إدارة التوازن بدل الحسم… لبنان: حزب الله والغرب: حين تصبح الدولة ساحة لا قرارًا

ما يبدو صراعًا على “نزع السلاح” ليس هدفًا نهائيًا بقدر ما هو إدارة دقيقة لتوازن هش بين الداخل اللبناني والإقليم والقوى الدولية

يُقدَّم ملف حزب الله في لبنان عادة كمسار واضح: دولة تريد احتكار السلاح، وقوة مسلحة يجب أن تتراجع.
لكن هذا التصوير المبسط يتجاهل طبقات أعمق من الواقع.
في لبنان لا توجد معادلة قوة واحدة يمكنها فرض الحسم بسهولة، ولا توجد إرادة دولية موحدة تسعى إلى نتيجة نهائية محددة.
ما يجري أقرب إلى إدارة توازن دائم بين الانفجار والاستقرار، لا إلى مشروع إنهاء واضح.
وهنا تتكشف مفارقة أساسية: الجميع يتحدث عن الحل، لكن الجميع يتصرف وكأنه يخشى نتائجه.

أولًا: الدولة اللبنانية ليست دولة حسم بل دولة توازنات

لفهم لماذا لم تستطع لبنان تنفيذ شعارات “حصر السلاح بيد الدولة”، يجب أولًا فهم طبيعة الدولة نفسها.

لبنان ليس دولة مركزية تقليدية.
هو نظام قائم على:

  • تقاسم طائفي للسلطة،

  • مؤسسات ضعيفة نسبيًا أمام الفاعلين غير الدولتيين،

  • وتوازنات دقيقة تمنع الانفجار لكنها لا تنتج حسمًا.

في هذا السياق، أي محاولة صدام مباشر مع قوة داخلية كبيرة لا تُقرأ كقرار أمني فقط، بل كاحتمال لانفجار داخلي شامل.

لهذا، خطاب الدولة غالبًا يتحرك ضمن مساحة ضيقة: إعلان نوايا قوي، وتنفيذ محدود أو تدريجي.


ثانيًا: حزب الله كقوة مركّبة لا كفصيل عسكري فقط

الخطأ التحليلي الأكثر شيوعًا هو اختزال حزب الله في كونه “جماعة مسلحة”.

في الواقع هو بنية متعددة الطبقات:

  • قوة عسكرية منظمة،

  • حزب سياسي داخل البرلمان والحكومة،

  • شبكة اجتماعية وخدماتية،

  • وامتداد إقليمي مرتبط بمحور أوسع.

هذا التعقيد يجعل فكرة “نزع السلاح” ليست عملية تقنية، بل إعادة هندسة كاملة لموقع طائفة وقوة سياسية داخل الدولة.

وهنا تظهر المعضلة:
أي ضغط مباشر لا يستهدف السلاح فقط، بل يهدد التوازن الاجتماعي والسياسي الذي يقوم عليه النظام اللبناني نفسه.


ثالثًا: لماذا لا تتحرك الدولة حتى النهاية؟

يمكن تلخيص القيود الداخلية في ثلاثة مستويات:

  1. الشرعية الهشة:
    أي مواجهة مفتوحة قد تفقد الدولة شرعيتها في جزء من مجتمعها، ما يضعفها بدل تقويتها.

  2. خطر الانقسام الداخلي:
    لبنان لديه تاريخ حساس مع الحرب الأهلية، وهذا يجعل “الحسم بالقوة” خيارًا مكلفًا جدًا سياسيًا وأمنيًا.

  3. ضعف أدوات التنفيذ:
    الجيش اللبناني نفسه يعمل ضمن توازنات سياسية دقيقة ولا يمتلك حرية عمل مطلقة في الملفات الداخلية الكبرى.

النتيجة: الدولة موجودة، لكنها ليست في موقع يسمح لها بفرض إرادة أحادية على كامل الجغرافيا السياسية.


رابعًا: موقف الغرب… بين الضغط ومنع الانهيار

عند تحليل موقف القوى الغربية، خصوصًا الولايات المتحدة وفرنسا، يظهر تناقض واضح: ضغط سياسي مستمر مقابل حذر شديد من الانهيار الكامل.

القوى الغربية لا تنظر إلى لبنان كملف منفصل، بل كجزء من منظومة إقليمية حساسة تمتد إلى:

  • شمال فلسطين المحتلة،

  • سوريا،

  • والبحر المتوسط.

من هنا، يصبح السؤال ليس: كيف نُنهي حزب الله؟
بل: كيف نُعيد ضبط دوره دون تفجير النظام اللبناني؟

لأن الانهيار الكامل في لبنان قد يؤدي إلى:

  • فراغ أمني،

  • موجات نزوح،

  • توسع الفوضى نحو الإقليم،

  • وخلق بيئة غير قابلة للسيطرة حتى من قبل خصوم الحزب.


خامسًا: إسرائيل ومعادلة الردع لا الإزالة

في حالة إسرائيل، العلاقة مع حزب الله ليست هدفها “الإزالة الكاملة” بقدر ما هي إدارة تهديد مستمر.

في المنطق العسكري، إزالة خصم راسخ داخل دولة أخرى قد تعني:

  • فتح فراغ أمني،

  • أو الدخول في حرب طويلة غير مضمونة النتائج.

لذلك تتحرك المعادلة بين:

  • ضربات محدودة،

  • احتواء،

  • وردع متبادل غير معلن.

وهذا يفسر لماذا لا يتحول الصراع إلى حرب شاملة رغم التصعيد المتكرر.


سادسًا: الدور الإقليمي… إيران كعامل تثبيت لا تفجير فقط

وجود إيران في المعادلة لا يعني فقط التصعيد، بل أيضًا تثبيت التوازن.

من منظور استراتيجي، الحزب بالنسبة لإيران:

  • ورقة ردع إقليمية،

  • وأداة نفوذ محسوبة،

  • وليست بالضرورة أداة حرب مفتوحة دائمة.

وهذا يخلق معادلة مزدوجة:
لا رغبة في انهيار كامل، ولا استعداد للتخلي الكامل عن الورقة.


سابعًا: لماذا شعار “نزع السلاح” يتحول إلى خطاب لا إلى تنفيذ؟

الشعارات السياسية في لبنان غالبًا تعمل كآلية ضغط تفاوضي أكثر من كونها خطة تنفيذية.

لذلك يتحول ملف السلاح إلى:

  • ورقة داخلية للمساومة السياسية،

  • وأداة خارجية للضغط الدولي،

  • وليس برنامجًا زمنيًا واضحًا للتنفيذ.

كل طرف يستخدمه بطريقة مختلفة:

  • الدولة لطلب الدعم،

  • الغرب للضغط،

  • الحزب لتثبيت شرعيته الأمنية والسياسية.


ثامنًا: الحقيقة غير المريحة — لا أحد يريد الحسم الكامل الآن

هنا النقطة التي غالبًا يتم تجاهلها:

  • الدولة لا تملك قدرة الحسم.

  • القوى الخارجية لا تريد تفجير النظام.

  • الحزب لا يرى سببًا للتفكيك الذاتي تحت الضغط.

  • إسرائيل توازن بين الردع وتجنب حرب واسعة.

النتيجة النهائية ليست صراعًا نحو حل، بل إدارة مستمرة لتوازن غير مستقر.


الخلاصة

ما يحدث في لبنان ليس مشروع “إنهاء حزب الله” ولا مشروع “انتصار الدولة”، بل حالة إدارة دائمة لفراغ السيادة.

في هذا الفراغ:

  • الدولة تحاول الحفاظ على شكلها،

  • الحزب يحافظ على دوره كقوة ردع داخلية وخارجية،

  • والقوى الدولية تدير التوازن بدل تغييره جذريًا.

وهكذا يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم يُحسم الملف؟
بل: لماذا يُدار بحيث لا يُحسم أصلًا؟

لأن الحسم في هذه الحالة ليس خطوة سياسية فقط، بل احتمال انهيار بنية كاملة من التوازنات المحلية والإقليمية والدولية.


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.