المستفيدون من الفوضى: من يربح من التصعيد في اليمن؟

بين الحوثيين والحكومة والساحل وباب المندب، لا تتوزع خسائر الحرب ومكاسبها على الأطراف نفسها

في اليمن، كما في كثير من الصراعات الطويلة، لا يكون المستفيد دائمًا هو الطرف الذي يسيطر على الأرض أو يحقق أكبر عدد من الانتصارات العسكرية. أحيانًا يكون المستفيد هو الطرف الذي يستطيع تحويل الفوضى إلى ورقة سياسية، أو استخدام الخوف من الحرب لتحقيق مكاسب لا يستطيع الحصول عليها في ظروف الاستقرار.

ولهذا فإن السؤال الذي تفرضه المواجهات الأخيرة بين الحوثيين والقوات الحكومية ليس فقط: من تقدم ومن تراجع؟ بل سؤال آخر أكثر أهمية: من يمكن أن يستفيد من عودة القتال؟

المشهد اليمني معقد بما يكفي لجعل الإجابة غير مباشرة. فالحكومة تريد استعادة المبادرة، والحوثيون يريدون الحفاظ على قوتهم ونفوذهم، والسعودية تريد تحييد التهديد القادم من اليمن، والإمارات لديها مصالحها الخاصة في الساحل، وإيران ترى في الحوثيين ورقة ضمن صراع إقليمي أوسع، بينما تنظر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى باب المندب باعتباره جزءًا من أمن الملاحة الدولية.

وفي وسط كل ذلك يوجد اليمن نفسه، الذي يدفع الثمن الأكبر.

اليمن هو الخاسر الأكبر

قد يبدو الحديث عن «المستفيدين» غريبًا في بلد تتجدد فيه المعارك بعد سنوات من الإنهاك.

لكن هذه هي طبيعة الحروب الممتدة: الخسارة لا تكون موزعة بالتساوي.

المواطن اليمني يخسر الأمن والاقتصاد والاستقرار، بينما قد يحصل طرف سياسي على نفوذ إضافي، أو تحصل قوة عسكرية على أهمية أكبر، أو تجد دولة إقليمية في الأزمة وسيلة للضغط على خصومها.

ولهذا فإن أول قاعدة لفهم الأحداث هي الفصل بين الخاسر الإنساني والمستفيد السياسي.

اليمنيون قد يخسرون جميعًا، بينما يستطيع بعض اللاعبين تحقيق مكاسب في الوقت نفسه.

الحكومة اليمنية: فرصة لاستعادة المبادرة

ربما تكون الحكومة والقوى المناهضة للحوثيين من أبرز المستفيدين إذا تمكنت من استثمار الجولة الحالية.

لسنوات طويلة كان المشهد السياسي اليمني يعاني من مشكلة أساسية: الحوثيون يسيطرون على صنعاء ومساحات واسعة من البلاد، بينما تعاني القوى المناهضة لهم من الانقسام وتعدد مراكز القوة.

لكن التصعيد الأخير فتح احتمالًا مختلفًا.

إذا استطاعت القوات الحكومية والقوات المتحالفة معها صد الهجوم الحوثي ثم الاحتفاظ بالمواقع التي استعادتها، فإنها تستطيع القول إنها لم تعد في موقع الدفاع الدائم، وإنما قادرة على تغيير خطوط التماس نفسها.

وهذا مكسب عسكري وسياسي في آن واحد.

لكن هناك حدًا لهذا المكسب. استعادة بعض المواقع في الساحل أو تعز لا تعني أن الحكومة أصبحت قادرة على إسقاط الحوثيين أو استعادة صنعاء. ولذلك فإن المكسب الحقيقي في المرحلة الحالية هو استعادة المبادرة وليس تحقيق النصر النهائي.

السعودية: كلما ابتعد الحوثيون عن باب المندب كان ذلك أفضل

بالنسبة للسعودية، لا يمكن فصل اليمن عن البحر الأحمر.

الرياض لا تريد وجود قوة معادية وقادرة عسكريًا على تهديد حدودها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن يتحول جنوب البحر الأحمر إلى منطقة تستطيع جماعة مسلحة التأثير فيها على الملاحة.

ومن هنا تأتي أهمية الساحل الغربي.

إذا انتهت الجولة بإبعاد الحوثيين عن المناطق القريبة من المخا وباب المندب، فإن السعودية تحصل على نتيجة مهمة دون الحاجة بالضرورة إلى العودة إلى حرب شاملة كما حدث في السنوات الماضية.

وهذا سيناريو مناسب لها أكثر من انتصار عسكري مكلف وطويل.

فالمصلحة السعودية الأساسية ليست احتلال المزيد من الأراضي اليمنية، وإنما منع تشكل تهديد استراتيجي دائم على حدودها وممراتها البحرية.

الإمارات: الساحل أهم من الداخل

الإمارات تنظر إلى اليمن من زاوية مختلفة جزئيًا.

فالساحل والموانئ والممرات البحرية تحتل مكانة مهمة في حساباتها الإقليمية، ولهذا فإن القوى اليمنية المرتبطة بها تمتلك حضورًا قويًا في أجزاء من الساحل الغربي والجنوب.

أي تراجع للحوثيين على الساحل يمنح هذه القوى مساحة أكبر للحركة، ويمنح أبوظبي نفوذًا أكبر في أي ترتيبات مستقبلية تخص اليمن.

وهنا تظهر مفارقة مهمة.

قد تتفق السعودية والإمارات على ضرورة منع الحوثيين من التوسع، لكن ذلك لا يعني أن لديهما بالضرورة التصور نفسه لشكل اليمن بعد الحرب.

فإضعاف الحوثيين شيء، وتحديد من يحكم المناطق التي يتم إخراجهم منها شيء آخر.

وهذه النقطة قد تصبح أكثر أهمية إذا استمرت المعارك.

القوى اليمنية المناهضة للحوثيين: الحرب تعيد إليها أهميتها

هناك أطراف يمنية عديدة لا تظهر دائمًا في الأخبار الدولية، لكنها قد تكون من أكبر المستفيدين من التصعيد.

القوى العسكرية الموجودة في تعز والساحل الغربي والجنوب يمكن أن تحصل على شيء فقدته خلال سنوات الهدوء النسبي: الأهمية العسكرية.

فعندما تتوقف الحرب، تصبح الأولوية للتسويات السياسية والاقتصاد وإدارة المناطق.

أما عندما تعود الجبهات إلى الاشتعال، يصبح المقاتل والقائد العسكري والسلاح والموقع الجغرافي عوامل أكثر أهمية.

وهذا يمنح هذه القوى نفوذًا أكبر في أي مفاوضات قادمة.

بمعنى آخر، قد لا يكون الهدف من القتال بالنسبة لبعض الأطراف هو السيطرة على أكبر مساحة ممكنة، وإنما ضمان ألا تدخل أي تسوية سياسية مستقبلية وهي في موقع ضعيف.

الحوثيون: قد يخسرون أرضًا ويربحون ورقة

قد يبدو الحوثيون الطرف الأقل استفادة إذا خسروا مواقع ميدانية.

لكن المسألة أكثر تعقيدًا.

الحوثيون لا يحتاجون إلى تحقيق انتصار عسكري شامل حتى يثبتوا أنهم قوة لا يمكن تجاوزها. يكفي أن يثبتوا قدرتهم على إعادة إشعال الجبهات وتهديد الساحل والملاحة وإجبار خصومهم على تعبئة قواتهم.

وهنا يصبح التصعيد نفسه أداة تفاوض.

فالرسالة الحوثية يمكن أن تكون ببساطة:

إذا أردتم السلام، فعليكم التعامل معنا باعتبارنا قوة عسكرية وسياسية لا يمكن تجاوزها.

لذلك فإن خسارة بعض المواقع لا تعني بالضرورة خسارة استراتيجية، ما دام الحوثيون يحتفظون بقدرتهم على الرد وإطالة الحرب.

لكن هذا السلاح له مخاطره أيضًا.

فالتصعيد الذي يبدأ بهدف تحسين شروط التفاوض قد يتحول إلى حرب أكبر من قدرة الأطراف على التحكم فيها.

إيران: مكسب استراتيجي من دون الحاجة إلى السيطرة المباشرة

إيران ليست بحاجة إلى السيطرة على باب المندب بنفسها حتى تستفيد من أهميته.

وجود قوة حليفة لها في اليمن وقادرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر يمنحها ورقة إضافية في صراعها الإقليمي.

وهذا لا يعني أن كل قرار حوثي يصدر من طهران، ولا يعني أن إيران هي التي أمرت بهذه الجولة تحديدًا.

لكن من الناحية الاستراتيجية، كلما زادت قدرة الحوثيين على تهديد البحر الأحمر، زادت قيمة موقعهم داخل الحسابات الإقليمية الإيرانية.

وهذا يشبه امتلاك ورقة ضغط من مسافة بعيدة.

إيران تستطيع استخدام نفوذ الحوثيين ضمن معادلة أوسع تشمل الخليج والبحر الأحمر وإسرائيل والولايات المتحدة.

لكنها أيضًا لا تريد بالضرورة تدمير الحوثيين في حرب شاملة؛ فالقوة الحوثية تصبح أكثر فائدة عندما تبقى موجودة وقادرة على التهديد.

الولايات المتحدة وإسرائيل: المستفيد من إضعاف الحوثيين

على الطرف المقابل، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل لديهما مصلحة واضحة في منع الحوثيين من امتلاك قدرة أكبر على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

فهذا الممر ليس قضية يمنية فقط.

إنه جزء من شبكة تجارية تربط آسيا بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط.

ولهذا فإن أي قوة قادرة على تعطيل الملاحة فيه تملك وسيلة ضغط تتجاوز حدود اليمن.

من هذه الزاوية، فإن إضعاف قدرة الحوثيين على الوصول إلى المناطق الساحلية الحساسة يمكن أن يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

لكن ذلك لا يعني أن استمرار الحرب اليمنية مصلحة أمريكية أو إسرائيلية بحد ذاته.

هناك فرق كبير بين إضعاف قدرة خصم على تهديد الملاحة وبين الدخول في حرب يمنية طويلة.

الأولى قد تكون هدفًا، أما الثانية فهي عبء ومصدر اضطراب مستمر.

اقتصاد الحرب: المستفيدون الذين لا يظهرون في الخريطة

هناك طرف آخر لا يحمل علم دولة ولا يملك مقعدًا في المفاوضات: اقتصاد الحرب.

عندما تستمر الحرب، تظهر مصالح جديدة حول السلاح والتهريب والنقل والوقود والجبايات والسيطرة على المعابر والموانئ.

تنشأ شبكات اقتصادية تستفيد من غياب الدولة ومن تعدد السلطات.

وهذه الشبكات تصبح مع مرور الوقت أحد أسباب صعوبة إنهاء الصراع.

فالحرب التي بدأت لأسباب سياسية وعسكرية يمكن أن تنتج لاحقًا مصالح اقتصادية تدافع عن استمرارها.

ولهذا فإن السلام لا يعني فقط أن يتفق القادة على وقف إطلاق النار؛ بل يعني أيضًا أن تخسر شبكات الحرب مصادر نفوذها وأرباحها.

باب المندب هو الجائزة الأكبر

إذا أردنا اختزال كل هذه الحسابات في نقطة واحدة، فعلينا أن ننظر إلى الخريطة.

تعز مهمة.

المخا مهمة.

الحديدة مهمة.

لكن باب المندب أهم من الجميع.

المضيق هو الذي يحول الحرب اليمنية من صراع على السلطة داخل بلد فقير إلى قضية تمس التجارة العالمية وأمن الطاقة والمصالح العسكرية للقوى الكبرى.

ومن يملك القدرة على تهديد هذه المنطقة لا يحتاج إلى السيطرة على اليمن كله حتى يصبح لاعبًا إقليميًا.

وهذا بالضبط ما يجعل الساحل الغربي ساحة صراع شديدة الحساسية.

من المستفيد الأكبر؟

لا توجد إجابة واحدة.

إذا تمكنت الحكومة والقوى المناهضة للحوثيين من تثبيت مكاسبها، فإنها ستكون المستفيد المباشر.

إذا فشل الحوثيون في التقدم نحو الساحل، فستكون السعودية قد حققت مكسبًا استراتيجيًا مهمًا.

إذا تعززت مواقع القوى المدعومة إماراتيًا على الساحل، فستزداد قيمة النفوذ الإماراتي في أي تسوية مقبلة.

إذا استمر الحوثيون في فرض أنفسهم كقوة لا يمكن تجاوزها، فستظل إيران تمتلك ورقة إقليمية مهمة.

وإذا بقي الصراع تحت السيطرة دون أن يتحول إلى حرب إقليمية مفتوحة، فقد تجد الولايات المتحدة وحلفاؤها أنفسهم أمام وضع يمكن احتواؤه بدل مواجهة أزمة بحرية أكبر.

لكن إذا توسعت الحرب، فإن معظم هذه المكاسب تصبح مؤقتة.

فالحرب التي يستطيع طرف استخدامها كورقة ضغط اليوم قد تصبح غدًا حربًا لا يستطيع أحد التحكم في مسارها.

الخلاصة: الفوضى قد تمنح المكاسب، لكنها لا تصنع المنتصرين

المشهد اليمني الحالي لا يشير بالضرورة إلى أن طرفًا واحدًا قرر إشعال الحرب لكي يستفيد منها.

الأمر أكثر تعقيدًا.

كل طرف يتحرك لتحقيق أهدافه الخاصة، لكن تحركات الجميع تنتج في النهاية ساحة يمكن لبعض الأطراف أن تستفيد منها أكثر من غيرها.

الحكومة تريد استعادة المبادرة.

الحوثيون يريدون الحفاظ على قوتهم ورفع كلفة تجاهلهم.

السعودية تريد يمنًا لا يشكل تهديدًا لأمنها.

الإمارات تريد حماية نفوذها ومصالح حلفائها على الساحل.

إيران تريد الاحتفاظ بورقة ضغط إقليمية.

والولايات المتحدة وحلفاؤها يريدون منع تحول باب المندب إلى نقطة اختناق جديدة للتجارة العالمية.

لكن كل هذه الحسابات لها ثمن واحد يدفعه طرف لا يملك القدرة على تحديد قواعد اللعبة:

اليمنيون.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس من المستفيد من الجولة الحالية، وإنما هل يستطيع أي طرف تحويل هذه المكاسب المؤقتة إلى تسوية سياسية، أم أن كل انتصار صغير سيصبح مجرد مقدمة لجولة حرب أكبر؟

ففي اليمن، المشكلة لم تكن يومًا نقص الأطراف القادرة على القتال، وإنما غياب الطرف القادر على تحويل موازين القوة المتغيرة إلى سلام قابل للاستمرار.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.