تفكيك أرض الفراغ: الفلبين بين “Terra Nullius” والرواية المصنوعة: حين يُختَرَع الفراغ قبل الاحتلال

إحدى أخطر الأدوات التي استخدمها الخطاب الاستعماري الغربي لم تكن السلاح، بل اللغة. فقبل أن يبدأ التوسع الإسباني في الفلبين، تم بناء تصور مسبق عن الأرض باعتبارها فضاءً غير منظم، شبه خالٍ، أو قابلًا للتشكيل من الصفر—وهي الفكرة التي تُعرف في الأدبيات الاستعمارية بـ“الأرض المشاع” (Terra Nullius).
هذه الفكرة لم تكن وصفًا للواقع، بل إعادة تعريف للواقع قبل دخوله. أي أنها تُسقط المجتمع الموجود من دائرة الاعتراف أصلًا، ثم تبدأ عملية “التاريخ” من لحظة الوصول الأوروبي.
لكن الواقع التاريخي الذي تم طمسه كان عكس ذلك تمامًا.
أولًا: الأرخبيل كمنظومة لا كفراغ
قبل أي وجود استعماري، لم تكن الجزر فضاءً معزولًا، بل جزءًا من شبكة بحرية آسيوية واسعة تربط بين الصين وجنوب شرق آسيا والمحيط الهندي.
داخل هذا النسيج كانت هناك:
كيانات سياسية محلية مستقرة نسبيًا
مراكز تجارية ساحلية نشطة
علاقات دبلوماسية مع قوى إقليمية كبرى
وتدفقات اقتصادية بحرية منتظمة
في الشمال، كانت توجد كيانات مثل توندو، بينما في الجنوب تشكلت سلطنات إسلامية قوية مثل سولو ومينداناو، وفي مناطق أخرى ظهرت تشكيلات سياسية ذات طابع هندوسي-بوذي قبل التحول التدريجي اللاحق.
هذه ليست “بدايات بدائية”، بل بنية سياسية متعددة المراكز تعمل داخل اقتصاد بحري حي.
ثانيًا: المدينة التي أُخفيت تحت وصف “البدائية”
حين دخل الإسبان إلى مانيلا (ماينيلاد سابقًا)، لم يجدوا فراغًا، بل وجدوا مركزًا حضريًا منظمًا تحت حكم محلي، أبرزهم الزعيم راجا سليمان.
التوصيف الأوروبي اللاحق حاول تقليل هذا الواقع، لكن الشواهد تشير إلى:
وجود تحصينات خشبية منظمة
نشاط تجاري بحري مع الخارج
إنتاج حرفي ومعادن محلية
وبنية سلطة واضحة داخل المدينة
أي أن ما واجهه الإسبان لم يكن “أرضًا بلا دولة”، بل نظامًا سياسيًا غير مطابق لنموذج الدولة الأوروبية فقط.
ثالثًا: المعرفة التي أُعيد تعريفها كجهل
إحدى أكثر نقاط الطمس خطورة كانت في مجال المعرفة والكتابة.
كان لدى بعض مجتمعات الأرخبيل نظام كتابة محلي يُعرف بـبايباين، إضافة إلى أشكال مختلفة من التدوين الشفهي والمعرفي.
لكن عملية إعادة التشكيل الاستعمارية لم تكتفِ بالسيطرة السياسية، بل امتدت إلى:
إعادة تعريف “ما هو علمي”
تحويل المعرفة المحلية إلى هامش غير معترف به
واستبدال أنظمة الكتابة والذاكرة بأبجدية ولغة جديدة
وبذلك لم يتم فقط احتلال الأرض، بل أيضًا احتلال طريقة تسجيل التاريخ نفسه.
رابعًا: زمن السقوط الذي لم يكن سريعًا
السردية الشائعة تقول إن السيطرة الإسبانية بدأت وانتهت بسرعة، لكن الواقع يعكس مسارًا أطول وأكثر تعقيدًا.
فبعد لحظة ماجلان، لم يكن هناك استقرار مباشر، بل:
محاولات دخول متعددة
ثم انسحابات وإعادة تموضع
ثم حملات لاحقة أكثر تنظيمًا
حتى بعد سقوط مانيلا، لم يكن الأرخبيل قد دخل في حالة خضوع شامل، بل ظل يعيش حالة:
سيطرة جزئية في المركز + مقاومة مستمرة في الأطراف
وفي مناطق مثل المرتفعات الشمالية وجبال الكورديليرا، بقيت البنى المحلية خارج السيطرة الفعلية لفترات طويلة جدًا، ما يكشف أن “الدولة الاستعمارية” لم تكن متماسكة كما تُصوَّر.
خامسًا: الجنوب كحدّ لم يكتمل
في الجنوب، لم يكن الصراع مجرد تمرد، بل استمرار لبنى سياسية لم تُدمج بالكامل داخل المشروع الاستعماري.
سلطنات المسلمين في سولو ومينداناو لم تُعامل كتمرد داخلي فقط، بل ككيانات خارج منطق السيطرة الكاملة، وظلت لفترات طويلة خارج القدرة الفعلية على الإخضاع الكامل.
وهنا يظهر عنصر مهم:
الاستعمار لم يكن حالة مكتملة، بل تفاوض طويل مع حدود لم تُكسر بالكامل.
خلاصة: الفراغ كأداة سلطة لا كحقيقة
ما يُسمى “Terra Nullius” لم يكن وصفًا جغرافيًا، بل أداة معرفية سمحت بإعادة تعريف المكان قبل دخوله. أما الواقع التاريخي فيظهر أن الأرخبيل لم يكن فراغًا، بل:
شبكة سياسية متعددة
واقتصاد بحري متصل
ومعرفة محلية منظمة
ومقاومة ممتدة عبر الزمن
وبهذا يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا وجد الإسبان؟
بل: كيف تم تحويل الموجود إلى “غير موجود” في السردية؟
سلسلة: الفلبين: إعادة تشكيل الأرخبيل وما بعد الاستعمار الإسباني