كيف تختلف مشاريع الحركات الإسلامية رغم انطلاقها من المرجعية نفسها؟
كثيرًا ما تُعامل الحركات الإسلامية وكأنها نموذج واحد، ويُختزل الاختلاف بينها في الأسماء أو في المواقف السياسية. لكن القراءة المتأنية تكشف أن الفروق الحقيقية تكمن في طبيعة المشروع الذي تسعى إليه كل حركة، وفي السؤال الذي تعتبره نقطة البداية لأي إصلاح.
فثمة حركات ترى أن الإنسان هو أصل المشكلة، وأن المجتمع لن يتغير إلا إذا تغير الفرد. ولهذا تركز على العبادة، والأخلاق، والتزكية، والدعوة المباشرة، وتعتبر أن إصلاح السلوك هو المدخل الطبيعي لإصلاح الأمة.
وفي المقابل، توجد حركات ترى أن المشكلة ليست في الأفراد وحدهم، بل في البيئة التي يعيشون فيها. ولذلك تتجه إلى بناء المدارس، والشركات، والجمعيات، والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، محاولةً تكوين مجتمع قادر على إنتاج نمط حياة مختلف، لا مجرد أفراد أكثر التزامًا.
وهناك اتجاه ثالث يذهب إلى أن أصل الخلل سياسي بالدرجة الأولى، وأن إصلاح المجتمع لا يتحقق إلا بإصلاح الدولة نفسها، أو بالمشاركة في السلطة، أو بإعادة بناء النظام السياسي. وهنا تصبح السياسة هي المجال الرئيس للعمل، بينما تتحول بقية الأنشطة إلى وسائل تخدم هذا الهدف.
كما ظهرت نماذج جعلت المعركة الأساسية معركة أفكار، فركزت على التعليم، وإنتاج المعرفة، وتحليل التاريخ، ومناقشة الفلسفات، وإعادة بناء الوعي، باعتبار أن المجتمعات تتحرك وفق الأفكار قبل أن تتحرك وفق القرارات.
ولا يعني هذا أن هذه النماذج منفصلة تمامًا، فبعض الحركات تجمع بين أكثر من مسار، لكن الغالب أن كل تجربة تمنح أحد هذه الجوانب أولوية واضحة، ومنها يمكن فهم طبيعة نشاطها وعلاقتها بالمجتمع والدولة.
ومن هنا يمكن تفسير اختلاف تعامل الدول مع هذه الحركات. فالحركة التي تكتفي بإصلاح السلوك الفردي قد لا تُنظر إليها بالطريقة نفسها التي يُنظر بها إلى حركة تمتلك شبكة اقتصادية واسعة، أو إلى حركة تسعى للوصول إلى السلطة، أو إلى حركة تؤثر في تشكيل الرأي العام. فكلما اتسع نطاق المشروع، اتسعت أيضًا مساحة التفاعل، وربما التوتر، مع مؤسسات الدولة.
كما أن نجاح أي نموذج في مجاله لا يعني أنه يقدم حلًا شاملًا. فالإصلاح السلوكي قد يخرج أفرادًا أكثر التزامًا، لكنه لا يجيب وحده عن أسئلة الاقتصاد والسياسة. والمشروع المؤسسي قد يحقق استقلالًا اجتماعيًا، لكنه يثير تحديات تتعلق بعلاقته بالدولة. والعمل السياسي قد يمنح تأثيرًا مباشرًا، لكنه يواجه تقلبات السلطة والصراع. أما المشروع الفكري فقد ينتج وعيًا عميقًا، لكنه قد يبقى محدود الأثر إذا لم يتحول إلى سلوك أو مؤسسات.
ولهذا فإن الخطأ لا يكمن في وجود هذه النماذج، بل في الاعتقاد بأن أحدها وحده يكفي لبناء نهضة متكاملة. فالحضارات لا تقوم على عنصر واحد، بل على تفاعل الإنسان، والفكرة، والمؤسسة، والنظام، والقيم في وقت واحد.
وربما لهذا السبب بقيت كثير من مشاريع الإصلاح، رغم نجاحها الجزئي، عاجزة عن تحقيق التحول الشامل. فكل منها عالج جانبًا من الأزمة، بينما ظلت بقية الجوانب تبحث عن مشروع آخر يكملها.
إن قراءة الحركات الإسلامية بهذه الطريقة تنقل النقاش من سؤال: "من هي الجماعة الصحيحة؟" إلى سؤال أكثر عمقًا: "ما المشروع الذي تحمله كل جماعة؟ وما حدود هذا المشروع؟". فبهذا المنهج يصبح التقييم أقرب إلى التحليل، وأبعد عن الانحياز، ويغدو فهم الظاهرة أهم من إصدار الأحكام عليها.