
عندما لا يكون السؤال: من انتصر في الحرب؟ بل: ماذا بقي من معنى الدولة بعد الحرب؟
بقلم: د. عارف عبدالرزاق دحوان
ضمن: مقالات ضيوف فروق
هناك لحظة في تاريخ الأمم لا يكون فيها السؤال: من انتصر في الحرب؟ بل: ماذا بقي من معنى الدولة بعد الحرب؟
اليمن اليوم يقف أمام هذه اللحظة.
لقد اعتاد اليمنيون، ومعهم المجتمع الدولي، على قراءة الأزمة باعتبارها صراعًا على السلطة. لكن هذه القراءة، على الرغم من صحتها الجزئية، تخفي حقيقة أكثر خطورة؛ وهي أن اليمن لم يعد يعيش صراعًا على الحكم، بل يعيش صراعًا على تعريف الدولة نفسها.
لقد أصبحت كل قوة سياسية تمتلك تصورًا مختلفًا للدولة، وكل منطقة تمتلك مفهومًا مختلفًا للمواطنة، وكل جيل بدأ يرث رواية مختلفة عن اليمن.
وهنا تكمن الكارثة.
موت الدولة لا يبدأ بسقوط المباني
فالدول لا تموت عندما تُقصف عواصمها، وإنما تموت عندما يفقد مواطنوها القدرة على الاتفاق حول السؤال الأبسط:
من نحن؟
في السنوات الماضية، لم تُدمَّر الطرق والجسور والموانئ فقط، بل تآكلت المساحة النفسية المشتركة التي كانت تجمع اليمنيين.
وأصبح الانتماء إلى الجماعة أكثر أمنًا من الانتماء إلى الوطن، والانتماء إلى السلاح أكثر فاعلية من الانتماء إلى القانون.
الحرب التي تعيد تشكيل الإنسان
إن أخطر ما أنتجته الحرب ليس الدمار، بل إعادة تشكيل عقل الإنسان اليمني.
فالطفل الذي وُلد عام 2015 بلغ اليوم من العمر ما يكفي ليكوّن ذاكرته الأولى.
لكنه لم يعرف الدولة إلا من خلال نقاط التفتيش، ولم يعرف السياسة إلا عبر الحرب، ولم يعرف الاقتصاد إلا عبر الإغاثة، ولم يعرف العدالة إلا بوصفها امتيازًا يملكه الأقوياء.
هذا الجيل لا يحتاج إلى إعادة إعمار المدارس فقط، بل يحتاج إلى إعادة إعمار فكرة الوطن.
ولهذا فإن الحديث عن إعادة الإعمار قبل إعادة بناء الإنسان يشبه بناء سقف جديد فوق أساسات تتآكل بصمت.
حين توزع الحرب الهويات
لقد انشغل السياسيون بتوزيع السلطات، بينما كانت الحرب توزع الهويات.
وانشغل الوسطاء برسم خطوط وقف إطلاق النار، بينما كانت خطوط الانقسام تتعمق داخل الوعي اليمني.
إن السلام ليس توقيعًا على ورقة، بل لحظة يعود فيها المواطن إلى الثقة بأن مستقبله لا تحدده قبيلته، ولا منطقته، ولا جماعته المسلحة، بل حقوقه كمواطن.
الخطر الأكبر: فقدان الحاجة إلى الدولة
إن أخطر مؤشر على فشل الدولة ليس انتشار السلاح، بل انتشار الشعور بأن الدولة لم تعد ضرورية.
وعندما يصل المواطن إلى هذه القناعة، يبدأ في بناء دولة بديلة داخل عقله؛ دولة تقوم على العائلة، أو القبيلة، أو الحزب، أو الطائفة، أو القوة العسكرية.
ومن هنا يبدأ التفكك الحقيقي.
السؤال الذي يتجاوز السلطة
ولذلك فإن اليمن لا يحتاج فقط إلى حكومة جديدة، ولا إلى انتخابات جديدة، ولا إلى اتفاق جديد، بل يحتاج إلى استعادة الفكرة التي قامت عليها كل الدول الحديثة:
أن الدولة ليست أقوى لأنها تملك السلاح، بل لأنها الكيان الوحيد الذي يثق الجميع بأنه يحمي الجميع.
إن الأمم لا تنهار بسبب كثرة أعدائها، وإنما تنهار عندما يصبح كل فرد فيها مقتنعًا بأن نجاته الشخصية أهم من بقاء الوطن.
وهنا يتحول الوطن من مشروع مشترك إلى مساحة مؤقتة للعيش، ومن هوية جامعة إلى ذكرى يتغنى بها الناس بينما يبنون مستقبلهم خارجها.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه اليمنيون اليوم ليس:
من سيحكم اليمن؟
بل سؤال أكثر قسوة وأعمق أثرًا:
هل ما زال اليمنيون يؤمنون بوجود شيء يستحق أن يُحكم اسمه اليمن؟
فإذا ضاع الإيمان بالفكرة، فلن تنقذها أي حكومة.
أما إذا بقيت الفكرة حيّة في وجدان الناس، فإن الدولة، مهما طال غيابها، تستطيع أن تولد من جديد.