اليمن: تشكل الدولة بالقوة: العثمانيون والبريطانيون: اليمن بين احتلالين

حين دخلت القوى الإمبراطورية إلى جغرافيا لا تستقر على مركز واحد

مع دخول العثمانيين ثم البريطانيين إلى اليمن، لم تبدأ البلاد فجأة في “العصر الحديث” كما توحي بعض السرديات التقليدية، بل دخلت مرحلة جديدة من الصراع بين الجغرافيا المحلية ومشاريع السيطرة الإمبراطورية.

فالقوى الخارجية لم تواجه فراغًا سياسيًا، بل اصطدمت ببيئة تاريخية معقدة:

  • تضاريس تعيق السيطرة المستمرة

  • مجتمعات محلية شديدة الاستقلال

  • ومراكز نفوذ لا تخضع بسهولة لمنطق الحكم المركزي

ولهذا، لم يكن الاحتلال في اليمن مجرد وجود عسكري، بل محاولة دائمة لإخضاع فضاء لا يقبل السيطرة الكاملة بسهولة.

العثمانيون: الدولة الإمبراطورية أمام الجبل

حين توسع العثمانيون نحو اليمن، لم يكن الهدف مجرد التوسع الجغرافي، بل السيطرة على موقع استراتيجي بالغ الأهمية في جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر.

لكن المشكلة الأساسية التي واجهتهم لم تكن في دخول اليمن، بل في القدرة على البقاء داخله.

فالإمبراطورية العثمانية كانت تعتمد على:

  • الإدارة المركزية

  • الامتداد العسكري

  • وربط الأطراف بالمركز الإمبراطوري

بينما كانت اليمن تعمل بمنطق مختلف:

  • استقلال محلي مرتفع

  • سلطة موزعة

  • وصعوبة دائمة في إخضاع المناطق الجبلية

وهكذا، وجد العثمانيون أنفسهم يسيطرون على المدن والموانئ أكثر مما يسيطرون على المجال اليمني بالكامل.


السيطرة على الساحل… والعجز عن احتكار الداخل

في كثير من الفترات، استطاعت القوى الخارجية فرض حضور قوي على المناطق الساحلية والمراكز الحضرية.
لكن الداخل الجبلي ظل أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للسيطرة المباشرة.

هذا خلق انقسامًا بنيويًا داخل اليمن:

  • ساحل أكثر انفتاحًا على النفوذ الخارجي

  • وداخل يحتفظ بقدر واسع من الاستقلال الاجتماعي والسياسي

ولم يكن هذا الانقسام مؤقتًا، بل أصبح جزءًا من البنية السياسية اللاحقة لليمن.


البريطانيون: البحر كطريق للسيطرة

إذا كان العثمانيون قد دخلوا اليمن من زاوية الإمبراطورية البرية، فإن البريطانيين دخلوا من زاوية البحر.

بالنسبة لبريطانيا، لم تكن اليمن هدفًا قائمًا بذاته بقدر ما كانت عقدة استراتيجية لحماية خطوط الملاحة والتجارة الإمبراطورية.

ولهذا، ركّز البريطانيون على:

  • الموانئ

  • خطوط الملاحة

  • والمواقع الساحلية الحساسة

خصوصًا في الجنوب، حيث تحولت بعض المناطق إلى فضاءات مرتبطة بالاقتصاد البحري العالمي أكثر من ارتباطها بالداخل اليمني.


اليمن بين مشروعين مختلفين للسيطرة

رغم اختلاف العثمانيين والبريطانيين، إلا أن الطرفين واجها المشكلة نفسها:

كيف يمكن إخضاع فضاء لا ينتج مركزًا مستقرًا بسهولة؟

لكن الفرق كان في أسلوب التعامل:

  • العثمانيون حاولوا دمج اليمن داخل بنية إمبراطورية مركزية

  • بينما ركز البريطانيون على السيطرة الوظيفية للموانئ والممرات البحرية

وهكذا، لم يُنتج الاحتلالان دولة موحدة، بل عمّقا الانقسام بين:

  • الداخل والخارج

  • الجبل والساحل

  • والمركز والموانئ


بداية تشكل يمنين مختلفين

مع الوقت، لم يعد الانقسام مجرد اختلاف جغرافي، بل بدأ يتحول إلى اختلاف سياسي وإداري.

في الشمال:

  • سلطة أكثر ارتباطًا بالبنية التقليدية

  • حضور أكبر للجبل والقبيلة

  • ومحاولات حكم تقوم على التوازن المحلي

وفي الجنوب:

  • إدارة أكثر اتصالًا بالملاحة والتجارة العالمية

  • انفتاح على النفوذ البحري

  • ونمط مختلف من التنظيم السياسي والاقتصادي

هذه الثنائية ستصبح لاحقًا واحدة من أهم جذور الانقسام اليمني الحديث.


الاحتلال كعامل إعادة تشكيل لا كهيمنة كاملة

من الخطأ تصور أن القوى الإمبراطورية “سيطرت بالكامل” على اليمن.
الأدق أنها أعادت تشكيله جزئيًا دون أن تنجح في إخضاعه الكامل.

فالاحتلال لم يُلغِ البنى المحلية، بل اضطر غالبًا إلى:

  • التفاوض معها

  • الاعتماد على الوسطاء

  • أو التعايش مع سلطات غير رسمية

وهذا ما جعل السلطة الحديثة في اليمن تتشكل منذ البداية داخل علاقة معقدة بين:

  • النفوذ الخارجي

  • والبنية التقليدية المحلية


من الاحتلال إلى الأزمة البنيوية للدولة

ما خلفه العثمانيون والبريطانيون لم يكن مجرد آثار استعمارية عادية، بل بنية سياسية غير متجانسة:

  • شمال يعمل بمنطق مختلف عن الجنوب

  • ساحل مختلف عن الداخل

  • ومجال سياسي لم يعرف توحيدًا إداريًا حقيقيًا طويل الأمد

وبدل أن تُنتج هذه المرحلة دولة حديثة مستقرة، أنتجت أساسًا هشًا لدولة ستظل تعاني لاحقًا من الانقسام والتعدد البنيوي.


خلاصة: القوى الكبرى تدخل… والجغرافيا تعيد إنتاج نفسها

تكشف تجربة العثمانيين والبريطانيين في اليمن حقيقة أساسية:
القوى الإمبراطورية تستطيع الدخول إلى اليمن، لكنها تجد صعوبة في إعادة تشكيله بالكامل وفق منطقها.

فالجغرافيا التي قيّدت الممالك القديمة، ووزعت السلطة اجتماعيًا، استمرت في فرض حدودها حتى على المشاريع الإمبراطورية الكبرى.

وهكذا، لم يكن الاحتلال مجرد سيطرة خارجية، بل فصلًا جديدًا من الصراع الطويل بين المركز والجغرافيا، بين الدولة والفضاء الذي يحاول دائمًا تفكيكها.

وفي المقال القادم، سننتقل إلى واحدة من أكثر الظواهر تأثيرًا في تاريخ اليمن السياسي: الإمامة، حيث يتحول الدين من إطار اجتماعي وروحي إلى شكل مباشر من أشكال السلطة السياسية.

سلسلة: اليمن: الدولة التي لم تخرج من الجغرافيا

احصل على نسخة PDF

@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.