
عندما يصبح جسد الميت جزءًا من الطقس
هناك أشياء يستطيع الإنسان أن يتقبلها بصعوبة، حتى عندما يعتاد على اختلاف الثقافات. ومن أكثرها إثارة للنفور فكرة أن يأكل الإنسان جزءًا من جسد إنسان آخر، وخصوصًا إذا كان ذلك الشخص ميتًا.
لكن التاريخ والأنثروبولوجيا يعرفان حالات وممارسات ارتبط فيها أكل أجزاء من جسد الميت بمعتقدات دينية أو جنائزية. كما عُرفت ممارسات أخرى كان المقصود منها التعامل مع الرفات أو الرماد أو أجزاء محددة من الجسد بطريقة يراها أصحابها ذات معنى.
وبالنسبة إلى الإنسان العادي، تبدو الفكرة صادمة: كيف يمكن أن يتحول جسد شخص نحبه أو نحترمه، بعد موته، إلى شيء يمكن تناوله؟
لكن المشكلة تبدأ عندما نفترض أن كل من فعل ذلك كان يرى الميت بالطريقة التي نراه بها نحن. ففي بعض التصورات، كان أكل جزء من الجسد مرتبطًا بالحزن، أو المحافظة على شيء من الشخص، أو الاعتقاد بانتقال خصائص معينة منه إلى الحي، أو التعامل مع الجسد باعتباره مادة ينبغي إعادتها إلى الجماعة أو الطبيعة.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات غرابة في طقوس الموت: قد يكون الفعل الذي يبدو لنا إهانة للميت محاولةً لإظهار الاحترام له في نظر من يمارسه.
المحرم الذي يبدو عالميًا
هناك نفور عميق لدى معظم البشر من أكل الجسد البشري.
ويرتبط ذلك بعوامل دينية وأخلاقية واجتماعية وصحية، لكنه أيضًا مرتبط بطريقة نظر الإنسان إلى جسد الميت. فالجثة بالنسبة إلى أغلب المجتمعات ليست قطعة لحم عادية، بل جسد إنسان كان له اسم وعائلة وذكريات ومكانة.
ولهذا فإن تحويله إلى مادة غذائية يصطدم بأحد أقوى الحدود التي وضعتها المجتمعات البشرية.
لكن هذا الحد لم يكن مطلقًا في كل زمان ومكان.
وهذا هو الجزء الذي يجعل دراسة الظاهرة مهمة: المحرمات الإنسانية قوية، لكنها ليست متطابقة تمامًا بين الثقافات.
ليس كل أكل للجسد متشابهًا
من الخطأ وضع جميع الممارسات التي توصف بأنها «أكل للموتى» في سلة واحدة.
هناك فرق بين أكل جسد عدو باعتباره جزءًا من تصور عن القوة أو الانتصار، وبين تناول جزء صغير من جسد قريب ضمن طقس جنائزي، وبين استخدام رماد أو رفات في ممارسة دينية، وبين أكل البشر في ظروف المجاعة واليأس.
الدوافع والمعاني مختلفة تمامًا.
ولهذا فإن عبارة «أكل لحوم البشر» قد تكون صحيحة من الناحية الوصفية في بعض الحالات، لكنها لا تكفي لتفسير ما حدث.
المهم هو السؤال: لماذا؟
فالفعل الواحد يمكن أن تكون وراءه عقيدة دينية، أو تصور للسحر والقوة، أو طقس للحزن، أو ظرف قاسٍ لا علاقة له بالدين أصلًا.
أكل الميت بدافع الحزن
من أكثر الأفكار غرابة أن يكون أكل جزء من جسد الميت مرتبطًا بالحزن نفسه.
في بعض الممارسات التي درسها علماء الأنثروبولوجيا، ارتبط تناول أجزاء من جثث الأقارب بفكرة الاحتفاظ بشيء من الميت داخل جسد الحي، أو التعامل مع الجسد بطريقة تُفهم باعتبارها استمرارًا للرابطة بينهما.
من منظور خارجي، قد يبدو هذا أكثر أشكال الحزن تطرفًا.
لكن إذا كان الإنسان يرى أن جسد الميت ينبغي ألا يُعامل باعتباره شيئًا منفصلًا عن الأسرة، فقد يصبح الطقس مفهومًا داخل ذلك النظام الرمزي.
لا يعني ذلك أن علينا قبول الممارسة أو اعتبارها طبيعية بالنسبة إلينا، بل يعني فقط أن النفور وحده لا يشرحها.
هل كان الهدف اكتساب قوة الميت؟
هناك تصور آخر ظهر في بعض المجتمعات وهو أن تناول جزء من جسد شخص ما يمكن أن ينقل إلى الإنسان شيئًا من صفاته أو قوته أو مكانته.
وهذه الفكرة تنتمي إلى عالم أوسع من المعتقدات حول انتقال الصفات والقوى من خلال الجسد.
فإذا كان الإنسان يعتقد أن شيئًا من القوة موجود في الجسد نفسه، يصبح تناول جزء منه وسيلة رمزية للحصول على تلك القوة.
وقد نجد منطقًا مشابهًا في استخدام أجزاء من أجساد الحيوانات أو النباتات في ممارسات سحرية أو علاجية تقليدية.
لكن ينبغي الحذر هنا أيضًا: ليس كل مجتمع مارس أكل البشر كان يعتقد أن القوة تنتقل بهذه الطريقة. لا يوجد تفسير واحد للظاهرة.
العدو الذي يصبح طعامًا
هناك نوع آخر مختلف تمامًا، ارتبط في بعض السياقات بأكل أجزاء من جسد العدو.
هنا لا يكون الهدف الحزن أو الحفاظ على صلة مع قريب، وإنما قد يرتبط الفعل بالحرب والانتقام والانتصار والقوة.
قد يُنظر إلى العدو المقتول بوصفه حاملًا لقوة يمكن الاستيلاء عليها، أو قد يكون أكل جزء منه فعلًا رمزيًا لإذلاله بعد موته.
وهذا يوضح أن الجسد البشري يمكن أن يتحول في الطقوس إلى رمز للصراع كما يمكن أن يكون رمزًا للحب والحزن.
أحيانًا يكون الأمر متعلقًا بالرفات لا بالجسد
هناك ممارسات تبدو للوهلة الأولى قريبة من أكل الموتى، لكنها تختلف عنها.
فقد تُحرق عظام أو رفات، ثم يُتعامل مع الرماد أو المسحوق بطريقة طقسية، أو يُستخدم جزء من الرفات في سياق ديني.
وهنا لا نتحدث بالضرورة عن «وجبة» أو عن الطعام بالمعنى المعتاد.
الفكرة قد تكون مرتبطة بتحويل الجسد إلى مادة رمزية يمكن الاحتفاظ بها أو توزيعها أو إدخالها في طقس.
وهذا مهم لأن بعض القصص عن هذه الممارسات جرى تضخيمها أو تبسيطها عندما انتقلت من وصف الأنثروبولوجيين إلى الكتب الشعبية والأفلام.
لماذا تخيفنا الفكرة إلى هذا الحد؟
لأنها تضرب عدة محرمات في وقت واحد.
هناك حرمة الجسد، وحرمة الموت، وحرمة الطعام.
فالإنسان يتعلم منذ طفولته أن هناك أشياء تؤكل وأشياء لا تؤكل، وأن الجسد البشري يقع في الفئة الثانية بشكل قاطع تقريبًا.
وعندما يكسر شخص هذا الحد، لا يبدو الأمر مجرد اختلاف في العادات الغذائية، بل كأنه كسر لنظام كامل من القواعد التي تحدد ما هو إنساني وما هو غير إنساني.
ولهذا تكون الصدمة أكبر من مجرد رؤية طقس غريب.
لكن هل كل القصص صحيحة؟
هنا يجب أن نكون أكثر حذرًا من أي موضوع آخر في هذه السلسلة.
تاريخ الشعوب مليء بالقصص التي تصف جماعات أخرى بأنها «آكلة للبشر». وأحيانًا كانت هذه الروايات مبنية على وقائع حقيقية، وأحيانًا كانت مبالغًا فيها، وأحيانًا استُخدمت لتصوير شعب آخر باعتباره متوحشًا وأقل إنسانية.
ولهذا لا يكفي أن نجد رواية قديمة تقول إن قبيلة أو شعبًا «يأكل الموتى».
ينبغي السؤال عن مصدر الرواية، ومن كتبها، وهل كانت هناك أدلة مستقلة عليها، وهل كانت الممارسة منتشرة فعلًا أم محدودة، وهل كانت طقسًا دينيًا أم حالة استثنائية.
وهذا مهم خصوصًا لأن اتهام جماعة بأكل البشر كان تاريخيًا وسيلة قوية لتجريدها من إنسانيتها.
عندما يصعب علينا الفصل بين الفهم والحكم
يمكن أن نفهم لماذا ظهرت ممارسة ما دون أن نقول إنها صحيحة أو مقبولة.
وهذا الفرق أساسي في دراسة الطقوس الدينية.
فإذا قلنا إن جماعة ما كانت ترى أكل جزء من الميت وسيلة للحفاظ على صلة به، فهذا تفسير للمعتقد. لا يعني أننا نتبنى هذا المعتقد.
وبالمثل، إذا قلنا إن التضحية البشرية ظهرت في بعض المجتمعات ضمن نظام ديني معين، فهذا لا يعني تبريرها.
الفهم ليس موافقة.
وهذه قاعدة مهمة عندما نتعامل مع ممارسات تثير النفور؛ لأن رفضها أخلاقيًا لا يمنعنا من محاولة معرفة أسبابها.
الخلاصة
أكل الموتى من أكثر الطقوس التي تصطدم بما يعتبره الإنسان المعاصر حدًا أساسيًا بين المقدس والمقزز، وبين الإنسان والطعام.
لكن التاريخ لا يقدم لنا تفسيرًا واحدًا لها. ففي بعض الحالات ارتبطت بالموت والحزن، وفي أخرى بالقوة والحرب، وفي أخرى بمعتقدات حول انتقال الخصائص، بينما ارتبطت بعض الحالات بظروف لا علاقة لها بالطقوس الدينية أصلًا.
ولهذا فإن السؤال الأكثر فائدة ليس: «كيف استطاعوا فعل ذلك؟»
بل: «ما الذي كان يعنيه الجسد بالنسبة إليهم حتى أصبح هذا الفعل ممكنًا داخل ثقافتهم؟»
وقد يكون هذا هو الدرس الأكثر إزعاجًا في دراسة طقوس الموت: أن الأشياء التي نعتبرها اليوم حدودًا ثابتة للطبيعة الإنسانية، لم تكن دائمًا متطابقة في كل مكان.
فالإنسان لا يرث فقط طريقة تعامله مع الموتى، بل يرث أيضًا تعريفه لما يجب أن يكون محترمًا، وما يجب أن يكون مقدسًا، وما لا يجوز أن يتحول إلى طعام مهما كانت الظروف.