كيف يمكن لدولة غنية أن تفشل في الحفاظ على غناها؟
هناك دول فقيرة لأنها لا تملك موارد كافية، ودول أخرى فقيرة لأنها لم تستطع استغلال مواردها. لكن فنزويلا تقدم حالة أكثر غرابة: دولة تمتلك واحدة من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وكانت في وقت من الأوقات من أغنى دول أمريكا اللاتينية، ثم شهد اقتصادها انهيارًا جعل ملايين الناس يعيشون في الفقر، ودفعت الأزمة ملايين الفنزويليين إلى مغادرة البلاد.
لهذا تبدو قصة فنزويلا للوهلة الأولى كأنها مفارقة مستحيلة. كيف يمكن لدولة تملك هذا القدر من النفط أن تعاني من نقص الغذاء والدواء والعملات الأجنبية؟ وكيف يمكن لبلد كان يستقبل المهاجرين أن يصبح بلدًا يهرب منه الملايين؟
لكن المفارقة تختفي عندما ننظر إلى الاقتصاد باعتباره نظامًا كاملًا، لا باعتباره مجموعة من الموارد الطبيعية. فنزويلا لم تفقد النفط، لكنها بنت اقتصادًا يعتمد عليه إلى درجة جعلت أي خلل في قطاع النفط يتحول إلى خلل في الدولة كلها. ثم جاءت سياسات زادت من هذا الاعتماد، وأزمات سياسية واقتصادية أضعفت الإنتاج، حتى أصبحت البلاد تدخل في دائرة يصعب الخروج منها.
النفط الذي صنع دولة جديدة
قبل عصر النفط كانت فنزويلا دولة زراعية فقيرة نسبيًا. ثم بدأ النفط يغير كل شيء.
تدفقت العائدات النفطية، وبدأت الحكومة تمتلك مصدرًا ضخمًا من العملات الأجنبية تستطيع من خلاله تمويل البنية التحتية والتعليم والصحة والطرق والكهرباء والمشروعات العامة. توسعت المدن، وارتفع مستوى المعيشة، وأصبحت فنزويلا مقصدًا للمهاجرين من أوروبا وأمريكا اللاتينية.
لم يعد الاقتصاد يعتمد على إنتاج المجتمع وحده، بل أصبحت الدولة قادرة على الحصول على جزء هائل من دخلها من استخراج مورد موجود تحت الأرض.
وهنا ظهرت أول مشكلة لم تكن واضحة في البداية: عندما تكون الدولة قادرة على تمويل نفسها بالنفط، فإنها لا تصبح مضطرة بالدرجة نفسها إلى بناء اقتصاد ضخم ومتنوع خارج النفط.
فبدل أن يكون النفط جزءًا من الاقتصاد، بدأ الاقتصاد كله يدور تدريجيًا حول النفط.
عندما يصبح المورد أهم من المجتمع
يمكن للنفط أن يمول دولة غنية جدًا، لكنه لا يخلق تلقائيًا اقتصادًا متنوعًا.
فالنفط يحتاج إلى عدد محدود نسبيًا من العمال مقارنة بحجم الإيرادات التي يولدها، بينما تحتاج الزراعة والصناعة والخدمات إلى قاعدة واسعة من الشركات والعمال والاستثمارات والأسواق.
وهكذا يمكن أن يحدث شيء غريب: ترتفع إيرادات الدولة بسرعة، بينما لا ترتفع الإنتاجية في بقية الاقتصاد بالسرعة نفسها.
وإذا أصبحت الدولة توزع جزءًا كبيرًا من العائدات النفطية على المجتمع، فإن مستوى المعيشة يمكن أن يرتفع حتى دون وجود اقتصاد متنوع قادر على إنتاج الثروة نفسها.
وهنا يصبح السؤال:
ماذا يحدث عندما ينخفض سعر النفط؟
كانت فنزويلا ستتعلم الإجابة على هذا السؤال مرارًا.
درس السبعينيات
في السبعينيات ارتفعت أسعار النفط بصورة كبيرة، وازدادت الإيرادات الفنزويلية إلى مستويات ضخمة. وفي عام 1976 أممت الحكومة صناعة النفط وأنشأت شركة النفط الوطنية "بتروليوس دي فنزويلا"، المعروفة باسم PDVSA.
كان التأميم في حد ذاته لا يعني أن الانهيار أصبح حتميًا. فالدولة تستطيع امتلاك شركة نفط ناجحة، وهناك دول عديدة تدير شركات نفطية حكومية بكفاءة.
المشكلة كانت في كيفية استخدام العائدات وما إذا كانت الدولة ستستغل الوفرة لبناء اقتصاد قادر على الاستمرار بعد انتهاء الطفرة.
كان هناك حديث عن ضرورة "زرع النفط"، أي تحويل عائدات النفط إلى استثمارات في الصناعة والزراعة والبنية التحتية والتعليم والاقتصاد المنتج.
لكن جزءًا كبيرًا من المشكلة كان أن النفط أصبح يمول الإنفاق بدل أن يكون أداة لبناء اقتصاد أقل اعتمادًا عليه.
وعندما تراجعت أسعار النفط في الثمانينيات، ظهرت هشاشة النموذج.
بدأت الإيرادات تنخفض، وازدادت الضغوط على العملة والمالية العامة، ودخل الاقتصاد في مرحلة طويلة من التباطؤ وعدم الاستقرار.
دولة تعيش على دورة النفط
المشكلة لم تكن انخفاض النفط مرة واحدة، بل أن الاقتصاد أصبح يتحرك في دورة متكررة.
عندما يرتفع سعر النفط، ترتفع الإيرادات، فتزيد الحكومة الإنفاق، وتزداد الواردات، ويتوسع الاستهلاك، ويشعر المجتمع بالازدهار.
وعندما ينخفض النفط، تختفي العملات الأجنبية، وتتعرض الحكومة للضغط، وتتراجع القدرة على تمويل الإنفاق والواردات، ويبدأ الاقتصاد في الانكماش.
ثم يعود النفط إلى الارتفاع، فتبدأ الدورة من جديد.
هذه الدورة تجعل الاقتصاد يبدو أكثر ثراءً مما هو عليه في بعض سنوات الازدهار، وأكثر فقرًا مما ينبغي في سنوات الانهيار.
والأخطر أن سنوات الارتفاع قد تشجع الحكومة على بناء التزامات دائمة اعتمادًا على إيرادات مؤقتة.
فمن السهل زيادة الرواتب والدعم والمشروعات عندما يكون سعر النفط مرتفعًا، لكن من الصعب سياسيًا التراجع عنها عندما ينخفض.
وهنا يتحول النفط من مصدر للثروة إلى مصدر لعدم الاستقرار.
لماذا ظهر تشافيز؟
عندما وصل هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999، لم يكن يدخل دولة مستقرة ومزدهرة بلا مشاكل.
كانت فنزويلا قد عانت بالفعل من عقود من عدم الاستقرار الاقتصادي، ومن التفاوت الاجتماعي، ومن فقدان قطاعات واسعة من المجتمع الثقة بالنخب السياسية التقليدية.
ولهذا فإن القول إن تشافيز "خلق" المشكلة من الصفر لا يصمد أمام التاريخ.
لقد جاء إلى نظام يعاني من مشاكل حقيقية، واستطاع أن يستثمر الغضب الشعبي تجاه الطبقة السياسية التقليدية.
لكن وصول تشافيز فتح مرحلة جديدة.
النفط يمول الثورة
في بداية حكم تشافيز لم تكن فنزويلا تملك الموارد الهائلة التي ستظهر لاحقًا. ثم تغير الوضع مع ارتفاع أسعار النفط في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
فجأة أصبح لدى الحكومة أموال ضخمة.
استخدم تشافيز جزءًا كبيرًا منها في برامج اجتماعية واسعة، ونجحت هذه البرامج بالفعل في تحسين أوضاع قطاعات فقيرة من المجتمع خلال سنوات الازدهار.
وهنا يجب تجنب القراءة الأيديولوجية السهلة.
لم تكن كل سياسات تشافيز الاجتماعية مجرد تبديد للمال. فقد استفاد منها ملايين الفنزويليين، وانخفضت معدلات الفقر في فترات معينة، وتحسن الوصول إلى بعض الخدمات.
لكن المشكلة كانت في السؤال الذي سيظهر لاحقًا:
هل كانت هذه المكاسب مبنية على اقتصاد أكثر إنتاجية، أم على ارتفاع استثنائي في عائدات النفط؟
الإجابة كانت تميل بشكل متزايد إلى الاحتمال الثاني.
عندما تضعف الصناعة ويزداد الاعتماد
كلما ازدادت عائدات النفط، أصبح استيراد المنتجات الأجنبية أسهل.
وهذا يبدو جيدًا للمستهلك في البداية. تستطيع الدولة توفير الغذاء والسلع والآلات والأدوية باستخدام العملات التي تحصل عليها من بيع النفط.
لكن هذا يخلق مشكلة طويلة الأجل.
إذا أصبح استيراد السلع أسهل من إنتاجها محليًا، تبدأ قطاعات من الصناعة والزراعة بفقدان قدرتها التنافسية.
وهكذا يصبح الاقتصاد أكثر اعتمادًا على النفط من أجل تمويل الواردات، بينما تتراجع قدرة الاقتصاد غير النفطي على توليد العملات الأجنبية.
تتشكل دائرة خطيرة:
النفط يمول الواردات، والواردات تضعف الإنتاج المحلي، وضعف الإنتاج يزيد الاعتماد على النفط.
ومع مرور السنوات يصبح كسر هذه الدائرة أكثر صعوبة.
التأميم والرقابة
مع مرور الوقت، توسع تدخل الدولة في الاقتصاد. جرى تأميم قطاعات وشركات، وفرضت قيود على الأسعار والعملات، وتزايدت سيطرة الحكومة على قطاعات اقتصادية مهمة.
يمكن تبرير بعض هذه السياسات سياسيًا باعتبارها محاولة لإعادة توزيع الثروة أو حماية الفقراء أو استعادة السيطرة على الموارد الوطنية.
لكن المشكلة الاقتصادية تظهر عندما تصبح الشركات غير قادرة على العمل وفق إشارات السوق، أو عندما تكون الأسعار التي تفرضها الحكومة أقل بكثير من تكلفة الإنتاج، أو عندما يصبح الوصول إلى العملة الأجنبية خاضعًا للقرارات الإدارية.
في هذه الحالة قد يحدث نقص في السلع.
فإذا حددت الحكومة سعر سلعة أساسية أقل من تكلفة إنتاجها، يمكن أن تصبح السلعة رخيصة على الورق، لكنها تختفي من المتاجر.
وهكذا ينتقل الاقتصاد من مشكلة "ارتفاع الأسعار" إلى مشكلة "عدم وجود السلعة أصلًا".
اللحظة التي تغير فيها كل شيء
كان الاقتصاد الفنزويلي يستطيع الاستمرار في بعض هذه السياسات طالما كان النفط يولد إيرادات ضخمة.
لكن في عام 2014 تقريبًا انهارت أسعار النفط.
وهنا ظهر حجم الاعتماد الحقيقي.
لم يعد الأمر مجرد انخفاض في أرباح شركة نفطية. كان انخفاض النفط يعني انخفاض العملات الأجنبية، وانخفاض قدرة الحكومة على تمويل الواردات، وضغطًا هائلًا على الميزانية والعملة والاقتصاد كله.
وكانت هناك مشكلة أخرى أكثر خطورة:
إنتاج النفط نفسه كان قد بدأ في التراجع.
أي أن فنزويلا لم تواجه انخفاضًا في سعر النفط فقط، بل واجهت انخفاضًا في قدرتها على إنتاج النفط.
وهذا جعل الصدمة مضاعفة.
لماذا انهار إنتاج النفط؟
هنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات القصة أهمية.
إذا كانت فنزويلا تملك احتياطيات نفطية ضخمة، فلماذا انخفض إنتاجها بهذا الشكل؟
لأن امتلاك الاحتياطي لا يعني القدرة على استخراجه.
صناعة النفط تحتاج إلى استثمارات مستمرة، وصيانة، وتكنولوجيا، وخبرات، ومعدات، وتمويل، وإدارة فعالة.
وعندما تتراجع الاستثمارات أو تتدخل السياسة في إدارة الشركة أو تستخدم الشركة لتمويل الحكومة بصورة مفرطة، يمكن أن تتدهور القدرة الإنتاجية حتى لو بقي النفط تحت الأرض.
وهكذا أصبحت فنزويلا تملك ثروة هائلة في باطن الأرض، لكنها لا تستطيع تحويلها إلى إنتاج وإيرادات بالمستوى السابق.
وهنا يمكن رؤية الفرق بين الثروة الموجودة والقدرة على إنتاج الثروة.
التضخم المفرط
بعد انهيار أسعار النفط، لم تعد الحكومة تحصل على ما يكفي من الإيرادات لتمويل النظام الاقتصادي الذي نشأ خلال سنوات الازدهار.
بدل إجراء تصحيح سريع وصعب للإنفاق والعملة والاقتصاد، دخلت البلاد في تمويل العجز وإصدار النقود، بالتزامن مع انهيار الإنتاج والثقة.
ثم حدث ما يحدث عادة عندما تجتمع هذه العوامل:
إنتاج أقل، أموال أكثر تطارد سلعًا أقل، عملة تفقد قيمتها، وأسعار ترتفع بسرعة.
ثم يبدأ المواطنون بالتخلص من العملة المحلية لأنهم يتوقعون انخفاض قيمتها أكثر.
ثم ترتفع الأسعار بصورة أسرع.
ثم يطلب العمال زيادة الأجور لمواكبة الأسعار.
ثم ترتفع تكلفة الإنتاج.
ثم ترتفع الأسعار مرة أخرى.
تدخل البلاد في حلقة تضخمية.
وفي النهاية وصلت فنزويلا إلى التضخم المفرط، وأصبحت العملة المحلية تفقد قيمتها بسرعة تجعل التعامل معها شبه مستحيل في بعض مراحل الأزمة.
وهنا لم يعد الفنزويلي يعاني من مشكلة "ارتفاع الأسعار"، بل من انهيار وظيفة النقود نفسها.
هل العقوبات هي السبب؟
هذه واحدة من أكثر النقاط حساسية في القصة، وهي تحتاج إلى إجابة بعيدة عن الدعاية السياسية من الجانبين.
لا يمكن القول إن العقوبات هي التي بدأت الانهيار الفنزويلي. التراجع الاقتصادي وإنتاج النفط كانا قد دخلا مرحلة خطيرة قبل العقوبات النفطية الأمريكية الرئيسية التي بدأت في 2019.
لكن هذا لا يعني أن العقوبات لم تؤثر.
اقتصاد يعتمد بشدة على النفط ويعاني أصلًا من أزمة إنتاج وتمويل سيكون أكثر عرضة للانهيار عندما تصبح قدرته على بيع النفط والحصول على التمويل والتعامل مع الأسواق الدولية أكثر صعوبة.
لذلك فإن التفسير الأكثر عقلانية ليس:
"العقوبات دمرت فنزويلا."
ولا:
"العقوبات لم تؤثر إطلاقًا."
بل إن العقوبات جاءت فوق اقتصاد كان يعاني بالفعل من اختلالات عميقة، وأضافت ضغطًا إلى أزمة قائمة.
وهذا فرق مهم جدًا إذا أردنا فهم الأسباب بدل البحث عن طرف واحد نحمّله المسؤولية.
لماذا لم تنقذها الثروة النفطية؟
هنا تكمن المفارقة الأساسية.
فنزويلا لا تفتقر إلى النفط.
لكن النفط وحده لا يكفي.
الثروة النفطية تحتاج إلى دولة تستطيع استخراجها بكفاءة، وشركات تستطيع الاستثمار، ومؤسسات تحافظ على الاستقرار، ونظام مالي لا يدمر قيمة العملة، واقتصاد غير نفطي قادر على إنتاج الغذاء والسلع والخدمات.
إذا اختفت هذه العناصر، يصبح النفط أشبه بآلة ضخمة تعمل بصورة متقطعة بينما يعتمد عليها كل شيء آخر.
وعندما تتوقف الآلة، تتوقف معها أجزاء كبيرة من الاقتصاد.
فنزويلا والنرويج: النفط نفسه، النتيجة المختلفة
قد تكون المقارنة مع النرويج مفيدة، رغم اختلاف البلدين في التاريخ والسكان والمؤسسات.
كلاهما امتلك النفط بكميات كبيرة، لكن النرويج حاولت منذ البداية إنشاء آليات تمنع إيرادات النفط من تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي بالكامل، ومن أبرزها صندوق الثروة السيادي وإدارة العائدات بطريقة أكثر تحفظًا.
لم يكن النفط بالنسبة للنرويج مجرد مال متاح للإنفاق الفوري، بل موردًا ينبغي تحويله إلى أصول وثروة للأجيال القادمة.
أما في فنزويلا فقد كان جزء أكبر من عائدات النفط يدخل مباشرة في السياسة والإنفاق والاقتصاد اليومي.
وهنا يظهر الدرس:
المشكلة ليست في وجود النفط، وإنما في المؤسسات التي تقف بين النفط والمجتمع.
نفس البرميل يمكن أن يمول صندوقًا سياديًا واستثمارات طويلة الأجل في دولة، ويمكن أن يمول دعمًا واستهلاكًا وعجزًا في دولة أخرى.
هل كان كل شيء خطأ منذ البداية؟
ليس من المنطقي أيضًا أن نقول إن فنزويلا كان يجب أن تترك النفط للشركات الخاصة، أو أن كل تدخل حكومي كان خطأ.
الدولة النفطية تحتاج إلى دور قوي في إدارة مواردها. وحتى الدول التي توصف بأنها رأسمالية جدًا تمتلك سياسات لتنظيم قطاع الطاقة وفرض الضرائب والإتاوات.
المشكلة تبدأ عندما تتحول السيطرة على المورد إلى سيطرة على الاقتصاد كله، وعندما يصبح النفط مصدرًا لتمويل السياسة اليومية بدل أن يكون وسيلة لبناء اقتصاد قادر على الاستمرار بدونه.
والفرق بين الاثنين هائل.
ما الذي حدث للفنزويليين؟
في النهاية، كل هذه المصطلحات الاقتصادية تصبح أقل أهمية عندما نصل إلى الإنسان.
انهيار العملة يعني أن المدخرات تختفي.
التضخم يعني أن الراتب الذي كان يكفي شهرًا لم يعد يكفي أيامًا.
انهيار الإنتاج يعني نقص السلع.
انهيار الخدمات يعني كهرباء ومياه وصحة ونقل أقل استقرارًا.
الأزمة الاقتصادية تعني أيضًا أزمة اجتماعية، ثم سياسية، ثم هجرة واسعة.
وهكذا لم يعد السؤال بالنسبة إلى ملايين الفنزويليين: "كيف نحسن الاقتصاد؟"
بل أصبح:
هل نستطيع الاستمرار في الحياة هنا؟
وهذه هي النقطة التي تتحول عندها الأزمة الاقتصادية إلى أزمة دولة.
الدرس الحقيقي من فنزويلا
قصة فنزويلا لا تقول لنا إن النفط لعنة حتمية، ولا إن الاشتراكية تؤدي دائمًا إلى الانهيار، ولا إن الرأسمالية تمنع الأزمات.
هذه استنتاجات أكبر من الأدلة.
الدرس الأكثر قوة هو أن الوفرة يمكن أن تخفي ضعف الاقتصاد بدل أن تعالجه.
عندما تمتلك الدولة موردًا يولد مليارات الدولارات، تستطيع أن تؤجل إصلاحات مؤلمة لسنوات. تستطيع استيراد الغذاء بدل تطوير الزراعة، وتمويل الدعم بدل إصلاح الإنتاج، وزيادة الإنفاق بدل إصلاح المالية العامة.
وطالما يستمر المال، يبدو النموذج ناجحًا.
لكن عندما يتوقف تدفق المال، تظهر جميع الفواتير المؤجلة في الوقت نفسه.
وهذا تقريبًا ما حدث لفنزويلا.
لم يكن انهيارها نتيجة يوم واحد، ولا قرار واحد، ولا رئيس واحد. كانت هناك عقود من الاعتماد على النفط، واختلالات سبقت تشافيز، ثم جاءت سياسات خلال عهده زادت من مركزية الدولة والاعتماد على النفط، ثم تراجع إنتاج النفط، ثم انهارت الأسعار، ثم تفاقمت الأزمة المالية والنقدية، ثم جاءت العقوبات لتزيد الضغط.
الثروة لا تكفي
ربما تكون أهم جملة يمكن الخروج بها من تجربة فنزويلا هي أن الدول لا تصبح غنية بمجرد امتلاكها موردًا ثمينًا؛ تصبح غنية عندما تستطيع تحويل هذا المورد إلى إنتاج ومؤسسات واستثمار وثروة مستدامة.
فنزويلا امتلكت النفط، لكنها لم تنجح في بناء اقتصاد يستطيع أن يعيش عندما يصبح النفط أقل ربحية.
والنتيجة أن الدولة أصبحت تعتمد على الشيء نفسه الذي يفترض أن يساعدها على التخلص من الاعتماد عليه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
كان يفترض أن تستخدم فنزويلا النفط لبناء اقتصاد لا يحتاج إلى النفط. لكنها استخدمت النفط لبناء اقتصاد يحتاج إلى المزيد من النفط.
ولهذا فإن قصة فنزويلا ليست مجرد قصة بلد انهار بسبب النفط، بل قصة بلد لم يستطع تحويل ثروة مؤقتة ومتقلبة إلى ثروة دائمة ومستقرة.
وهي بذلك تختلف عن الأرجنتين، لكنها تلتقي معها في نقطة مهمة: في الحالتين لم يكن نقص الموارد هو المشكلة الأساسية، بل كان السؤال الأصعب هو كيف تُدار فترات الوفرة، وكيف تتحول إلى مؤسسات وإنتاجية واستثمار بدل أن تتحول إلى التزامات يصعب التخلص منها.
فالثروة يمكن أن ترفع دولة إلى القمة خلال سنوات قليلة، لكن الحفاظ على تلك الثروة يحتاج إلى شيء أصعب بكثير من العثور على النفط أو بيع الحبوب:
يحتاج إلى مؤسسات تستطيع التفكير أبعد من دورة الأسعار، وأبعد من الانتخابات، وأبعد من شعبية الحكومة الحالية.