الصين وقرن الاهانة: لن نُذل مرة أخرى: كيف تحولت الذاكرة إلى عقيدة دولة

من ذاكرة الهزيمة إلى مشروع القوة: كيف أصبحت تجربة الضعف جزءًا من الطريقة التي تنظر بها الصين إلى الدولة والأمن والمستقبل؟

في المقال السابق لم تكن القضية أن الصين تعرضت لسلسلة طويلة من الهزائم والتدخلات الأجنبية فحسب، بل أن هذه الأحداث تحولت مع الزمن إلى ذاكرة وطنية متماسكة. فقد أصبحت حروب الأفيون، والمعاهدات غير المتكافئة، وفقدان أجزاء من الأراضي، والتدخلات الأجنبية، وهزيمة الصين أمام اليابان، والغزو الياباني، وغيرها، تُقرأ بوصفها فصولًا مختلفة من تجربة واحدة: تجربة دولة فقدت قدرتها على تقرير مصيرها.

لكن الذاكرة وحدها لا تبني دولة. يمكن لأمة أن تتذكر الهزيمة قرنًا كاملًا دون أن يتغير شيء في حاضرها. السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا تفعل الدولة بهذه الذاكرة؟

هنا تبدأ مرحلة مختلفة في التجربة الصينية. فإذا كانت المشكلة في الماضي هي أن الصين كانت ضعيفة، وأن ضعفها جعل الآخرين قادرين على فرض شروطهم عليها، فإن الدرس السياسي الممكن استخراجه من تلك التجربة يصبح واضحًا: لا يكفي أن تتذكر الصين ما حدث؛ يجب ألا تعود إلى الحالة التي جعلت ما حدث ممكنًا.

وهكذا تبدأ الجملة التي يمكن أن تختصر التحول كله: لن نُذل مرة أخرى.

هذه ليست بالضرورة عقيدة مكتوبة في وثيقة واحدة تحمل هذا الاسم. وإنما هي منطق يتكرر عبر الخطاب السياسي والتاريخي والأمني: السيادة تحتاج إلى قوة، والوحدة تحتاج إلى دولة قوية، والاستقلال يحتاج إلى قدرة على الاعتماد على الذات، والنهضة تحتاج إلى امتلاك أدوات القوة التي لم تكن الصين تمتلكها عندما تعرضت للإذلال.

ومن هنا تتحول الذاكرة من النظر إلى الماضي إلى بناء المستقبل.


من سؤال «ماذا حدث لنا؟» إلى سؤال «كيف نمنع حدوثه مرة أخرى؟»

كانت المرحلة الأولى من الوعي الصيني سؤالًا مؤلمًا: لماذا هُزمنا؟ ثم أصبح السؤال: لماذا أصبحنا ضعفاء؟ ثم، بعد تراكم الهزائم والتجارب، ظهر سؤال أكثر عملية: كيف نبني دولة لا يستطيع الآخرون التعامل معها بالطريقة نفسها؟

هذا التحول مهم للغاية. فالدولة التي تنظر إلى الهزيمة بوصفها حادثًا عسكريًا قد تفكر في تطوير جيشها فقط. أما الدولة التي تنظر إليها بوصفها نتيجة لضعف شامل، فقد ترى أن الجيش ليس إلا جزءًا من المشكلة. وهذا هو المعنى الأوسع الذي بدأ يظهر في التجربة الصينية: القوة ليست سلاحًا فقط.

القوة هي اقتصاد قادر على تمويل الدولة، وصناعة قادرة على إنتاج ما تحتاج إليه، ومؤسسات قادرة على تنفيذ القرارات، وتعليم قادر على إنتاج المعرفة، وتكنولوجيا لا تجعل الدولة رهينة للآخرين، وجيش قادر على حماية الحدود والمصالح، ودولة مركزية قادرة على الحفاظ على وحدتها. 

ولهذا لم يكن الوصول إلى الصين القوية مجرد مشروع عسكري. كان مشروع إعادة بناء الدولة نفسها. وهذه النقطة ستصبح أساسية لفهم العقود التالية.


1949: «الوقوف» قبل «النهضة»

عندما تأسست جمهورية الصين الشعبية عام 1949، لم يكن الخطاب السياسي الجديد يتعامل مع التاريخ وكأن كل شيء قد انتهى. كانت الفكرة الأساسية أن مرحلة طويلة من الضعف والتفكك والتدخل الأجنبي قد انتهت، وأن الصين أصبحت قادرة مرة أخرى على إدارة شؤونها من دولة مركزية واحدة. وهذا المعنى ظهر مبكرًا في الخطاب الرسمي.

ففي خطاب ماو تسي تونغ قبيل تأسيس الجمهورية، ارتبط قيام الدولة الجديدة بفكرة أن الصين لن تبقى أمة خاضعة للإهانة. وتظهر هذه الفكرة لاحقًا بصورة أكثر وضوحًا في سردية «الوقوف» ثم «الثراء» ثم «القوة».

لكن «الوقوف» لا يعني أن الصين أصبحت قوية بالمعنى الذي نعرفه اليوم. كان هناك فرق هائل بين استعادة الدولة لسيادتها السياسية وبين امتلاكها القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية التي تجعل هذه السيادة محصنة.

وهنا تكمن أهمية العقود التالية. فالصين لم تبدأ من موقع قوة تنتظر فقط أن تستخدمها. كانت لا تزال دولة فقيرة، معزولة نسبيًا، متأخرة صناعيًا وتقنيًا، وتواجه بيئة دولية شديدة الصعوبة. لذلك كان عليها أن تبني القوة نفسها. وهذه هي النقطة التي تجعل «عدم تكرار الإهانة» مشروعًا طويل المدى وليس مجرد شعار.


القوة ليست للانتقام من الماضي

هنا تظهر نقطة شديدة الأهمية في فهم المسار الصيني. من السهل جدًا قراءة التاريخ بهذه الصيغة: تعرضت الصين للإذلال، ولذلك تريد الانتقام. لكن هذه الصيغة أبسط من أن تفسر التجربة كلها. فما يظهر في الخطاب الرسمي الصيني ليس مشروعًا معلنًا لإعادة إنتاج الماضي بصورة انتقامية، بل لغة مختلفة نسبيًا: النهضة، استعادة القوة، السيادة، الوحدة، التنمية، والاستقلال.

فعندما طرح شي جين بينغ مفهوم «الحلم الصيني» عام 2012، ربطه بصورة مباشرة بـ«النهضة العظيمة للأمة الصينية»، وربط الماضي المؤلم بالانتقال إلى مستقبل تصبح فيه الصين صاحبة قرارها ومصيرها.

وفي خطاب أمام المجلس الوطني لنواب الشعب عام 2023، صيغت الرواية الرسمية بصورة أكثر مباشرة: الصين، وفق هذا الخطاب، انتقلت من «الوقوف» إلى «الازدهار» ثم إلى «القوة»، وأصبحت النهضة الوطنية هي المهمة التاريخية للمرحلة المقبلة.

إذن، في الصياغة الرسمية، لا تبدو الغاية الأساسية: «سنفعل بالآخرين ما فعلوه بنا.» بل: «لن نعود إلى الحالة التي جعلت الآخرين قادرين على فعل ذلك بنا.» وهذا فرق كبير.

لكن الفرق لا يعني أن استخدام الذاكرة لا يمكن أن ينتج قومية أكثر حدة أو مواقف أكثر تشددًا في بعض القضايا. الباحثون يختلفون أصلًا في تفسير العلاقة بين ذاكرة الإهانة والقومية والسياسة الخارجية الصينية. ولذلك من الأدق أن نقول إن الذاكرة أصبحت أحد مصادر تصور الصين للأمن والسيادة والقوة، لا أن نفترض أنها تفسر كل سلوك صيني في الخارج.


لماذا أصبحت «القوة» مسألة أمن قومي؟

إذا عدنا إلى المقال الثاني، سنجد أن المشكلة التي اكتشفتها الصين في القرن التاسع عشر لم تكن مجرد نقص في الأسلحة. كانت المشكلة أن العالم الحديث أصبح قادرًا على تحويل الصناعة والعلم والمال والإدارة إلى قوة عسكرية وسياسية. ولهذا يصبح درس القرن السابق أكثر عمقًا: الدولة الضعيفة لا تستطيع ضمان استقلالها بمجرد إعلان استقلالها. قد تكون لديها سيادة قانونية، لكنها إذا كانت عاجزة اقتصاديًا أو عسكريًا أو تقنيًا، فإن قدرتها الفعلية على حماية هذه السيادة تكون محدودة.

وهذه الفكرة تظهر بوضوح في الوثائق الدفاعية الصينية الحديثة. فالورقة الصينية للاستراتيجية العسكرية عام 2015 ربطت بناء دفاع وطني قوي بتحديث الدولة، واعتبرت حماية السيادة والأمن ومصالح التنمية أهدافًا أساسية للقوات المسلحة. كما ربطت «الحلم الصيني» ببناء دولة قوية وجيش قوي.

وفي قانون الدفاع الوطني الصيني المعدل عام 2020، ترتبط الدفاعات الوطنية رسميًا بحماية السيادة والوحدة وسلامة الأراضي والأمن ومصالح التنمية، ويُذكر «الاعتماد على الذات» ضمن مبادئ بناء الدفاع الوطني. هنا نرى كيف تحولت الذاكرة التاريخية إلى منطق مؤسسي: الضعف في الماضي → فقدان القدرة على حماية السيادة → ضرورة بناء القوة.


من «لا نُذل» إلى «لا نعتمد»

لكن القوة العسكرية وحدها لا تحل المشكلة. إذا كانت إحدى دروس القرن التاسع عشر هي أن الصين لم تكن قادرة على مجاراة التحول الصناعي والتكنولوجي العالمي، فإن الاعتماد الكامل على الخارج في الأدوات الحيوية يمكن أن يعيد إنتاج جزء من المشكلة بطريقة جديدة. وهنا يظهر مفهوم آخر ملازم لفكرة النهضة: الاعتماد على الذات. 

ليس المقصود بالضرورة الانعزال عن العالم. وهذه نقطة مهمة لأن الصين بعد إصلاحات دنغ شياو بينغ لم تسلك طريق الانغلاق، بل فعلت العكس تقريبًا: فتحت اقتصادها، استقبلت الاستثمار والتكنولوجيا، وتوسعت تجارتها مع العالم. لكن الانفتاح شيء، والارتهان شيء آخر. يمكن لدولة أن تتاجر مع العالم وتتعلم منه، وفي الوقت نفسه تسعى إلى ألا تصبح عاجزة إذا قرر طرف خارجي قطع إمداد حيوي أو تكنولوجيا أساسية عنها.

ولهذا أصبح بناء القدرات المحلية جزءًا من مفهوم القوة. وهو ما يفسر لاحقًا اهتمام الصين بالصناعة والتكنولوجيا والفضاء والاتصالات والطاقة والإلكترونيات وغيرها. سيظهر هذا الموضوع بقوة أكبر في مقالات لاحقة، لكنه يبدأ هنا كفكرة: إذا كان الاعتماد على الآخرين قد جعل الصين ضعيفة في الماضي، فلا ينبغي أن تصبح حاجتها إلى الآخرين نقطة اختناق دائمة في المستقبل.


الوحدة ليست مجرد شعار سياسي

هناك درس آخر خرج من القرن الطويل. الصين لم تتعرض للهزائم الخارجية وهي دولة مستقرة وموحدة وقوية تمامًا. بل تزامنت التدخلات الخارجية مع صراعات داخلية، وسقوط أسرة، وحروب أهلية، وتنافس بين مراكز القوة، ثم حرب مع اليابان، ثم حرب أهلية جديدة. ولهذا أصبح مفهوم الوحدة مرتبطًا بالقوة في الذاكرة السياسية الصينية. ليس المقصود أن كل مشكلة تاريخية يمكن اختزالها في «عدم الوحدة»، فهذا سيكون تبسيطًا للتاريخ.

لكن في التصور الرسمي الحديث، أصبحت وحدة الدولة وسلامة أراضيها جزءًا من الأمن القومي، وليست مجرد مسألة رمزية. وتربط الوثائق الدفاعية الصينية بين حماية السيادة والوحدة وسلامة الأراضي وبين مهمة القوات المسلحة.

ومن هنا يمكن فهم سبب الحساسية الشديدة تجاه القضايا التي تعتبرها بكين مرتبطة بالسيادة أو الانفصال أو التدخل الخارجي. إنها ليست قضايا منفصلة تمامًا عن الذاكرة التاريخية. في التصور الصيني الرسمي، التاريخ يقول إن الدولة المجزأة أو الضعيفة تكون أكثر تعرضًا للضغط الخارجي. ولذلك يصبح الحفاظ على الوحدة جزءًا من منع تكرار التاريخ.


«النهضة» هي الوجه الآخر لـ«الإهانة»

ربما تكون هذه هي أهم نقطة في المقال كله. «قرن الإهانة» وحده لا يكفي لفهم الصين الحديثة. لأن الرواية لا تتوقف عند: لقد عانينا. بل تكمل: لقد كنا ضعفاء، ثم بدأنا ننهض. ولهذا فإن «النهضة العظيمة للأمة الصينية» ليست مجرد عبارة إيجابية منفصلة عن التاريخ السابق. إنها، في جزء كبير من بنيتها، النقيض التاريخي للإهانة.

  • إذا كان الماضي هو: ضعف → تدخل → فقدان سيادة → فقر → تفكك،
  • فإن المشروع المقابل يصبح: قوة → سيادة → وحدة → تنمية → مكانة دولية.

وقد أصبحت هذه العلاقة واضحة في الخطاب السياسي الصيني منذ طرح «الحلم الصيني» في 2012. وتوضح دراسات أكاديمية أن مفهوم النهضة الكبرى يعمل بوصفه سردية تجمع الماضي المتألم بالمستقبل المرغوب، وتربط التحول من الماضي المهين إلى المستقبل المزدهر بفكرة الطريق الصيني والوحدة والقوة الوطنية. وبذلك لم تعد الذاكرة مجرد متحف. أصبحت خريطة طريق.


لكن الذاكرة لا تتحول تلقائيًا إلى سياسة واحدة

وهنا يجب أن نتوقف حتى لا نقع في تفسير ميكانيكي. ليس كل صيني ينظر إلى التاريخ بالطريقة نفسها، وليس كل سياسة صينية يمكن تفسيرها بقرن الإهانة. حتى داخل الخطاب الرسمي نفسه تغير التركيز عبر العقود.

كما أن الباحثين يناقشون باستمرار مدى تأثير هذه الذاكرة في القومية والسلوك الخارجي، وهل تؤدي أساسًا إلى الحذر الأمني، أم إلى القومية، أم إلى تبرير قوة الدولة، أم إلى مزيج من ذلك كله. وتشير دراسات حديثة أيضًا إلى أن الرواية التاريخية الصينية نفسها ليست ثابتة؛ فهي تتغير، وتعيد ترتيب بعض الفترات والشخصيات والأحداث بحسب احتياجات الحاضر.

ولهذا لا ينبغي أن ننتقل من: «الصين تتذكر الإهانة» إلى: «كل ما تفعله الصين سببه الانتقام من الإهانة». هذه قفزة لا يثبتها التاريخ. الأدق هو القول إن هذه الذاكرة أصبحت إطارًا من أطر فهم الأمن والسيادة والنهضة، إلى جانب عوامل أخرى كثيرة: الجغرافيا، الاقتصاد، بنية النظام الدولي، مصالح الدولة، الصراع على التكنولوجيا، الأمن الإقليمي، والسياسة الداخلية. وهذا يجعل الصورة أكثر تعقيدًا، لكنه يجعلها أيضًا أكثر فائدة.


من الذاكرة إلى مؤسسات الدولة

وهنا نصل إلى التحول الحقيقي. عندما تبقى الذاكرة في الكتب والمتاحف، فهي ذاكرة. لكن عندما تدخل إلى:

  • التعليم،
  • والخطاب الرسمي،
  • والدفاع الوطني،
  • والسياسات الصناعية،
  • والتخطيط الاقتصادي،
  • والتكنولوجيا،
  • والجيش،
  • والأمن القومي،
  • والتصور الرسمي لمكانة الدولة،

فإنها تصبح جزءًا من منظومة الدولة. ولا يعني ذلك وجود وثيقة واحدة تقول: «عقيدة الصين هي عدم التعرض للإهانة مرة أخرى». الأمر أكثر تعقيدًا. إنها شبكة من الأفكار المتكررة التي تتقاطع عند نقطة واحدة تقريبًا: الصين يجب ألا تعود إلى موقع الدولة التي لا تستطيع حماية نفسها أو تقرير مصيرها. ولهذا نجد في الوثائق الحديثة تكرارًا لمفاهيم مثل السيادة، والأمن، والتنمية، والوحدة، والدفاع الوطني، والاعتماد على الذات، والتحديث العسكري.

وفي تقرير المؤتمر العشرين للحزب عام 2022، جرى وصف تحديث الدفاع والجيش ورفع قدرتهما إلى مستوى «عالمي» بوصفه مهمة استراتيجية مرتبطة ببناء الدولة الحديثة وحماية السيادة والأمن ومصالح التنمية. هنا اكتملت الدائرة تقريبًا.

  • الحدث التاريخي أصبح ذاكرة.
  • والذاكرة أصبحت تفسيرًا للضعف.
  • وتفسير الضعف أصبح درسًا.
  • والدرس أصبح هدفًا.
  • والهدف أصبح مؤسسات وسياسات.


القوة التي لا تريد أن تعود إلى الماضي

وهنا تصبح الصين الحديثة أكثر إثارة للاهتمام. فالمسألة لم تعد: هل تتذكر الصين قرن الإهانة؟ نعم، الذاكرة موجودة بوضوح في الخطاب الرسمي والتعليمي والسياسي. السؤال الأهم أصبح: ماذا تريد الصين أن تفعل بهذه الذاكرة؟ هناك قراءة ترى أن الغاية الأساسية هي استعادة المكانة والسيادة ومنع تكرار الضعف.

وهناك قراءات أخرى تحذر من أن ذاكرة الضحية يمكن أن تغذي قومية أكثر حدة أو أن تستخدم لتبرير سياسات أكثر تشددًا، خصوصًا عندما ترتبط بقضايا السيادة والوحدة والتنافس مع القوى الكبرى. وهذه خلافات حقيقية في الأدبيات، وليست شيئًا ينبغي أن نحسمه داخل السرد التاريخي لصالح تفسير واحد.

لكن ما يهمنا في هذه السلسلة هو شيء أعمق: الصين لم تكتفِ بتذكر سبب سقوطها. لقد حاولت أن تستخلص من ذلك تعريفًا للقوة التي تحتاج إليها. ومن هنا يمكن فهم المسار الطويل الذي سنراه بعد ذلك: لم يكن المطلوب فقط أن تصبح الصين دولة مستقلة سياسيًا. كان عليها أن تصبح:

  • دولة صناعية.
  • ثم دولة غنية.
  • ثم دولة تملك التكنولوجيا.
  • ثم دولة تملك جيشًا حديثًا.
  • ثم دولة تستطيع حماية مصالحها.
  • ثم دولة لا يكون اقتصادها أو أمنها أو مستقبلها مرهونًا بالكامل بقرار قوة خارجية.

وبذلك تتحول عبارة «لن نُذل مرة أخرى» من رد فعل على الماضي إلى مشروع طويل لبناء القدرة.


خاتمة المرحلة: الذاكرة أصبحت مشروعًا

كان «قرن الإهانة» في البداية مجموعة هزائم وتجارب مؤلمة.

  • ثم أصبح ذاكرة.
  • ثم أصبحت الذاكرة قصة وطنية.
  • ثم أصبحت القصة تفسيرًا لسؤال: لماذا كانت الصين ضعيفة؟
  • ثم أصبح التفسير درسًا: الضعف يجعل السيادة قابلة للاختراق.

ومن هنا ظهر الاستنتاج التالي: 

  • لا يكفي أن نمتلك دولة؛ يجب أن نمتلك دولة قوية.
  • ولا يكفي أن تكون لدينا سيادة قانونية؛ يجب أن نمتلك الوسائل التي تحميها.
  • ولا يكفي أن نتعلم من الآخرين؛ يجب أن نصل في مرحلة ما إلى القدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والقوة بأنفسنا.
  • ولا يكفي أن نخرج من الفقر؛ يجب أن نمتلك قاعدة اقتصادية تجعل الدولة أقل تعرضًا للضغط.

وهكذا أصبح الماضي يعمل بطريقة مختلفة. لم يعد الماضي يقول فقط: «لقد أُهينّا.» بل بدأ يقول: «كان سبب الإهانة أننا لم نكن أقوياء بما يكفي.» وهذه الجملة، إذا أخذناها إلى نهايتها المنطقية، تفتح الباب أمام المشروع الصيني كله. فإذا كانت القوة هي الحل، يبقى السؤال الأصعب: كيف تصبح دولة فقيرة ومتأخرة قوة كبرى؟

  • هل تبدأ بالجيش؟
  • أم بالصناعة؟
  • أم بالاقتصاد؟
  • أم بإصلاح الدولة؟
  • أم بالانفتاح على العالم والتعلم منه؟
  • أم ببناء نموذج مختلف تمامًا؟

هنا تبدأ المرحلة الأكثر إثارة في القصة. فبعد أن عرفت الصين لماذا كانت ضعيفة، وبعد أن قررت أن الضعف يجب ألا يتكرر، كان عليها أن تختار الطريق الذي سيخرجها من الضعف أصلًا.

وهذا هو السؤال الذي سننتقل إليه في المقال السادس: كيف قررت الصين أن تصبح قوية؟

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.