
لماذا أثارت تجربة الأرقم في ماليزيا قلق الدولة؟
ليست كل الحركات الدينية متشابهة في أهدافها أو في طريقة عملها. فبعضها يكتفي بالوعظ والإرشاد، وبعضها يركز على التربية الروحية، بينما يذهب بعضها إلى أبعد من ذلك، فيسعى إلى بناء مجتمع متكامل يمتلك اقتصاده ومؤسساته التعليمية وشبكاته الاجتماعية. وهنا تبدأ العلاقة مع الدولة بالدخول في مرحلة مختلفة.
تجربة جماعة الأرقم في ماليزيا تمثل نموذجًا يستحق الدراسة بعيدًا عن الجدل الديني الذي أحاط بها. فما يلفت النظر في هذه التجربة ليس عدد أتباعها، ولا طبيعة خطابها الدعوي، بل قدرتها على الانتقال من جماعة دينية إلى مجتمع منظم يمتلك أدواته الاقتصادية والاجتماعية.
لم تكتفِ الجماعة بالدعوة داخل المساجد، بل أنشأت شركات، ومزارع، ومصانع، ومتاجر، ومدارس، وشبكات إنتاج وتوزيع، حتى أصبح كثير من أتباعها يعملون داخل المنظومة نفسها، ويشترون من مؤسساتها، ويتعاملون مع اقتصادها الداخلي. وبهذا لم تعد الجماعة مجرد إطار ديني، بل أصبحت نموذجًا اجتماعيًا متكاملًا.
ومن منظور أتباعها، كان ذلك محاولة لبناء مجتمع ينسجم مع قناعاته الدينية ويحقق قدرًا أكبر من الاكتفاء والاستقلال. أما من منظور الدولة، فقد بدا الأمر مختلفًا؛ إذ إن أي تنظيم يمتلك اقتصادًا، وتعليمًا، وقيادة، وشبكات اجتماعية واسعة، يبدأ تدريجيًا في تكوين ولاء داخلي قد يوازي ولاء المؤسسات الرسمية، حتى لو لم يرفع شعار المواجهة السياسية.
وهنا تكمن النقطة الجوهرية. فالدولة الحديثة لا تنظر عادة إلى حجم التدين بوصفه المشكلة الأساسية، وإنما تراقب قدرة أي تنظيم على بناء مؤسسات مستقلة تستقطب الأفراد وتدير شؤونهم خارج الإطار الرسمي. وكلما اقترب التنظيم من تشكيل مجتمع موازٍ، زادت حساسية العلاقة بينه وبين الدولة.
ولا يعني ذلك أن كل مشروع اقتصادي ديني يمثل خطرًا، كما لا يعني أن كل تدخل من الدولة كان بالضرورة مبررًا. لكن تجربة الأرقم تكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن القوة لا تُقاس بعدد الخطب أو الأنشطة الدعوية، بل بقدرة التنظيم على إنتاج منظومة متكاملة قادرة على الاستمرار.
وقد زادت تعقيدات المشهد مع ظهور خلافات حول بعض الأفكار المنسوبة إلى قيادة الجماعة، وهو ما استُخدم جزءًا من مبررات إنهاء نشاطها. غير أن التركيز على الجدل العقدي وحده قد يحجب جانبًا آخر لا يقل أهمية، وهو التحول التنظيمي الذي جعل الجماعة تمتلك حضورًا اقتصاديًا واجتماعيًا واسعًا.
وتكشف هذه التجربة عن فرق واضح بين نماذج الحركات الإسلامية. فهناك حركات يظل تأثيرها محصورًا في إصلاح السلوك الفردي، بينما توجد حركات أخرى تحاول إعادة تشكيل البيئة الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بأتباعها. وكلما اتسعت هذه البيئة، تغيرت طبيعة العلاقة مع الدولة، سواء كان ذلك بسبب اعتبارات أمنية، أو تنظيمية، أو سياسية.
ولعل السؤال الذي تطرحه تجربة الأرقم لا يتعلق بها وحدها، بل بكل الحركات المنظمة في العالم: متى يتحول التنظيم من جماعة تحمل فكرة إلى مجتمع يمتلك مؤسساته الخاصة؟ ومتى تبدأ الدولة بالنظر إليه بوصفه شريكًا اجتماعيًا، أو منافسًا مؤسسيًا، أو كيانًا يحتاج إلى إعادة تنظيم؟
إن دراسة الأرقم من هذه الزاوية لا تهدف إلى تبرئة التجربة أو إدانتها، بل إلى فهمها. فالحركات لا تُقاس بشعاراتها فقط، وإنما بالمسار الذي تسلكه، وبالنتائج التي تنتجها، وبطبيعة علاقتها بالمجتمع والدولة. وعندما نقرأ التجربة بهذه الطريقة، تتحول من قصة محلية في ماليزيا إلى نموذج يفسر كيف تنشأ المجتمعات الموازية، ولماذا تثير اهتمام الدول، مهما اختلفت طبيعة أنظمتها.