حين تتحول الدولة إلى سردية أكثر من كونها واقعًا

في عالم السياسة المعاصر، لا تُفهم الدول فقط من خلال ما يحدث داخلها، بل أيضًا من خلال الصورة التي تُصنع عنها في الخارج.
وفي حالة اليمن، تتضاعف هذه الإشكالية، إذ لا تنعكس الوقائع كما هي، بل تُعاد صياغتها عبر سرديات إعلامية متعددة، كل منها يختار زاوية مختلفة من الواقع المعقد.
وهنا يصبح السؤال مهمًا:
هل اليمن كما هو على الأرض، أم كما يُقدَّم في الإعلام العالمي؟
من الواقع إلى السردية
الإعلام لا ينقل الواقع بشكل مباشر، بل يعيد إنتاجه عبر:
انتقاء الأحداث
تبسيط التعقيد
وربط الوقائع بإطارات تفسير جاهزة
وبذلك، يتحول المشهد اليمني إلى سلسلة من الصور المتقطعة، بدل أن يكون صورة كاملة متماسكة.
اختزال الصراع في عناوين جاهزة
غالبًا ما يتم اختزال اليمن في عناوين عامة مثل:
حرب أهلية
أزمة إنسانية
صراع إقليمي
لكن هذه العناوين، رغم دقتها الجزئية، لا تعكس التعقيد البنيوي العميق الذي يتجاوز التصنيفات السهلة.
فالواقع أكثر تشابكًا من أن يُختزل في إطار واحد.
الإعلام كصانع للمعنى
لا يقتصر دور الإعلام على نقل الأخبار، بل يمتد إلى:
تحديد ما هو مهم وما هو ثانوي
وتشكيل زاوية النظر إلى الأحداث
وبناء فهم أولي لما يحدث
وهذا يعني أن الصورة الإعلامية تصبح جزءًا من الواقع السياسي نفسه.
تعدد المنصات وتعدد الروايات
في العصر الحديث، لم يعد هناك سردية واحدة مسيطرة، بل:
إعلام دولي
إعلام إقليمي
ومنصات رقمية متعددة
هذا التعدد لا يؤدي دائمًا إلى وضوح أكبر، بل أحيانًا إلى مزيد من التشتت في فهم المشهد.
اليمن بين التغطية الإنسانية والسياسية
غالبًا ما يظهر اليمن في الإعلام العالمي من زاويتين رئيسيتين:
زاوية إنسانية تركّز على المعاناة
وزاوية سياسية تركّز على الصراع والفاعلين
لكن الفجوة بين الزاويتين تبقى كبيرة، حيث لا تلتقي الصورة الإنسانية مع البنية السياسية المعقدة للصراع.
الصورة الجزئية بدل الصورة الكلية
المشكلة الأساسية في التغطية الإعلامية ليست في الخطأ، بل في الجزئية.
فكل تغطية:
تركز على جزء من الواقع
وتترك أجزاء أخرى خارج الإطار
مما يؤدي إلى فهم غير مكتمل للمشهد
وهذا يخلق تصورًا مشوهًا أو ناقصًا عن طبيعة الدولة والصراع.
الإعلام وصناعة الإدراك الدولي
الصورة الإعلامية لا تؤثر فقط على الجمهور، بل أيضًا على:
السياسات الدولية
قرارات التدخل أو الدعم
وتحديد أولويات التعامل مع الأزمة
وبذلك، يصبح الإعلام جزءًا من البيئة السياسية المحيطة باليمن.
بين الواقع والصورة
في كثير من الحالات، لا تكون المشكلة في غياب المعلومات، بل في كثرتها غير المنظمة.
فالواقع معقد، لكن الصورة الإعلامية:
تختزله
وتعيد ترتيبه
وتقدمه في إطار مبسط
وهذا الفارق بين الواقع والصورة هو أحد أهم عناصر فهم الحالة اليمنية.
خلاصة: دولة تُفهم عبر ما يُقال عنها
تكشف حالة اليمن أن الدولة لا تُفهم فقط من داخلها، بل أيضًا عبر الصورة التي تُبنى عنها خارجيًا.
لكن هذه الصورة، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم الواقع، لأنها تعمل ضمن منطق الاختزال والانتقاء، بينما الواقع أكثر تعقيدًا وتراكبًا.
وفي المقال الأخير من هذه السلسلة، سننظر إلى البعد الدولي الأوسع: اليمن بين الصين وأمريكا، وكيف عادت الجغرافيا لتفرض نفسها على السياسة العالمية من جديد.
سلسلة: اليمن: الدولة التي لم تخرج من الجغرافيا