تحولات السياسات الغربية وتبدل موازين القوى في الشرق الأوسط

لعنة العواقب غير المقصودة: تحولات السياسات الغربية وتبدل موازين القوى في الشرق الأوسط

في أدبيات السياسة الدولية، يُستخدم مفهوم "العواقب غير المقصودة" (Unintended Consequences) للإشارة إلى الحالات التي تنتج فيها القرارات الكبرى آثاراً دراماتيكية تتجاوز الأهداف الأصلية لصانعيها، دون أن يكون ذلك بالضرورة نتيجة تصميم مسبق أو مؤامرة محكمة.

وفي جغرافيا الشرق الأوسط الشائكة، يُستحضر هذا المفهوم كأداة لا غنى عنها لفهم السلوك الغربي والأمريكي خلال الربع قرن الماضي. فالقراءة السطحية للأحداث تقع في فخ نموذج جاهز ومبسط يرى أن الغرب "دعم وقوّى" المحور الشيعي تاريخياً على حساب العالم السني، ثم انقلب ليحاربه اليوم. لكن عند تفكيك "خلفيات السردية" والنظر إلى البنية العميقة للأحداث، يتبيّن أننا لسنا أمام تحالف سري جرى نقضه، بل أمام براغماتية غربية قاصرة فككت توازنات المنطقة، واستغلها فاعل إقليمي منظّم ملأ الفراغ بذكاء، حتى وصلنا إلى حتمية الصدام الراهن.

أولاً: العراق 2003.. خطيئة تفكيك الدولة وصناعة الفراغ

لم يكن غزو العراق عام 2003 عملية غربية تستهدف إعادة تشكيل توازن طائفي بقرار مسبق، بل كان عملية عسكرية عشوائية تفتقر لأي عمق سوسيولوجي، نتج عنها تفكيك دولة مركزية كانت تمثل تاريخياً "حائط الصد" الجيوسياسي والعسكري الشرس أمام الطموحات الإيرانية للتمدد غرباً.

بإسقاط النظام العراقي وحل مؤسسات الدولة وجيشها تحت شعار "اجتثاث البعث"، خلقت واشنطن فراغاً أمنياً وسياسياً هائلاً. وفي غياب مؤسسات الدولة، انبعثت الهويات الفرعية (السياسة الهوياتية) كآلية دفاعية وبديل عن المواطنة. وبما أن الصندوق الانتخابي صبّ ديموغرافياً في صالح المكون الشيعي، فقد صعدت إلى سدة الحكم قوى سياسية حظيت برعاية وتاريخ طويل مع طهران. لم تكن أمريكا تخطط لتمكين طرف على حساب طرف، بل فتحت بجهلها الاستراتيجي "فراغاً بنيوياً" كانت إيران الطرف الأكثر جاهزية ومرونة لملئه، ليتحول العراق من مَصدّ استراتيجي إلى "جسر بري" يربط طهران بدمشق وبيروت.

ثانياً: سيكولوجية "11 سبتمبر" وإعادة تعريف الأولويات الأمنية

بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، تحكمت سيكولوجية الخوف وهوس "مكافحة الإرهاب العابر للحدود" في صناعة القرار الغربي. باتت الجماعات الجهادية التي نشأت وتغذت في بيئات سنية (كالقاعدة ثم تنظيم داعش لاحقاً) هي الخطر الوجودي الأول والأكثر إلحاحاً لواشنطن والعواصم الأوروبية.

هذا التحول أدى إلى تداخل ساحات الصراع وظهور "تقاطعات ظرفية" التقت فيها مصالح واشنطن مع مصالح طهران والميليشيات التابعة لها ميدانياً (مثل الحشد الشعبي في العراق). وفي الوقت الذي كان فيه الطيران الأمريكي يقصف تنظيم داعش، كانت المجموعات المدعومة إيرانياً تقاتل على الأرض، لتكتسب عبر هذه البراغماتية العوراء شرعية سياسية ومؤسساتية غير مسبوقة، جرى توظيفها لاحقاً لتثبيت النفوذ وإزاحة المكون السني وشيطنته.

بلغ هذا المنحنى ذروته في عهد إدارة باراك أوباما، الذي آمن بنظرية "توازن القوى الداخلي"، وسعى عبر الاتفاق النووي عام 2015 إلى دمج إيران في المنظومة الإقليمية لـ "مشاركة المنطقة" مع جيرانها، ليتيح لأمريكا الانسحاب نحو شرق آسيا. لكن طهران لم ترَ في هذا السلوك الغربي التزاماً بالسلام، بل "صك غفران" ومساحة حرة لاستكمال مشروع الهيمنة.

ثالثاً: المدّ الإقليمي.. "الأيديولوجيا الوظيفية" وخطاب الحشد

ضمن الخطاب السياسي والإعلامي المتداول في المنطقة، برزت ثنائية "المد الشيعي" مقابل "العالم السني" كإطار تفسيري وحيد للصراع. لكن عند تفكيك هذا الإطار، يتبين أن هذه الثنائية لا تعمل كآلية تفسير حتمية أو مغلقة، بل هي "أيديولوجيا وظيفية" تستخدمها القوى الإقليمية لشرعنة تمددها وتحشيد حلفائها.

الدول الكبرى والإقليمية لا تحركها العواطف العقائدية، بل تحركها اعتبارات الدولة والنفوذ والأمن وممرات التجارة. ومع ذلك، تُستدعى السردية الطائفية كوقود فعال جداً للشحن العاطفي وإقناع الحواضن الشعبية بالقتال في معارك هي في جوهرها معارك نفوذ ومصالح كلاسيكية. وبالتالي، فإن اختزال الصراع في بعده العقائدي فقط يخفي حقيقة أن النفوذ الإيراني تمدد عبر "أدوات الدولة" والتكيف مع "انهيارات النظم السياسية الهشة"، وليس عبر خط تقسيمي مذهبي ثابت.

رابعاً: حتمية الصدام وتجاوز الخطوط الحمراء الغربية

إذا كان الغرب قد غض الطرف – ببراغماتيته وغبائه الاستراتيجي – عن تمدد هذا المحور، فما الذي جعله يدخل في مواجهة عسكرية مفتوحة معه اليوم؟

السبب يكمن في أن طهران وحلفاءها ليسوا "أداة وظيفية" مطيعة في يد الغرب، بل هم أصحاب مشروع قومي وأيديولوجي مستقل. وحينما استكمل هذا المحور بناء قدراته الصاروخية ومسيراته وتغلغل في مفاصل الدول، انتقل من مرحلة "إدارة الفراغ" إلى مرحلة "فرض الهيمنة وتغيير قواعد اللعبة"، وهنا تصادمت طموحاته مع الخطوط الحمراء الغربية الثابتة:

  1. توازن الردع وأمن إسرائيل: وهو الركيزة العقائدية الصلبة في السياسة الخارجية الأمريكية والأوروبية، والذي بات مهدداً بشكل مباشر باستراتيجية "توحيد الجبهات والساحات" المحيطة بها.

  2. عصب الاقتصاد العالمي: حيث أدى تمكين الحوثيين في اليمن – كنتيجة للضغط الغربي السابق الذي أوقف العمليات العسكرية ضدهم تحت لافتة الوضع الإنساني – إلى تهديد حرية الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو ما يمس مباشرة مصالح الغرب الحيوية.

  3. الطموح النووي: كعتبة ترفض واشنطن وحلفاؤها كسرها منعاً لإنهاء احتكار القوة في المنطقة.

خاتمة: حصاد الزرع المرّ

في المحصلة، يتبين لنا الفارق الجوهري بين ظاهر القصة وخلفيات سرديتها؛ فالسياسة الخارجية الغربية لم تكن خطة عبقرية محكمة لتمكين المحور الشيعي، بل كانت سلسلة من الحماقات والبراغماتية قصيرة النظر التي فضّلت تفكيك "التهديد السني المتطرف" الآني، دون إدراك أنها تساهم في بناء "تغول إقليمي منظم" بعيد المدى.

اليوم، يجد الغرب نفسه مضطراً لمواجهة الواقع الجيوسياسي المرير الذي ساهم هو نفسه في صناعة ظروفه. إنها المواجهة المؤجلة التي فرّقها التخبط الاستراتيجي لسنوات، وجمعتها حتمية الصدام بمجرد أن انتهت صلاحية التقاطعات الظرفية، لتظهر التناقضات الجذرية بين مشاريع الهيمنة الدولية والإقليمية على الشرق الأوسط.


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.