
كيف أصبحت السيطرة على المعلومات جزءًا من القدرة على القتال؟
لم تعد المعركة تبدأ عند إطلاق النار
في التصور التقليدي للحرب، تبدأ المعركة عندما تطلق المدفعية قذائفها أو تتحرك الدبابات أو تقلع الطائرات. لكن الحرب الحديثة تبدأ قبل ذلك بكثير. هناك شبكة واسعة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والرادارات وأجهزة الاتصال وأنظمة تحديد المواقع ومراكز القيادة التي تجعل القوات تعرف أين توجد قواتها وأين يوجد الخصم وماذا يحدث في ساحة المعركة.
ولهذا أصبحت المعلومات جزءًا من السلاح نفسه.
الدبابة الحديثة لا تعتمد على مدفعها وحده، والطائرة لا تعتمد على صاروخها فقط، والمدفعية لا تعتمد على القذيفة وحدها. كل هذه المنظومات تحتاج إلى معلومات تساعدها على معرفة الهدف والموقع والاتجاه والتوقيت. وعندما تتعرض شبكة المعلومات للتشويش أو الخداع أو الانقطاع، قد تبقى المعدات سليمة تمامًا، لكنها تفقد جزءًا من قدرتها على استخدامها بكفاءة.
وهنا يظهر تحول مهم: يمكن تعطيل القوة العسكرية دون تدميرها ماديًا.
السلاح الذي لا يرى يصبح أقل قيمة
قد تمتلك دولة منظومة دفاع جوي متقدمة جدًا، لكن إذا لم تحصل على معلومات موثوقة عن الأهداف التي تقترب منها، تصبح قدرتها أقل مما تشير إليه مواصفاتها.
وقد تمتلك وحدة مدفعية ذخائر ومدافع جاهزة، لكنها تحتاج إلى معلومات دقيقة عن موقع الخصم حتى تستخدمها بكفاءة. وقد تمتلك قوة برية مركبات متطورة، لكنها تحتاج إلى الاتصالات والتنسيق حتى تتحرك كقوة واحدة بدل أن تصبح مجموعة من الوحدات المنفصلة.
وهكذا أصبحت القوة العسكرية الحديثة شديدة الاعتماد على الشبكة التي تربط عناصرها ببعضها.
وهذه الشبكة قد تكون أحيانًا أكثر حساسية من السلاح نفسه.
الحرب الإلكترونية لا تعني دائمًا تدمير الأجهزة
عندما نتحدث عن الحرب الإلكترونية قد يتخيل البعض عملية معقدة تؤدي إلى تدمير أجهزة الخصم. لكن جزءًا كبيرًا من الفكرة يتعلق بمنع الأجهزة من العمل بالطريقة التي صممت لها.
يمكن أن يصبح الاتصال ضعيفًا أو متقطعًا، وقد تتعرض بعض الإشارات للتشويش، وقد تصبح أنظمة الملاحة أقل موثوقية، وقد تواجه الطائرات المسيّرة صعوبة في التواصل مع مشغليها.
في هذه الحالة لم تُدمَّر المنظومة.
لكنها أصبحت أقل فاعلية.
وهذا فرق مهم في اقتصاد الحرب. فإذا كان بإمكانك تقليل قدرة نظام باهظ الثمن باستخدام وسيلة أرخص، فقد حققت مكسبًا عسكريًا دون الحاجة إلى تدميره بالكامل.
مرة أخرى تظهر معادلة التكلفة التي أصبحت محورًا متكررًا في هذه السلسلة.
التشويش: عندما يصبح الهواء نفسه ساحة معركة
كلما زاد اعتماد الجيوش على الإشارات اللاسلكية والملاحة والاتصالات، زادت أهمية السيطرة على البيئة الكهرومغناطيسية.
الطرفان لا يتبادلان القذائف فقط، بل يتنافسان أيضًا على استخدام المجال الذي تمر عبره الإشارات.
إذا استطاع طرف أن يمنع خصمه من استخدام بعض الترددات أو يربك أنظمة معينة، فإنه لا يحتاج بالضرورة إلى إسقاط كل طائرة أو تدمير كل مركبة. يكفي أحيانًا أن يجعل استخدامها أكثر صعوبة وأقل دقة.
وهذا يفرض على الجيوش تطوير وسائل مقاومة التشويش، وبدائل للاتصال، وأنظمة أكثر قدرة على العمل بصورة مستقلة عندما تنقطع الشبكة.
وهنا نعود إلى فكرة التكيف التي ظهرت في المقال الرابع.
كل وسيلة تعطيل تنتج محاولة للتغلب عليها، وكل وسيلة للتغلب عليها تدفع الطرف الآخر إلى تطوير وسيلة جديدة.
عندما يصبح الاتصال نقطة ضعف
الاتصال يمنح الجيش قوة هائلة لأنه يسمح للقيادة بمعرفة ما يحدث في الجبهة وتوجيه الوحدات بسرعة. لكنه في الوقت نفسه يخلق اعتمادًا يمكن استهدافه.
كلما أصبحت القوات أكثر ترابطًا، أصبح فقدان جزء من هذه الشبكة قادرًا على التأثير في أجزاء أخرى منها.
وهذا يخلق مفارقة.
التكنولوجيا تجعل الجيش أكثر قدرة عندما تعمل الشبكة، لكنها قد تجعل الجيش أكثر اعتمادًا عليها عندما تتعطل.
ولهذا لا تستطيع الجيوش الحديثة الاكتفاء بشبكة اتصال واحدة. تحتاج إلى بدائل وطرق مختلفة لنقل المعلومات، وإلى وحدات قادرة على مواصلة بعض مهامها حتى عندما تنقطع عن القيادة المركزية.
فالقوة الحقيقية ليست في امتلاك شبكة ممتازة فقط، بل في القدرة على القتال عندما تفشل الشبكة.
اللامركزية تعود من باب التكنولوجيا
قد يبدو للوهلة الأولى أن التكنولوجيا تدفع نحو مركزية أكبر، لأن القيادة تستطيع رؤية عدد هائل من الوحدات وتوجيهها من مراكز متقدمة.
لكن الاعتماد الشديد على الاتصال يعيد إحياء قيمة اللامركزية.
إذا فقدت الوحدة اتصالها بمركز القيادة، فهل تتوقف؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد يتحول التشويش إلى وسيلة لتعطيل الجيش كله دون الحاجة إلى تدميره.
أما إذا كانت الوحدات قادرة على العمل وفق خطط واضحة واتخاذ قرارات محلية، فإن فقدان الاتصال لا يؤدي بالضرورة إلى انهيارها.
وهكذا تصبح حرية التصرف على المستوى الميداني وسيلة للحماية من الحرب الإلكترونية.
التكنولوجيا هنا لا تلغي الأساليب القديمة، بل تعيد اكتشاف قيمتها في ظروف جديدة.
الخداع المعلوماتي أخطر من مجرد إخفاء المعلومات
ليست الحرب على المعلومات مجرد محاولة لمنع الخصم من معرفة ما يحدث.
في بعض الحالات يكون الهدف هو جعله يعرف شيئًا خاطئًا.
قد تظهر إشارات توحي بوجود قوة في مكان معين، بينما تكون القوة الحقيقية في مكان آخر. وقد تظهر أهداف وهمية أو تحركات مصممة لجذب الانتباه. وقد تنتشر معلومات مضللة تجعل القيادة تعيد توزيع قواتها أو ذخائرها أو دفاعاتها.
وهنا يتحول مجال المعلومات إلى ساحة مشابهة لساحة المعركة التقليدية.
ليس السؤال فقط: ماذا يعرف الخصم؟
بل:
هل ما يعرفه صحيح؟
كثرة المعلومات قد تصبح عبئًا
كانت المشكلة في الحروب القديمة هي نقص المعلومات. أما الجيوش الحديثة فتواجه مشكلة مختلفة: فائض المعلومات.
المسيّرات ترسل صورًا، والرادارات تنتج إشارات، والأقمار الصناعية توفر بيانات، والوحدات الميدانية ترسل تقارير متواصلة.
لكن المعلومات لا تتحول تلقائيًا إلى معرفة.
يجب تحليلها وفرزها وربطها بالزمن والمكان والسياق.
وقد يكون الخصم قادرًا على استغلال هذا الفائض من خلال خلق عدد كبير من الإشارات والأهداف الوهمية، بحيث يصبح من الصعب معرفة أيها مهم وأيها غير مهم.
وهكذا يصبح الذكاء البشري والتنظيم الجيد مهمين بقدر أهمية أجهزة الاستشعار نفسها.
الحرب السيبرانية: ضرب البنية التي خلف الجبهة
تمتد هذه المعركة إلى ما وراء المعدات الموجودة في الميدان.
الجيوش تعتمد على أنظمة حاسوبية لإدارة الإمداد والصيانة والتخطيط والاتصالات والمعلومات. والاقتصاد الذي يدعم الجيش يعتمد بدوره على شبكات رقمية واسعة.
ولهذا يمكن أن يصبح المجال السيبراني جزءًا من الحرب دون أن يكون الهدف دبابة أو طائرة.
يمكن أن تكون الغاية تعطيل تدفق المعلومات أو إرباك أنظمة الإدارة أو التأثير في القدرة على تنسيق العمليات.
لكن من الخطأ تصور الحرب السيبرانية كسلاح سحري يستطيع بمفرده إسقاط دولة كاملة. الأنظمة الحديثة عادة ما تكون متعددة الطبقات، وتملك نسخًا احتياطية وإجراءات بديلة، كما أن نتائج الهجمات السيبرانية قد تكون محدودة أو مؤقتة.
قيمتها الحقيقية تظهر عندما تستخدم ضمن منظومة أوسع من الضغط العسكري والاستخباراتي والاقتصادي.
الحرب الإلكترونية تعيد تعريف مفهوم القوة
في الماضي كان من السهل نسبيًا النظر إلى قوة الجيش من خلال عدد الطائرات والدبابات والمدافع والسفن.
أما اليوم فإن هذه الأرقام لا تخبرنا بالقصة كاملة.
يجب أن نسأل أيضًا: كيف ترى هذه القوة؟ كيف تتصل؟ كيف تحصل على المعلومات؟ كيف تحافظ على الملاحة؟ ماذا يحدث إذا تعرضت شبكاتها للتشويش؟ هل تستطيع وحداتها العمل بصورة مستقلة؟ وهل تستطيع استعادة الاتصال بسرعة؟
قد يكون جيشان متساويين تقريبًا في عدد المنصات، لكن أحدهما يمتلك قدرة أفضل بكثير على الحفاظ على شبكته تحت الضغط.
عندها يصبح التفوق في المعلومات جزءًا من التفوق العسكري نفسه.
لماذا لا يمكن الاعتماد على التكنولوجيا وحدها؟
المفارقة أن محاولة جعل الجيش أكثر ذكاءً قد تجعله أكثر تعقيدًا.
كل نظام جديد يضيف قدرة، لكنه يضيف أيضًا اعتمادًا جديدًا ومكوّنات جديدة تحتاج إلى حماية وصيانة وتحديث.
ولهذا فإن الجيش الذي يملك أحدث التقنيات ليس بالضرورة الجيش الأكثر قدرة على الصمود.
القوة الحقيقية هي التي تستطيع استخدام التكنولوجيا عندما تكون متاحة، وتملك بدائل عندما تتعطل، وتستطيع العودة إلى أساليب أبسط عندما تفرض الحرب ذلك.
فاللاسلكي قد يتعطل، لكن الوحدة تحتاج إلى وسيلة أخرى للاتصال. ونظام الملاحة قد يتعرض للتشويش، لكن القوة لا يمكن أن تتوقف. وشبكة القيادة قد تنقطع، لكن القرار العسكري يجب أن يستمر.
من تدمير السلاح إلى تعطيل وظيفته
وهنا نصل إلى واحدة من أهم نتائج هذا التحول.
لم تعد الحرب تحتاج دائمًا إلى تدمير الشيء حتى تمنع تأثيره.
يمكن أن يكون الهدف هو تعطيل وظيفته.
الطائرة التي لا تستطيع الحصول على المعلومات المناسبة ليست مساوية لطائرة تعمل في بيئة معلوماتية مستقرة. والمدفعية التي لا تحصل على إحداثيات دقيقة ليست مساوية للمدفعية التي تستطيع تحديد هدفها بسرعة. والوحدة التي لا تستطيع التواصل مع جيرانها ليست مساوية لوحدة تتحرك ضمن شبكة متماسكة.
وهذا يفتح بابًا جديدًا في معادلة الاستنزاف.
فبدل أن تسأل فقط: كم قطعة سلاح دمرت؟
يمكن أن تسأل:
كم قطعة سلاح جعلت غير قادرة على أداء مهمتها؟
هذا القياس قد يكون أكثر أهمية في بعض مراحل الحرب من عدد المعدات المدمرة فعليًا.
الجيوش التي تتعلم القتال وسط التشويش
كما أصبحت الجيوش تتعلم كيف تختبئ من الاستطلاع، أصبحت تحتاج إلى التعلم كيف تقاتل عندما لا تكون معلوماتها كاملة.
وهذا يعني التدريب في ظروف الاتصالات المتقطعة، والاعتماد على بدائل متعددة، وتوزيع القرار، والاستعداد للعمل في بيئة لا تكون فيها صورة المعركة واضحة.
فالحرب الحديثة لا تقدم للجيش شاشة كاملة تعرض كل شيء.
على العكس، قد يحاول كل طرف أن يجعل شاشة خصمه أكثر غموضًا.
وفي النهاية تصبح القوة العسكرية مزيجًا من القدرة على الرؤية، والقدرة على منع الخصم من الرؤية، والقدرة على اتخاذ القرار حتى عندما تصبح الرؤية ناقصة.
الحرب التي لا تدمر السلاح قد تعطل الجيش
بهذا المعنى، توسعت فكرة الاستنزاف التي بدأنا بها في هذه السلسلة.
الاستنزاف ليس فقط تدمير الدبابات والطائرات والمدافع واستهلاك الذخائر. يمكن أن يكون استنزافًا للاتصالات، والمعلومات، والوقت، والقدرة على التنسيق، والثقة في البيانات.
وقد يستطيع الجيش الذي يحتفظ بمعظم معداته أن يجد نفسه أقل قدرة على استخدامها مما كان عليه قبل أشهر.
وهكذا يصبح السؤال في الحرب الحديثة أكثر تعقيدًا من مجرد: من يملك أسلحة أكثر؟
السؤال الحقيقي هو:
من يستطيع إبقاء منظومته القتالية تعمل عندما يحاول الخصم تفكيكها من الداخل؟
وهنا نقترب من طبقة أخرى من الحرب. فحتى إذا بقيت الاتصالات والمعلومات والقيادة تعمل، فإن الجيش يحتاج إلى نقل الوقود والذخيرة وقطع الغيار والطعام والمعدات باستمرار إلى الوحدات المنتشرة. ومع اتساع الجبهة وطول الحرب، تصبح اللوجستيات نفسها هدفًا ومعركة مستقلة.
ومن هنا ننتقل إلى السؤال التالي: ماذا يحدث عندما لا تكون المشكلة في امتلاك السلاح، بل في إيصال ما يحتاجه إلى المكان الذي يقاتل فيه؟