
عندما انتهت الغرابة وبدأ السؤال
بدأنا هذه السلسلة من مكان بسيط جدًا: هناك طقوس دينية تبدو لنا غريبة.
رأينا الإنسان يؤلم جسده من أجل الإيمان، ويمشي فوق النار، ويصوم إلى حدود قاسية، ويثقب جسده أو يترك عليه علامات دينية، ويتعامل مع الدم والموت بطريقة قد تبدو صادمة لمن ينظر إليها من الخارج. رأينا الحيوان يتحول إلى كائن مقدس، والنار تصبح جزءًا من العبادة، والرقص يتحول إلى تجربة دينية، والقناع يصبح وسيلة لتغيير الهوية، والمشي الطويل يصبح عبادة، والخوف يتحول إلى اختبار، والعزلة والصمت يصبحان طريقًا إلى المقدس.
وكان من السهل في كل مرة أن نقف عند السؤال الأول: كيف يمكن للإنسان أن يفعل هذا؟
لكن السلسلة حاولت أن تتجاوز هذا السؤال. لأن السؤال الأكثر أهمية لم يكن عن غرابة الفعل، وإنما عن الإنسان الذي يؤديه.
الطقس الذي يبدو بلا معنى
عندما نرى شخصًا يؤدي طقسًا لا نعرفه، فإننا نرى مجموعة من الحركات. قد نرى جسدًا ينحني، أو قدمًا تمشي، أو نارًا تشتعل، أو دمًا يسيل، أو شخصًا يصمت، أو مجموعة من الناس ترقص، أو إنسانًا يتحمل الألم. لكننا لا نرى بالضرورة ما وراء الحركة.
- لا نرى الذكرى التي يحملها الشخص.
- ولا نرى الاعتقاد الذي تربى عليه.
- ولا نرى الجماعة التي ينتمي إليها.
- ولا نرى الخوف الذي يحاول التغلب عليه.
- ولا نرى الأمل الذي يبحث عنه.
- ولا نرى القصة التي جعلت هذا المكان مقدسًا أو هذا اليوم مهمًا أو هذه الحركة ذات معنى.
ولهذا قد يكون أغرب طقس هو الطقس الذي لا نعرف قصته.
الإنسان لا يؤدي الطقوس من أجل الحركة نفسها
- لا يهم الإنسان عادةً أن يمشي مئات الكيلومترات لمجرد المشي.
- ولا يصوم لمجرد الشعور بالجوع.
- ولا يرتدي لباسًا معينًا لمجرد أن اللباس جميل.
- ولا يشعل النار لمجرد مشاهدة النار.
الفعل الخارجي ليس هو كل شيء. الطقس يعطي هذه الأفعال معنى آخر، يجعلها جزءًا من قصة أكبر. وهنا تظهر قوة الرموز.
- الماء ليس مجرد ماء عندما يصبح رمزًا للتطهر.
- والطريق ليس مجرد طريق عندما يصبح رحلة مقدسة.
- والصمت ليس مجرد غياب للكلام عندما يصبح وسيلة للتأمل.
- والألم ليس مجرد ألم عندما يراه الإنسان تضحية أو اختبارًا أو انتقالًا.
قد نختلف مع تفسير هذه المعاني، لكن علينا أولًا أن ندرك أنها موجودة.
لماذا يبدو المختلف أكثر غرابة؟
لأن الإنسان يقيس الجديد بالمألوف. عندما نشاهد شيئًا لم نعتد عليه، نبحث تلقائيًا عن شيء نعرفه نقيسه عليه. إذا لم نجد، يظهر الشعور بالغرابة. ولهذا فإن الغرابة ليست دائمًا في الفعل نفسه. قد تكون في المسافة بين عالمين. الذي تربى داخل الطقس يرى معناه قبل أن يرى شكله.
أما الغريب فيرى شكله قبل أن يعرف معناه. وهذا الفارق الصغير يفسر كثيرًا من سوء الفهم.
نحن أيضًا نملك طقوسنا
ربما كانت هذه أهم مفارقة في السلسلة كلها. بعد أن رأينا طقوسًا دينية من ثقافات مختلفة، قد يبدو لنا أن الطقوس شيء يخص «الآخرين». لكننا عندما نوسع معنى الكلمة، سنجدها في كل مكان.
- نحتفل بالميلاد بطريقة محددة.
- ونقيم حفلات الزواج.
- ونحتفل بالتخرج.
- ونرتدي ملابس خاصة في مناسبات معينة.
- ونقف احترامًا في ظروف محددة.
- ونصمت في الجنازات.
- ونحتفظ بتذكارات تحمل قيمة أكبر بكثير من قيمتها المادية.
- ونقطع كعكة في مناسبة معينة، ونلتقط الصور، ونكرر العبارات نفسها كل عام.
لا نرى معظم هذه الأشياء غريبة لأننا تعلمنا معناها منذ البداية. ولو جاء شخص من مجتمع لم يعرف هذه العادات من قبل، فقد يحتاج إلى تفسير طويل حتى يفهم لماذا نقوم بها.
الطقوس ليست حكرًا على الدين
وهذا لا يعني أن كل عادة اجتماعية هي طقس ديني، أو أن الدين مجرد مجموعة من العادات. الفرق بين المجالات مهم. لكن هناك شيئًا مشتركًا بينها: الإنسان يحب أن يحول المعاني إلى أفعال. نحن لا نكتفي بأن نعرف أن شخصًا تخرج.
- نريد مراسم. ولا نكتفي بمعرفة أن شخصين قررا الزواج.
- نريد احتفالًا. ولا نكتفي بمعرفة أن شخصًا مات.
- نحتاج إلى جنازة ووداع.
وهكذا يبدو أن الإنسان يحتاج إلى لحظات محددة يقول فيها: هذا حدث مهم.
لماذا لا يكفي الكلام؟
لأن الكلام يمكن أن يقول أشياء كثيرة، لكن الفعل يجعل المعنى محسوسًا.
- عندما يصوم الإنسان، فهو لا يقول فقط إنه يريد الانضباط، بل يضع جسده داخل تجربة الانضباط.
- وعندما يمشي مسافة طويلة، لا يقول فقط إن المكان مهم، بل يجعل الطريق نفسه جزءًا من التجربة.
- وعندما يجتمع الناس في وقت واحد، فإنهم لا يقولون فقط إنهم جماعة، بل يمارسون الجماعة أمام أنفسهم.
الطقس إذن يحول المعنى من فكرة إلى تجربة.
الإنسان يحتاج إلى أن يشعر بأنه عبر من مكان إلى آخر
الحياة مليئة بالتحولات، لكن معظمها لا يأتي بإشارة واضحة.
- يكبر الإنسان دون أن يستيقظ صباحًا ليجد أن طفولته انتهت.
- وقد يصبح مسؤولًا تدريجيًا دون أن يعرف متى أصبح كذلك.
- وقد يدخل في الحزن ثم يخرج منه ببطء دون لحظة يمكن أن يقول عنها: هنا انتهى حزني.
- الطقوس تعطي الإنسان حدودًا لهذه التحولات. تقول له: لقد انتهت مرحلة، وبدأت أخرى.
ولهذا ظهرت طقوس الولادة والبلوغ والزواج والموت والعودة والتوبة والانضمام والانفصال في مجتمعات مختلفة.
الطقس قد يغير الإنسان لأنه يجعله يرى نفسه بطريقة مختلفة
لا يحتاج الطقس بالضرورة إلى أن يحدث تغييرًا خارقًا حتى يكون مؤثرًا. قد يجعل الإنسان يعيد تعريف نفسه.
- من اليوم أنا شخص مختلف.
- من اليوم بدأت مرحلة جديدة.
- من اليوم أصبحت مسؤولًا.
- من اليوم تبت.
- من اليوم أنتمي إلى هذه الجماعة.
وقد يؤدي هذا التعريف الجديد إلى تغير حقيقي في السلوك. فالإنسان لا يعيش فقط بما حدث له، بل أيضًا بالقصة التي يرويها عن نفسه. والطقوس تساعده على كتابة بعض فصول هذه القصة.
لكن الطقوس ليست فوق النقد
الوصول إلى هذه الفكرة لا يعني أن علينا أن نقول إن كل طقس مقدس أو صحيح أو أخلاقي.
- هناك طقوس يمكن أن تسبب أذى حقيقيًا.
- وهناك ممارسات قد تقوم على الإكراه.
- وهناك طقوس يمكن أن تستخدم لإخضاع الفرد أو استبعاد الآخرين.
- وقد توجد ممارسات كان لها معنى في الماضي ثم تغيرت الظروف التي تحيط بها.
فهم الطقس لا يعني تبريره. كما أن نقده لا يتطلب السخرية من أصحابه. يمكن للإنسان أن يقول: أفهم لماذا هذا مهم بالنسبة إليكم، لكنني أختلف معكم في هذه الممارسة. وهذه ربما واحدة من أكثر الطرق نضجًا في التعامل مع الاختلاف.
هناك فرق بين أن نفهم وأن نؤمن
دراسة الطقوس لا تتطلب منا أن نؤمن بالعقيدة التي تقف وراءها. يمكننا أن نفهم لماذا يرى شخص معين فعلًا ما مقدسًا، دون أن نشاركه إيمانه. وكذلك يمكن للإنسان أن يدرس دينًا آخر بجدية دون أن يتحول إلى أتباعه.
- الفهم لا يساوي الإيمان.
- والتعاطف لا يساوي الموافقة.
- والاحترام لا يعني التخلي عن النقد.
هذه المسافة ضرورية لكي نستطيع دراسة الاختلاف دون أن يتحول البحث إلى تبشير أو سخرية.
بعض الطقوس تختفي وبعضها يتغير
الطقوس ليست كائنات ثابتة.
- بعضها يختفي عندما تتغير المجتمعات.
- وبعضها يتغير تدريجيًا.
- وبعضها يبقى شكله بينما يتغير معناه.
- وقد تستمر بعض الطقوس لأنها أصبحت جزءًا من الهوية أكثر من كونها مرتبطة بالحاجة التي ظهرت من أجلها في البداية.
وهذا يعني أن الطقوس ليست مجرد بقايا من الماضي. إنها تتكيف مع الإنسان. ومع تغير الحياة، يعيد الإنسان تفسير ما ورثه، ويحتفظ ببعض الأشياء ويتخلى عن بعضها ويخلق أشياء جديدة.
التكنولوجيا لم تلغِ الحاجة إلى الطقس
قد يبدو أن الإنسان الحديث، بما لديه من علم وتكنولوجيا، أصبح أقل حاجة إلى الطقوس. لكن الواقع أكثر تعقيدًا. التكنولوجيا غيرت شكل الحياة، لكنها لم تلغِ الميل الإنساني إلى الاحتفال والحداد والانتماء وإعلان التحولات. حتى العالم الرقمي خلق طقوسًا جديدة.
أصبح الناس يحتفلون بمناسبات عبر الشاشات، ويشاركون في لحظات جماعية عن بعد، ويكررون سلوكيات مرتبطة بالمناسبات والأحداث، ويصنعون طرقًا جديدة لتذكر الأشخاص والأحداث.
الأداة تغيرت. لكن الحاجة الإنسانية إلى إعطاء الأحداث معنى لم تختفِ.
هل يمكن أن تختفي الأديان وتبقى الطقوس؟
ربما يمكن لبعض المجتمعات أن تصبح أقل تدينًا، لكن هذا لا يعني بالضرورة اختفاء الطقوس. قد تنتقل بعض وظائفها إلى الاحتفالات الوطنية، أو المناسبات العائلية، أو المراسم المدنية، أو التقاليد الاجتماعية، أو أشكال جديدة من التعبير الجماعي.
فالإنسان لا يستطيع بسهولة أن يجعل الحياة مجرد سلسلة من الأيام المتشابهة.
- إنه يريد أن يضع علامات على الزمن.
- يريد أن يقول إن هذا اليوم مختلف.
- وأن هذه اللحظة مهمة.
- وأن هذا الشخص ينتمي إلينا.
- وأن هذه المرحلة انتهت.
وهذه الرغبة أقدم بكثير من أي مجتمع حديث.
لماذا بقيت الطقوس كل هذا الوقت؟ ..
لأنها تحل مشكلات إنسانية لا تختفي بسهولة.
- كيف نواجه الموت؟
- كيف نعلن الحب؟
- كيف نثبت الانتماء؟
- كيف نبدأ مرحلة جديدة؟
- كيف نتعامل مع الخوف؟
- كيف نعبر عن الحزن؟
- كيف نحافظ على الذاكرة؟
- كيف نشعر أننا جزء من شيء أكبر منا؟
يمكن أن تتغير الإجابات، لكن الأسئلة تبقى. ولهذا تستمر الطقوس. قد يتغير شكلها، وقد تتغير الكلمات، وقد تختفي طقوس وتظهر أخرى، لكن الإنسان لا يزال يبحث عن أفعال تجعل المعنى محسوسًا.
في النهاية، نحن لا ندرس الطقوس فقط
ربما كان الخطأ أن ننظر إلى الطقوس باعتبارها موضوعًا عن الآخرين. عندما ندرس كيف يصوم الإنسان، وكيف يمشي، وكيف يصمت، وكيف يحتفل، وكيف يحزن، وكيف يتعامل مع الموت، فإننا ندرس في الحقيقة مجموعة من أكثر الأسئلة الإنسانية قدمًا. نحن ندرس خوف الإنسان من المجهول.
- وحاجته إلى الانتماء.
- ورغبته في تجاوز الألم.
- ومحاولته فهم الموت.
- وحاجته إلى تحويل الفوضى إلى نظام.
- ورغبته في أن يجعل لحياته قصة ومعنى.
ولهذا فإن الطقوس، مهما بدت غريبة، تقول لنا شيئًا مألوفًا جدًا عن الإنسان.
أغرب طقس هو الذي نحكم عليه قبل أن نفهمه
بعد كل ما رأيناه في هذه السلسلة، ربما لا يكون السؤال المناسب: ما أغرب طقس ديني في العالم؟ فهذا السؤال يفترض أن هناك مراقبًا يقف خارج جميع الثقافات ويحمل مقياسًا عالميًا للغرابة. والواقع أننا جميعًا نقف داخل ثقافاتنا. لدينا الأشياء التي نفهمها، والأشياء التي اعتدنا عليها، والأشياء التي تبدو لنا بديهية.
ولذلك فإن أكثر ما يمكن أن نتعلمه من الطقوس الغريبة هو أن نتوقف قليلًا قبل الحكم.
- أن نسأل عن القصة.
- عن المعنى.
- عن التاريخ.
- عن الإنسان الذي يؤدي الطقس.
- عن الجماعة التي تعترف به.
- وعن الوظيفة التي يؤديها في حياتهم.
ثم بعد ذلك، إذا بقي لدينا اعتراض أخلاقي أو فكري، يمكننا أن نناقشه بوضوح.
الخلاصة النهائية للسلسلة
بدأنا هذه السلسلة بالسؤال عن الطقوس التي تبدو غريبة، وانتهينا إلى أن الغرابة ليست دائمًا في الطقس نفسه. أحيانًا تكون الغرابة نتيجة لأننا نرى الفعل ولا نعرف معناه.
- وأحيانًا تكون نتيجة اختلاف ثقافي حقيقي.
- وأحيانًا يكون الطقس بالفعل قاسيًا أو مؤذيًا ويستحق النقد.
- لكن في جميع الحالات، يبقى الفهم خطوة تسبق الحكم.
لقد رأينا كيف يمكن للإنسان أن يجعل جسده جزءًا من العبادة، وكيف يمكن للألم والحرمان والمشي والخوف والنار والدم والموت والحيوان والرقص والعزلة أن تتحول إلى رموز دينية. ورأينا أن هذه الممارسات لا يمكن فهمها من شكلها الخارجي وحده، لأنها تنتمي إلى عوالم كاملة من العقائد والذاكرة والهوية والانتماء.
ورأينا أيضًا أن اختلاف الطقوس لا يلغي وجود أشياء مشتركة بين البشر.
- كلنا نواجه الموت.
- كلنا نعرف الخوف.
- كلنا نمر بمراحل من الحياة.
- كلنا نحتاج إلى الانتماء.
- كلنا نحاول أن نفهم المجهول.
- وكلنا، بدرجات مختلفة، نستخدم الأفعال والرموز والمناسبات لكي نعطي حياتنا معنى.
لهذا فإن السؤال الذي بدأنا به تغير في النهاية. لم يعد: «لماذا يفعلون أشياء غريبة؟» بل أصبح: «ماذا يخبرنا ما يفعلونه عن الإنسان؟» وهنا ربما تكون الإجابة الأهم أن الإنسان، أينما عاش ومهما اختلف دينه وثقافته، لم يكتفِ بأن يعيش الأحداث، بل حاول دائمًا أن يمنحها معنى.
- حوّل الميلاد إلى مناسبة.
- والبلوغ إلى انتقال.
- والحب إلى زواج.
- والموت إلى وداع.
- والخوف إلى اختبار.
- والطريق إلى رحلة.
- والألم إلى تضحية.
- والصمت إلى تأمل.
- والجسد إلى لغة.
- والزمن إلى ذاكرة.
ومن هذه الحاجة ولدت آلاف الطقوس المختلفة. لذلك، إذا أردنا في النهاية أن نعرف ما هو «أغرب طقس ديني»، فربما تكون الإجابة المفارقة هي:
أغرب طقس هو ذلك الذي لا نفهمه.
ليس لأنه بالضرورة صحيح، ولا لأنه بالضرورة خاطئ، بل لأننا عندما لا نعرف معناه نرى الحركة فقط، ونفقد الإنسان الذي يقف خلفها. والإنسان الذي يفهم طقسًا غريبًا لا يصبح بالضرورة مؤمنًا به. لكنه يصبح أكثر قدرة على رؤية العالم من أكثر من نافذة. وهذا، في النهاية، هو الهدف من هذه السلسلة.
أن ننظر إلى الاختلاف دون سخرية، وإلى الإيمان دون تبسيط، وإلى الطقوس دون أن نحصرها في غرابتها.
فوراء كل طقس تقريبًا إنسان يحاول أن يقول شيئًا عن الحياة والموت والخوف والأمل والانتماء والمجهول. وقد تختلف الكلمات والحركات والرموز من مكان إلى آخر، لكن الإنسان الذي يبحث عن معنى لحياته يبقى واحدًا.