
من المصارعة والسينما والألعاب إلى سلوك إنساني أعمق
هناك سلوك إنساني يبدو متناقضًا للوهلة الأولى. يذهب الناس إلى السينما وهم يعرفون أن الأحداث أمامهم لم تقع فعلًا، ومع ذلك يخافون ويحزنون ويفرحون. يشاهدون مصارعة ترفيهية وهم يعرفون أن نتائجها جزء من سيناريو، ثم يصرخون ويهتفون وكأنهم أمام منافسة حقيقية. يلعبون لعبة إلكترونية ويشعرون بالتوتر عندما تقترب شخصية افتراضية من الموت، رغم أنهم يعرفون أنها مجرد مجموعة من الصور والبرمجيات. وقد يتعلق الإنسان بشخصية روائية لم توجد أصلًا، أو يشعر بالغضب من شخصية يؤديها ممثل يعرف أنه شخص مختلف تمامًا عنها.
يبدو الأمر كأن الإنسان يعرف الحقيقة بعقله، ثم يتصرف بطريقة تناقضها عاطفيًا. لكن هذا التفسير يفترض أن الإنسان لا يستطيع الاستمتاع إلا بما يعتقد أنه حقيقي، بينما الواقع أكثر تعقيدًا. فالإنسان لا يحتاج إلى تصديق القصة حتى يدخل إليها؛ يكفي أن يقبل قواعدها مؤقتًا. عندما ندخل السينما، لا نعتقد أن الشاشة نافذة إلى عالم آخر، لكننا نوافق ضمنيًا على أن نتعامل مع ما يحدث داخل الفيلم وفق قواعده. وإذا كان الفيلم عن شخص يهرب من قاتل، فإننا لا نحتاج إلى الاعتقاد بأن القاتل موجود فعلًا حتى نشعر بالتوتر.
الإنسان لا يصدق الخيال، بل يتعامل معه
هذه القدرة تظهر في أبسط أشكال اللعب منذ الطفولة. الطفل الذي يمسك قطعة خشب ويتخيل أنها سيف يعرف أنها ليست سيفًا، والطفل الذي يلعب دور الطبيب يعرف أنه ليس طبيبًا، ومع ذلك يدخل في اللعبة بجدية كاملة. ولو تدخل شخص بالغ ليذكرهما باستمرار بأنهما لا يلعبان في مستشفى أو ساحة معركة، فلن يكون قد كشف لهما حقيقة مجهولة؛ بل سيكون قد أفسد اللعبة.
وهذا يكشف جانبًا أساسيًا من السلوك البشري: القدرة على الانتقال مؤقتًا بين الواقع والخيال دون الخلط الكامل بينهما. الإنسان يستطيع أن يعرف أن العالم الذي أمامه غير حقيقي، ثم يتعامل معه عاطفيًا كما لو كان حقيقيًا داخل سياقه. ومن هذه القدرة نشأت أشكال هائلة من الثقافة الإنسانية، من المسرح والرواية إلى السينما والألعاب والقصص الشعبية.
لذلك فإن كلمة «وهم» قد لا تكون دقيقة دائمًا. الوهم يعني في العادة أن الإنسان يعتقد شيئًا غير صحيح، بينما ما يحدث في كثير من هذه الحالات مختلف. المشاهد يعرف أن الفيلم تمثيل، واللاعب يعرف أن اللعبة افتراضية، والجمهور يعرف طبيعة المصارعة الترفيهية، لكنه يوافق على الدخول في التجربة دون أن يطلب منها أن تكون واقعًا ماديًا.
الإنسان لا يعيش بالحقائق وحدها
هناك سبب آخر يجعل هذه الظاهرة أعمق من مجرد الترفيه. الإنسان لا يتعامل مع الأشياء وفق مادتها فقط، بل وفق المعاني التي يمنحها لها. قطعة من الورق قد تصبح مالًا، وقطعة معدنية قد تصبح رمزًا لدولة، وملابس معينة قد تدل على وظيفة، وملعب رياضي قد يتحول إلى رمز لهوية مدينة أو جماعة.
من الناحية المادية، قد تكون هذه الأشياء بسيطة جدًا، لكن معناها الاجتماعي يجعلها قادرة على إنتاج مشاعر وسلوكيات حقيقية. كرة القدم مثلًا ليست مجرد مجموعة من الأشخاص يركضون خلف كرة، ومع ذلك قد يشعر شخص بالفخر أو الحزن بسبب نتيجة مباراة لم تغير شيئًا في حياته المادية المباشرة. السبب أن الفريق أصبح بالنسبة إليه رمزًا للانتماء والذكريات والمنافسة.
وهنا يظهر الفرق بين الواقع المادي والواقع المعنوي. ليس كل ما يؤثر في سلوك الإنسان جسمًا يمكن لمسه. أحيانًا يكون المعنى الذي اتفق عليه الناس أقوى تأثيرًا من المادة نفسها.
المصارعة مثال واضح على هذه القدرة
لهذا يمكن فهم حماس الجمهور للمصارعة الترفيهية بطريقة مختلفة. الجمهور لا يحتاج إلى الاعتقاد بأن المصارع يريد قتل خصمه فعلًا، ولا يحتاج إلى أن يعتقد أن نتيجة المباراة ستحددها القدرة البدنية وحدها. هو يدخل إلى عالم له شخصياته وقواعده، ويعرف أن «البطل» و«الشرير» جزء من قصة، لكنه يتفاعل معهما وفق هذه القصة.
عندما يظهر الشرير ويبدأ الجمهور في إطلاق صيحات الاستهجان، فإن الجمهور لا يعلن بالضرورة اعتقاده بأن الرجل شخص سيئ في حياته الحقيقية. هو يشارك في الدور المخصص له داخل العرض. وعندما يدخل البطل وسط آلاف المشجعين، فإن الهتاف لا يعني أن الجمهور تعرض للخداع؛ بل يعني أن العرض نجح في خلق علاقة عاطفية بين الجمهور والشخصية.
لهذا أيضًا لا تكفي مشاهدة المصارعة وحدك لفهم جاذبيتها. جزء من المتعة يأتي من الحشد نفسه؛ آلاف الأشخاص يهتفون في الوقت نفسه، والمصارع يتفاعل معهم، والموسيقى والإضاءة والشاشات تزيد الإحساس بالحدث. الجمهور هنا لا يشاهد العرض فقط، بل يصبح جزءًا من إنتاجه. صراخه وتصفيقه واستهجانه تتحول إلى عنصر من عناصر المشهد.
الإنسان يحب المشاركة في القواعد التي يعرف أنها مصطنعة
يمكن رؤية الشيء نفسه في الألعاب. عندما يلعب شخص الشطرنج، فإنه يقبل مجموعة من القواعد التي اخترعها البشر. لا يسأل لماذا يتحرك الحصان بهذه الطريقة، لأن اللعبة تفترض ذلك. وفي لعبة إلكترونية، يقبل اللاعب عالمًا افتراضيًا له قوانينه الخاصة، ثم يتصرف داخله بجدية رغم معرفته بأنه ليس العالم الحقيقي.
وهذا السلوك ليس استثناءً، بل جزء من الحياة الاجتماعية نفسها. الإنسان يعيش داخل قواعد كثيرة وضعها البشر: قوانين الملكية، والعملة، والحدود، والرتب، والشعارات، والرموز، والمؤسسات. هذه الأشياء لا تعمل بقوتها المادية وحدها، وإنما لأن الناس يتعاملون معها باعتبارها ذات معنى.
ولهذا يستطيع الإنسان أن يعيش داخل «واقع متفق عليه» يعرف أن كثيرًا من عناصره من صنع البشر، لكنه يتعامل معها بجدية لأن نتائجها حقيقية.
لكن القدرة نفسها تحمل جانبًا خطيرًا
المشكلة لا تبدأ عندما يدخل الإنسان لعبة يعرف أنها لعبة. المشكلة تبدأ عندما لا يعرف أنه داخل لعبة أصلًا.
فالقدرة على الاستجابة للقصص والرموز تجعل الإنسان قادرًا على الإبداع، لكنها تجعله أيضًا قابلًا للتأثر بالدعاية والشائعات وصناعة الصورة. يمكن لقصة جيدة أن تجعل الناس يحبون شخصية لمجرد الطريقة التي قُدمت بها، ويمكن لصورة أو مقطع قصير أن يثير الغضب قبل أن يعرف الإنسان سياقه، ويمكن لرواية متكررة عن جماعة أو شخص أن تتحول تدريجيًا إلى حقيقة نفسية لدى الجمهور حتى لو كانت الوقائع أكثر تعقيدًا.
وهنا يظهر الفرق الحاسم بين الترفيه والتلاعب: في الترفيه، يعرف الإنسان أنه دخل عالمًا مصطنعًا ويختار الاستمرار فيه؛ أما في التلاعب، فقد يُبنى العالم المصطنع بحيث لا يدرك الإنسان أنه دخل إليه أصلًا.
لماذا تكون القصص أحيانًا أقوى من الحقائق؟
لأن الحقيقة المجردة تخبرنا بما حدث، بينما القصة تضيف إليه تفسيرًا ومعنى وشخصيات ودوافع ونهاية محتملة. ولهذا يستطيع الإنسان أن يتذكر قصة سمعها منذ سنوات، بينما ينسى عشرات المعلومات التي قرأها في اليوم نفسه. القصة تمنح الأحداث ترتيبًا يمكن للعقل أن يتعامل معه.
وهذا يفسر قوة الروايات والأفلام والأساطير والخطابات السياسية والإعلانات وحتى بعض أشكال الدعاية. الإنسان لا يبحث عن المعلومات فقط؛ إنه يريد أن يعرف ماذا تعني هذه المعلومات، ومن هو البطل، ومن هو الخصم، ولماذا حدث الأمر، وما الذي ينبغي أن يحدث بعده.
لكن هنا يجب أن نكون حذرين؛ فكلما زادت قوة القصة في تشكيل المشاعر، زادت قدرتها أيضًا على تجاوز التفكير النقدي. الإنسان قد يعرف عشرات الحقائق، لكن قصة واحدة مصاغة بذكاء قد تجعل تلك الحقائق تبدو أقل أهمية من الصورة التي تشكلت في ذهنه.
الإنسان يريد الحقيقة في بعض الأوقات والخيال في أوقات أخرى
ليس من المنطقي أن نقول إن الإنسان يريد دائمًا الحقيقة، ولا أن نقول إنه يفضل الوهم دائمًا. هو يريد أشياء مختلفة بحسب الموقف. عندما يتعلق الأمر بالطائرة أو الدواء أو أمواله، يريد معلومات دقيقة وواقعًا يمكن الاعتماد عليه. لكنه عندما يدخل السينما يريد قصة، وعندما يلعب يريد قواعد، وعندما يشاهد المصارعة يريد عرضًا ممتعًا.
المشكلة تظهر عندما تختلط هذه المجالات. عندما نتعامل مع الخيال باعتباره حقيقة، أو مع الدعاية باعتبارها خبرًا، أو مع القصة باعتبارها دليلًا، ننتقل من المتعة إلى التضليل.
ولهذا ربما تكون القدرة الأهم ليست أن يتخلص الإنسان من الخيال، فهذا مستحيل وغير مرغوب فيه، وإنما أن يحتفظ بالقدرة على معرفة طبيعة الشيء الذي يتفاعل معه.
أن تدخل القصة دون أن تفقد القدرة على الخروج منها
الإنسان يستطيع أن يبكي على شخصية لم توجد، ويهتف لشخصية يعرف أنها مصطنعة، ويشعر بالفخر بانتصار فريق لم يشارك في تشكيله، ويعيش لحظات كاملة داخل لعبة يعرف أنها لعبة. لا يوجد في ذلك تناقض حقيقي؛ لأن المشاعر لا تحتاج دائمًا إلى مصدر واقعي حتى تكون حقيقية.
لكن هناك فرقًا بين أن نختار الدخول في الخيال، وبين أن يدخل الخيال إلى وعينا على أنه حقيقة دون أن ننتبه. الأول هو الفن واللعب والترفيه. أما الثاني فقد يكون دعاية أو تضليلًا أو تلاعبًا. وهنا ربما تكمن إحدى أهم خصائص السلوك الإنساني: نحن لا نعيش في عالم الأشياء فقط، بل في عالم المعاني التي نصنعها حول الأشياء.
- نستطيع أن نصنع قصة ونعرف أنها قصة، ثم نستمتع بها.
- ونستطيع أن نصنع لعبة ونعرف أنها لعبة، ثم نأخذها بجدية.
- ونستطيع أن نصنع رموزًا ونتعامل معها وكأن لها قيمة تتجاوز مادتها.
وهذه القدرة هي التي جعلت الإنسان قادرًا على بناء الفن والثقافة والمجتمعات، لكنها في الوقت نفسه جعلته عرضة لمن يستطيع أن يصنع له قصة ويقنعه بأنها الحقيقة. لذلك ليست المشكلة أن الإنسان يحب الوهم.
المشكلة تبدأ عندما يفقد القدرة على معرفة الفرق بين الوهم الذي اختار أن يعيش فيه، والوهم الذي اختير له وأُقنع بأنه واقع.