جزءًا من المهرجانات والمناسبات الشعبية. وقد يؤدي ذلك إلى جعل المشهد يبدو للغريب أقرب إلى الاستعراض منه إلى العبادة.

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الجانب الديني اختفى.

فالطقوس البشرية تستطيع أن تؤدي وظائف متعددة في الوقت نفسه: دينية واجتماعية وثقافية، وأحيانًا سياحية أيضًا.

وهذا أمر مهم عند دراسة الطقوس القديمة والحديثة؛ فالممارسة الواحدة قد تتغير وظيفتها بمرور الزمن، من دون أن تختفي بالضرورة.

لماذا النار بالذات؟

لأن النار تحمل رموزًا قوية في معظم الثقافات.

هي تدمر، لكنها تطهر. تخيف، لكنها تمنح الدفء. تضيء الظلام، لكنها يمكن أن تخرج عن السيطرة. ولهذا كان من الطبيعي أن تصبح مادة مناسبة للطقوس التي تتحدث عن الانتقال والتحول والتطهير.

والإنسان عندما يعبر النار لا يواجه مجرد خطر مادي، بل يضع نفسه أمام أحد أكثر الرموز الطبيعية قوة.

كأنه يقول من خلال الطقس: أنا مستعد لعبور ما أخشاه من أجل ما أؤمن به.

هل كل من يمشي على النار يؤمن بأنها معجزة؟

هنا ينبغي الحذر من التعميم.

ليس كل المشاركين يملكون التفسير نفسه، ولا كل التقاليد التي تتضمن المشي على النار تقوم على عقيدة واحدة. بعض المشاركين قد يرونه عبادة، وبعضهم وفاءً لنذر، وبعضهم تقليدًا عائليًا، وبعضهم تجربة روحية، وقد تتداخل هذه الدوافع كلها.

كما أن القدرة على عبور الجمر دون إصابة خطيرة لا تثبت بحد ذاتها حدوث قوة خارقة للطبيعة.

وهنا من المفيد الفصل بين أمرين: التفسير الفيزيائي للحدث، والمعنى الديني الذي يعطيه المشاركون له.

يمكن أن نفهم الأول دون أن نفهم الثاني، ويمكن أن نفهم الثاني دون أن نتبنى الاعتقاد الذي يقف وراءه.

الخلاصة

المشي على النار يبدو للإنسان العادي واحدًا من أغرب الطقوس: لماذا يضع الإنسان قدميه في المكان الذي يتوقع منه أن يحميهما منه؟

لكن عندما نضع الطقس داخل سياقه، يصبح أكثر قابلية للفهم. النار قد تكون اختبارًا للإيمان، أو وسيلة للتطهير، أو وفاءً بنذر، أو رمزًا للعبور والتحول، وقد تكون كل هذه المعاني مجتمعة.

ومع ذلك، يبقى المشهد كاشفًا عن مفارقة إنسانية عميقة: الشيء الذي نعرف أنه يؤلمنا يمكن أن يصبح، في ظروف معينة، هو نفسه الطريق الذي نختاره للتعبير عن أكثر الأشياء أهمية بالنسبة إلينا.

وهذا ربما هو أحد أسرار الطقوس: أنها تأخذ أشياء عادية في العالم — النار، الماء، الدم، الجسد، الطعام، المشي — ثم تمنحها معنى يتجاوز مادتها.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.