أوكرانيا: حرب بلا حسم: من يدفع الثمن، ومن يعيد ترتيب العالم؟

لماذا تحولت الحرب الروسية الأوكرانية من معركة على الأرض إلى اختبار لقوة روسيا وأوروبا والولايات المتحدة، وفرصة لإعادة توزيع النفوذ الدولي؟

لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد صراع على حدود دولة أوروبية، ولا مواجهة عسكرية بين جيشين يمكن قياس نتائجها بعدد المدن التي سيطر عليها كل طرف. فبعد سنوات من القتال، تحولت الحرب إلى اختبار طويل لقدرة الدول على الاستنزاف، واحتمال الأعباء الاقتصادية، والحفاظ على التحالفات، وتحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية قابلة للاستمرار.

بدأت روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، وهي تراهن على تحقيق أهدافها بسرعة، لكن الحرب لم تنتهِ بإخضاع أوكرانيا، كما لم تنتهِ بهزيمة روسية تجبر موسكو على الانسحاب من الأراضي التي سيطرت عليها. وبين هذين الاحتمالين، نشأت معادلة أكثر تعقيداً: روسيا تملك القدرة على مواصلة القتال، وأوكرانيا تملك القدرة على المقاومة، والغرب يملك موارد كبيرة لدعمها، لكن لا أحد يضمن أن تؤدي هذه العناصر مجتمعة إلى النتيجة السياسية التي يريدها.

وهنا يصبح السؤال الأهم: إذا لم يستطع أي طرف حسم الحرب، فمن الذي استفاد منها فعلياً؟ ومن الذي يتحمل كلفتها؟ وهل يمكن أن يخرج العالم منها مختلفاً حتى لو توقفت المعارك من دون انتصار واضح؟

روسيا: مكاسب على الأرض مقابل أهداف لم تتحقق

لا يمكن اعتبار روسيا مهزومة لمجرد أنها لم تتمكن من إخضاع أوكرانيا، كما لا يمكن اعتبارها منتصرة لمجرد احتفاظها بأراضٍ أوكرانية.

لقد حققت موسكو مكاسب إقليمية، وحافظت على وجود عسكري في مناطق مهمة، وأثبتت أن العقوبات الغربية لم تكن كافية لإجبارها على وقف الحرب. كما تمكنت من مواصلة القتال رغم الخسائر الكبيرة في الأفراد والمعدات، ووسعت خبرتها في استخدام المسيّرات والحرب الإلكترونية وتطوير الإنتاج العسكري.

لكن هذه المكاسب لا تلغي أن الحرب لم تحقق هدفها السياسي الأوسع. فأوكرانيا لم تنهَر كدولة، ولم تعد إلى دائرة النفوذ الروسي كما كان يمكن أن تأمل موسكو، وتحول الصراع إلى استنزاف طويل يستهلك الموارد البشرية والمالية والعسكرية.

والأهم أن روسيا دفعت ثمناً استراتيجياً لم يكن من الضروري أن تدفعه لو بقيت المواجهة في حدود الضغط السياسي والعسكري دون غزو شامل. فقد تعزز الوجود العسكري الغربي في محيطها، وتوسعت عضوية حلف شمال الأطلسي بانضمام فنلندا والسويد، وتدهورت علاقاتها مع معظم الدول الأوروبية.

كما أن استمرار الإنفاق العسكري يفرض ضغوطاً على الاقتصاد الروسي. فالإنفاق على الحرب قد يحرك بعض القطاعات الصناعية ويوفر وظائف، لكنه لا يعادل بالضرورة بناء اقتصاد منتج ومتوازن. إنتاج المزيد من الذخائر والمعدات لا يعوض تلقائياً خسارة الاستثمار المدني أو نقص العمالة أو تراجع بعض أشكال التعاون التقني والتجاري.

من هنا، تبدو الاستراتيجية الروسية قائمة على رهان طويل الأمد: إذا لم تستطع موسكو تحقيق أهدافها سريعاً، فقد تستطيع تحسين موقعها تدريجياً، مستفيدة من طول الحرب ومن احتمال تراجع استعداد خصومها لتحمل كلفتها.

لكن نجاح هذا الرهان ليس مضموناً. فالدولة التي تستطيع مواصلة الحرب ليست بالضرورة الدولة التي تستطيع تحويل استمرارها إلى نصر سياسي مستدام.

أوكرانيا: البقاء دولةً إنجاز، لكنه ليس نهاية المعركة

من جهة أخرى، حققت أوكرانيا هدفاً أساسياً لم يكن مضموناً في بداية الغزو: الحفاظ على استقلالها السياسي، ومنع روسيا من فرض سيطرة كاملة عليها.

لقد أثبتت الحرب أن التفوق في الحجم والتسليح لا يكفي دائماً لإخضاع دولة تقاتل على أرضها، وتستفيد من الدعم الخارجي، وتتكيف مع ظروف القتال. كما أظهرت أهمية المعلومات الاستخباراتية والمسيّرات والدفاع الجوي والقدرة على استبدال المعدات والخسائر.

لكن صمود أوكرانيا لا يعني أنها خرجت منتصرة بالمعنى الشامل. فقد تحملت خسائر بشرية هائلة، ونزوحاً واسعاً، وأضراراً كبيرة في البنية التحتية، وتراجعاً في النشاط الاقتصادي في مناطق واسعة. كما أصبحت قدرتها على مواصلة الحرب مرتبطة بدرجة مهمة بحجم المساعدات العسكرية والمالية التي يقدمها شركاؤها.

وهنا تظهر المعضلة الأوكرانية: كلما استمرت الحرب، ازدادت الحاجة إلى الدعم الخارجي، بينما يصبح مستقبل هذا الدعم مرتبطاً بالحسابات السياسية والاقتصادية للدول المانحة.

قد تتمكن أوكرانيا من منع روسيا من تحقيق أهدافها القصوى، لكنها تظل أمام سؤال أصعب: كيف يمكن تحويل هذا الصمود إلى تسوية تضمن أمنها ومستقبلها، من دون أن تتحول الدولة إلى ساحة مواجهة دائمة بين روسيا والغرب؟

إن الحفاظ على الدولة شرط أساسي للانتصار السياسي، لكنه لا يكفي وحده إذا بقيت الدولة عاجزة عن استعادة اقتصادها وسكانها واستقرارها.

أوروبا: عندما يعود الأمن العسكري على حساب أولويات أخرى

ربما كانت أوروبا من أكثر الأطراف التي تغيرت حساباتها نتيجة الحرب، رغم أنها ليست طرفاً مقاتلاً مباشراً على معظم الجبهات.

قبل الحرب، اعتمدت اقتصادات أوروبية مهمة على علاقات تجارية واسعة مع روسيا، ولا سيما في مجال الطاقة. وكان الاعتقاد السائد أن المصالح الاقتصادية المتبادلة يمكن أن تحد من احتمالات المواجهة وتضمن قدراً من الاستقرار.

لكن الحرب كشفت حدود هذا الرهان. فقد أصبحت الطاقة جزءاً من الصراع السياسي، واضطرت الدول الأوروبية إلى إعادة ترتيب مصادر الإمداد، وتحمل تكاليف التكيف، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وإعادة بناء مخزونات الذخائر والمعدات.

لم يؤد ذلك إلى انهيار الاقتصاد الأوروبي، كما أن أوروبا لم تفقد قدرتها الصناعية. لكن التحول كان مكلفاً، وأصبحت الحكومات مطالبة بتوزيع مواردها بين الدفاع، والطاقة، والصناعة، والخدمات العامة، واحتياجات السكان.

وهنا تكمن المفارقة: الحرب دفعت أوروبا إلى الاستثمار في أمنها العسكري، لكنها جعلت هذا الاستثمار ينافس أولويات اجتماعية واقتصادية أخرى.

فالمواطن الأوروبي الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة أو ضغوط السكن والخدمات قد لا ينظر إلى الحرب من زاوية توازن القوى الدولي، بل من زاوية السؤال المباشر: لماذا أتحمل هذه الكلفة، وإلى متى؟

وهذه ليست بالضرورة حجة ضد دعم أوكرانيا، لكنها مشكلة سياسية لا يمكن تجاهلها. فاستمرار سياسة خارجية مكلفة يتطلب قدرة على إقناع المجتمع بضرورتها، خصوصاً عندما لا تظهر نهاية واضحة للصراع.

كما كشفت الحرب أن الأمن الأوروبي ظل يعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة. ولذلك لم يعد النقاش يدور حول كيفية دعم أوكرانيا فحسب، بل حول قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها إذا تغيرت الأولويات الأمريكية أو تراجع الالتزام العسكري الأمريكي.

إن أوروبا تواجه اليوم اختباراً يتجاوز الحرب نفسها: هل تستطيع تحويل الأزمة إلى بناء قدرة دفاعية وصناعية مستقلة نسبياً، أم ستبقى معتمدة على الحماية الأمريكية، بينما تتحمل كلفة اقتصادية وسياسية متزايدة؟

الولايات المتحدة: إضعاف روسيا ليس نهاية الحسابات

حققت الولايات المتحدة مكاسب استراتيجية واضحة من جوانب معينة للحرب. فقد تضررت قدرات روسيا العسكرية، وتعززت أهمية حلف شمال الأطلسي، وزاد اعتماد كثير من الدول الأوروبية على التعاون الأمني الأمريكي.

لكن هذه النتائج لا تعني أن الحرب حققت جميع الأهداف الأمريكية، أو أن إطالتها تصب في مصلحة واشنطن بلا حدود.

فالحرب الطويلة تستهلك الذخائر والمعدات، وتتطلب تمويلاً متواصلاً، وتفرض على الولايات المتحدة الموازنة بين التزاماتها الأوروبية واحتياجاتها في مناطق أخرى، بما فيها آسيا والشرق الأوسط.

كما أن إضعاف روسيا لا يساوي بالضرورة بناء نظام دولي أكثر استقراراً. فإذا انتهت الحرب بتسوية هشة، فقد تستمر المواجهة السياسية والعسكرية لسنوات، حتى من دون قتال واسع.

وهناك أيضاً مسألة مصداقية القيادة الأمريكية. فإذا فرضت واشنطن تسوية لا تقبلها أوكرانيا أو حلفاؤها الأوروبيون، فقد تكسب فرصة لتقليل التزاماتها، لكنها تخاطر بإضعاف الثقة في ضماناتها الأمنية. أما إذا واصلت الدعم بلا أفق سياسي واضح، فستواجه بدورها سؤال الكلفة والجدوى.

لذلك لا ينبغي اختزال الموقف الأمريكي في رغبة واحدة ثابتة. فهناك مصالح استراتيجية مستمرة، لكن هناك أيضاً تغيرات في الإدارات والحسابات الانتخابية والأولويات العسكرية.

المشكلة الأمريكية ليست في قدرتها على تقديم الدعم فقط، بل في كيفية تحويل هذا الدعم إلى نتيجة سياسية تحقق مصالحها من دون أن تربط مواردها بصراع مفتوح إلى أجل غير محدد.

الصين: كيف تستفيد قوة كبرى من انشغال منافسيها؟

إذا كانت روسيا والغرب يدفعان كلفة مباشرة للحرب، فإن الصين تتمتع بموقع مختلف.

فهي ليست طرفاً مقاتلاً مباشراً، لكنها تراقب الصراع باعتباره اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على إدارة الأزمات، وحدود العقوبات الاقتصادية، وكفاءة الأسلحة الحديثة، وقدرة الدول الصناعية على تحمل حرب طويلة.

كما أن حاجة روسيا المتزايدة إلى الأسواق والشراكات غير الغربية تمنح الصين مجالاً أوسع للتفاوض معها. وعندما يصبح أحد الشركاء أكثر اعتماداً على الآخر، لا تبقى العلاقة متوازنة تماماً، حتى لو استمر الخطاب السياسي الذي يؤكد الشراكة.

ومن مصلحة بكين أيضاً أن ترى الولايات المتحدة وأوروبا تنشغلان بموارد واهتمام كبيرين في أوروبا، بدلاً من تركيزهما الكامل على المنافسة في آسيا.

لكن الاستنتاج بأن الصين تريد استمرار الحرب إلى الأبد سيكون مبالغة. فالصين تعتمد على التجارة العالمية والاستقرار الاقتصادي، وأي تصعيد واسع أو اضطراب طويل في الطاقة والأسواق يمكن أن يضر بها أيضاً.

كما أن إضعاف روسيا إلى درجة الانهيار لا يخدم بالضرورة المصالح الصينية؛ فموسكو شريك مهم في التوازن الدولي، وقد يؤدي انهيارها إلى اضطرابات يصعب التحكم بنتائجها.

الأرجح أن بكين تستفيد من استمرار وضع يمنع انتصاراً غربياً حاسماً، ويزيد اعتماد روسيا عليها، من دون أن تضطر هي إلى تحمل كلفة الحرب المباشرة.

وهذه إحدى سمات المنافسة الدولية الحديثة: لا يحتاج الطرف إلى خوض الحرب بنفسه كي يستفيد من بعض نتائجها، لكنه لا يستطيع ضمان أن تكون جميع تلك النتائج في مصلحته.

الهند وتركيا: مكاسب الدول التي تترك لنفسها أكثر من باب

تظهر أهمية دول مثل الهند وتركيا في أنها لم تتعامل مع الحرب باعتبارها مطالبة بالاختيار الكامل بين موسكو والغرب.

حافظت الهند على علاقاتها مع روسيا، واستفادت في فترات معينة من فرص شراء الطاقة، مع استمرار علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع الولايات المتحدة وشركاء غربيين. لكنها لا تريد أن يتحول اعتمادها على روسيا إلى قيد على خياراتها، ولا أن تجعل علاقاتها الغربية رهينة لموقفها من الحرب.

أما تركيا، فتتمتع بموقع جغرافي واستراتيجي يجعلها مهمة في البحر الأسود، كما أنها عضو في حلف شمال الأطلسي وتحتفظ في الوقت نفسه بقنوات اتصال مع موسكو وكييف.

وقد منحها ذلك مساحة للوساطة والتفاوض، لكنه لم يعفها من مخاطر الحرب أو من التناقضات بين مصالحها والتزاماتها.

وتكشف الحالتان عن تحول أوسع: كثير من الدول لا تريد أن تكون مجرد امتداد لمعسكر دولي، بل تسعى إلى الاحتفاظ بهامش مناورة يسمح لها بالتفاوض مع أطراف متعددة.

غير أن هذه السياسة ليست متاحة بالقدر نفسه للجميع. فهي تحتاج إلى وزن اقتصادي أو جغرافي أو سياسي يمنح الدولة قدرة على رفض بعض الضغوط من دون أن تتحمل كلفة لا تستطيع احتمالها.

الشرق الأوسط: حرب بعيدة تعيد توزيع الاهتمام والموارد

قد يبدو أن الحرب الروسية الأوكرانية بعيدة عن العالم العربي، لكن آثارها تصل إلى المنطقة عبر الطاقة والغذاء والسلاح والحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.

فاضطرابات تجارة الحبوب والأسمدة والطاقة يمكن أن ترفع التكاليف على الدول المستوردة، خصوصاً تلك التي تعاني أصلاً من ضغوط مالية أو ضعف في العملات أو ارتفاع معدلات الفقر.

وفي المقابل، قد تستفيد بعض الدول المصدرة للطاقة من ارتفاع الأسعار في فترات معينة، لكن هذه المكاسب ليست مضمونة ولا تتوزع بالتساوي على السكان. فقد تستفيد الموازنات الحكومية أو بعض القطاعات، بينما تظل الأسر محدودة الدخل أكثر تعرضاً لغلاء الغذاء والسكن والخدمات.

كما أن استمرار الحرب يفرض منافسة على الموارد العسكرية والاهتمام الدبلوماسي الأمريكي. وعندما تتزامن أزمات أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، يصبح توزيع الأسلحة والذخائر والجهد السياسي مسألة أكثر تعقيداً.

لكن من الخطأ افتراض أن انشغال واشنطن بأوكرانيا يعني انسحابها حتماً من الشرق الأوسط، أو أن روسيا والصين تستطيعان ملء أي فراغ بصورة تلقائية. فالعلاقات الدولية لا تعمل كمساحة يتركها طرف فيدخل إليها طرف آخر دون قيود.

الأهم أن تعدد القوى يمنح بعض الدول العربية فرصاً لتوسيع علاقاتها وتنويع شراكاتها، بشرط أن تمتلك استراتيجية واضحة وقدرة اقتصادية ومؤسسات تستطيع تحويل العلاقات الخارجية إلى مصالح مستدامة.

أما الاكتفاء بتغيير الشريك الخارجي، من دون بناء قدرة داخلية، فلا يحقق استقلالاً حقيقياً. فالاعتماد على قوة واحدة قد يكون مكلفاً، لكن الاعتماد على عدة قوى من دون قاعدة اقتصادية مستقلة قد يجعل الدولة موزعة بين ضغوطها بدلاً من أن تصبح أكثر حرية.

من المستفيد فعلياً من استمرار الحرب؟

عند النظر إلى الحرب من زاوية المصالح، لا نجد مستفيداً واحداً يسيطر على النتائج، بل نجد مكاسب متفاوتة ومؤقتة لدى أطراف مختلفة.

روسيا استفادت من السيطرة على أراضٍ، لكنها تواجه استنزافاً عسكرياً واقتصادياً. وأوكرانيا حافظت على استقلالها، لكنها تحملت خسائر جسيمة. والولايات المتحدة عززت جوانب من موقعها الأمني، لكنها تواجه كلفة الالتزامات وتنافس الأولويات. وأوروبا أعادت الاهتمام إلى الدفاع، لكنها تتحمل كلفة التكيف والانقسام المحتمل. أما الصين وبعض القوى المتوسطة، فقد حصلت على مساحة أكبر للمناورة من دون تحمل كلفة القتال المباشر.

وهناك أيضاً شركات السلاح وبعض المنتجين والوسطاء التجاريين الذين يستفيدون من زيادة الطلب أو إعادة توجيه التجارة. لكن استفادة هذه القطاعات لا تثبت أنها تتحكم في قرار الحرب أو أنها وحدها تقرر استمرارها.

في المقابل، هناك طرف لا يحتاج إلى جدول للمكاسب كي نعرف حجم خسارته: المدنيون.

فالأسر التي فقدت منازلها، والعمال الذين فقدوا مصادر دخلهم، والنازحون الذين انقطعت صلاتهم بأماكنهم، والمجتمعات التي ستحتاج إلى سنوات لإعادة البناء، لا تستطيع تحويل خسائرها إلى مكاسب استراتيجية. وحتى خارج مناطق القتال، يتحمل محدودو الدخل آثار الأسعار والضرائب وضغوط الموازنات العامة.

وهنا تظهر فجوة مهمة في طريقة تقييم الحروب. فالدول تقيس النجاح بالأراضي والنفوذ والقدرات العسكرية، بينما يقيس الناس النتيجة بما فقدوه من أمن ومعيشة ومستقبل.

وقد يحقق طرف مكسباً جيوسياسياً حقيقياً، لكن ذلك لا يجعل المجتمع الذي يعيش تحت سلطته أو على حدود الحرب مستفيداً بالضرورة.

هل نحن أمام نظام عالمي جديد؟

لم تُنتج الحرب حتى الآن نظاماً دولياً جديداً مكتملاً، لكنها كشفت حدود النظام القائم وسرّعت تحولات كانت قد بدأت قبل 2022.

أول هذه التحولات أن القوة العسكرية لا تضمن الحسم السياسي. فقد تستطيع دولة تدمير البنية التحتية أو احتلال أراضٍ، لكنها قد تعجز عن فرض تسوية مستقرة إذا كان الطرف الآخر قادراً على المقاومة والاستمرار.

وثانيها أن القدرة الصناعية أصبحت عنصراً أساسياً في الأمن. فالسلاح المتقدم لا يكفي إذا لم تستطع الدولة إنتاج الذخائر، وتعويض الخسائر، وتدريب الأفراد، وتمويل الحرب من دون إضعاف اقتصادها على المدى الطويل.

وثالثها أن التحالفات لم تعد تعني تطابق المصالح. فقد تتعاون دول ضد خصم مشترك، لكنها تختلف حول حدود الدعم، وشروط التسوية، وتوزيع الكلفة، وما ينبغي فعله بعد توقف القتال.

أما التحول الرابع، فهو أن دولاً متوسطة الحجم باتت تحاول توسيع استقلالها عبر تنويع علاقاتها، في وقت لم تعد فيه القوى الكبرى قادرة على ضمان اصطفاف الجميع معها تلقائياً.

لكن الحديث عن نهاية الهيمنة الأمريكية أو انتصار الصين النهائي أو عودة روسيا قوةً مهيمنة على أوروبا يتجاوز ما تسمح به النتائج الحالية. فهذه تحولات طويلة المدى، تتوقف على الإنتاجية والتكنولوجيا والاستقرار السياسي والتحالفات، وليس على نتيجة حرب واحدة فقط.

كيف يمكن أن تنتهي الحرب؟

هناك ثلاثة مسارات رئيسية، ولا يمكن الجزم بأي منها قبل أن تتغير الحسابات الميدانية والسياسية بصورة واضحة.

المسار الأول هو استمرار الاستنزاف، مع هجمات متبادلة ومفاوضات متقطعة وصفقات محدودة. وفي هذه الحالة يراهن كل طرف على أن الزمن سيحسن موقعه أو يضعف قدرة خصمه على الاستمرار.

والمسار الثاني هو تجميد خطوط القتال من خلال اتفاق هش، من دون حل نهائي للخلافات حول الأراضي أو الضمانات الأمنية. وقد يوقف ذلك القتال الواسع، لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام سباق تسلح ومواجهة سياسية طويلة.

أما المسار الثالث فهو التوصل إلى تسوية أوسع عندما تصبح كلفة الاستمرار أعلى من المكاسب المتوقعة. غير أن مثل هذه التسوية تتطلب معالجة قضايا صعبة، من بينها الأراضي، وأمن أوكرانيا، والعقوبات، وشكل العلاقة المستقبلية بين روسيا والغرب.

وفي جميع هذه السيناريوهات، لن يكون وقف القتال مرادفاً بالضرورة للسلام. فقد تتوقف المدافع بينما تستمر المنافسة على النفوذ والحدود والتحالفات والقدرات العسكرية.

الخلاصة: الحرب التي لم تحسم المعركة لكنها غيّرت حسابات الجميع

إن أهم ما كشفته الحرب الروسية الأوكرانية ليس أن طرفاً واحداً أصبح أقوى من الجميع، بل أن القوة نفسها أصبحت أكثر كلفة وأقل قدرة على ضمان النتائج.

روسيا لم تحقق أهدافها الكبرى، لكنها لم تُهزم عسكرياً على نحو ينهي قدرتها على التأثير. وأوكرانيا منعت إخضاعها، لكنها لم تحصل بعد على ضمانات نهائية لمستقبلها. وأوروبا أصبحت أكثر اهتماماً بالدفاع، لكنها تواجه صعوبة الموازنة بين الأمن والرفاه الاجتماعي. والولايات المتحدة ما زالت قوة أساسية في النظام الدولي، لكنها مطالبة بتوزيع مواردها بين منافسات وجبهات متعددة. أما الصين، فتحاول توسيع نفوذها من دون تحمل الأعباء المباشرة التي يتحملها المتحاربون.

وقد تخرج قوى أخرى بمكاسب نسبية، لكن لا توجد ضمانة بأن تتحول هذه المكاسب إلى تفوق مستدام.

والنتيجة الأعمق أن الحرب سرّعت انتقال العالم إلى مرحلة تتعدد فيها مراكز النفوذ، وتزداد فيها أهمية الصناعة والتكنولوجيا والقدرة على الصمود، بينما تصبح التحالفات أكثر ارتباطاً بالحسابات المتغيرة للمصالح.

لكن هناك سؤالاً آخر لا يقل أهمية عن مستقبل القوى الكبرى: كم من الموارد البشرية والاقتصادية سيُستهلك قبل أن تتوصل الأطراف إلى تسوية كان يمكن أن تكون كلفتها أقل لو جرى التفاوض عليها في وقت أبكر؟

ففي حسابات الدول، قد تكون الحرب وسيلة لفرض شروط أو منع خصم من تحقيق أهدافه. أما في حسابات المجتمعات، فإن السنوات الضائعة، والأرواح المفقودة، وتراجع فرص العمل، وتدمير البنية التحتية، لا تعود بمجرد إعلان النصر.

لهذا، ربما لا يكون السؤال النهائي هو: من سينتصر في الحرب الروسية الأوكرانية؟ بل: من سيتمكن من تحويل ما دفعه من أثمان إلى أمن واستقرار وقدرة على البناء، ومن سيكتشف بعد توقف القتال أنه استنزف موارده من أجل مكاسب لم تكن كافية لتبرير الخسائر؟

فالحروب لا تعيد رسم الخرائط وحدها؛ إنها تعيد أيضاً رسم أولويات الدول، وتكشف حدود قوتها، وتحدد ما إذا كانت قادرة على حماية مستقبل مجتمعاتها، أم أنها ستخرج من المعركة مثقلة بتكاليفها لسنوات طويلة.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.