انتهى الاستعمار سياسيًا، لكن السؤال بقي: كيف تنظر أوروبا اليوم إلى العصر الذي كانت فيه تحكم أجزاء واسعة من العالم؟
عندما انتهت الإمبراطوريات الأوروبية، لم تختفِ معها ذاكرتها. اختفت الجيوش من كثير من المستعمرات، وانتهى الحكم المباشر، وظهرت دول مستقلة ترفع أعلامها الوطنية وتدير شؤونها بنفسها، لكن في أوروبا بقي سؤال مختلف: ماذا يفعل الأوروبي المعاصر بهذا الماضي؟ هل يفخر به باعتباره عصر القوة والتوسع والتجارة والبحر؟ أم يشعر بالعار بسبب العنف والاستغلال والعبودية؟ أم أن المسألة ببساطة لم تعد تعنيه كثيرًا؟
الحقيقة أن أياً من هذه الإجابات منفردًا لا يصف أوروبا الحديثة. الإمبراطورية لم تعد مشروعًا سياسيًا، لكنها لم تتحول أيضًا إلى ذكرى واحدة يتفق الأوروبيون على تفسيرها. فهناك من يراها جزءًا من تاريخ القوة الوطنية، وهناك من يراها تاريخًا من الاستغلال والقمع، وهناك قطاع واسع لا ينظر إليها باعتبارها مصدرًا واضحًا للفخر أو العار.
الأوروبي المعاصر ليس أوروبي الإمبراطورية
أول خطأ في النظر إلى المسألة هو التعامل مع الأوروبي الحالي وكأنه امتداد مباشر للمواطن الذي عاش في زمن الإمبراطورية. الشاب البريطاني أو الفرنسي أو الهولندي اليوم لم يعش في عالم كانت بلاده ترسل فيه الجيوش إلى آسيا وأفريقيا، ولم يكن الاستعمار بالنسبة إليه تجربة سياسية يومية.
بالنسبة إلى معظم الأجيال الحالية، الإمبراطورية تاريخ. قد يكون تاريخًا مهمًا، وقد يكون حاضرًا في المناهج والمتاحف والجدل السياسي، لكنه ليس النظام الذي يعيشون داخله. ولهذا فإن سؤال «هل أنت فخور بما فعله أجدادك في المستعمرات؟» قد يبدو أصلًا غريبًا على جزء كبير من الجيل الحالي، لأنه لم يفعل ذلك، ولم يختره، ولم يعش في ذلك النظام.
لكن هذا لا يعني أن الماضي فقد أهميته. فالدول لا تختار تاريخها، لكنها تختار الطريقة التي ترويه بها.
لا يوجد موقف أوروبي واحد
تشير استطلاعات الرأي إلى أن الأوروبيين لا ينقسمون ببساطة إلى فئتين: فئة تفتخر بالإمبراطورية وفئة تخجل منها. ففي استطلاعات شملت عددًا من الدول الأوروبية، كان الموقف المحايد أو عدم اعتبار الإمبراطورية مصدرًا للفخر أو العار هو الأكثر شيوعًا في دول عديدة، مع وجود اختلافات واضحة بين البلدان.
وهذا مهم لأن النقاش العام أحيانًا يقدم صورة مبالغًا فيها عن الموقف الأوروبي. لا يمكن القول إن أوروبا الحديثة تشعر جماعيًا بالعار من تاريخها الاستعماري، كما لا يمكن القول إنها ما زالت تحتفل بالإمبراطوريات كما لو أنها مشروع سياسي مرغوب.
الموقف أكثر هدوءًا وتعقيدًا: هناك فخر عند بعض الفئات، ونقد عند فئات أخرى، ولا مبالاة أو حياد عند قطاع واسع.
بريطانيا حالة خاصة
تبدو بريطانيا من أكثر الحالات وضوحًا لأن الإمبراطورية البريطانية كانت ضخمة جدًا ولأن آثارها ما زالت حاضرة في اللغة والثقافة والسياسة والعلاقات الدولية. هناك من يرى الإمبراطورية تاريخًا من القوة البحرية والتجارة والانتشار العالمي، ويربطها باللغة الإنجليزية والكومنولث وبعض المؤسسات التي انتقلت إلى أجزاء مختلفة من العالم.
وفي المقابل توجد رواية تركز على العبودية والاستغلال والعنف والقمع والمجاعات والمصالح الاقتصادية التي استفادت من المستعمرات. ولا يزال هذا الخلاف حاضرًا في السياسة والإعلام والتعليم والنقاش حول التماثيل والمتاحف.
لكن حتى هنا لا توجد ذاكرة واحدة. فهناك اختلافات بين الأجيال والتيارات السياسية والمناطق، كما أن الشخص الذي يفتخر بتاريخ بلاده لا يعني بالضرورة أنه يوافق على كل ما فعلته الإمبراطورية.
الفخر بتاريخ الدولة ليس بالضرورة فخرًا بالاستعمار
هذه نقطة ضرورية لأن الكثير من النقاشات تخلط بين الأمرين. يمكن لبريطاني أن يفتخر بتاريخ بلاده البحري أو الصناعي أو العلمي أو بدورها في الحرب العالمية الثانية، دون أن يعني ذلك أنه يعتبر استعمار الهند أو قمع حركات الاستقلال إنجازًا يستحق الاحتفال.
ويمكن لشخص آخر أن يرى أن الإمبراطورية ساهمت في انتشار اللغة الإنجليزية أو بناء شبكات تجارية ومؤسسات معينة، لكنه في الوقت نفسه يرفض العنف والاستغلال الذي صاحب التوسع الاستعماري.
لذلك فإن عبارة «الفخر بالإمبراطورية» لا تكشف وحدها بما يفخر الشخص تحديدًا. وقد يكون الخلاف في الحقيقة حول تفسير جزء من التاريخ، وليس حول تبني الاستعمار كمشروع معاصر.
الأجيال الجديدة تنظر إلى الماضي من زاوية مختلفة
ليس دقيقًا القول إن الشباب الأوروبي يكره الاستعمار. الأدق أن علاقته بالإمبراطورية مختلفة عن علاقة الأجيال التي عاشت في ظل النظام الإمبراطوري أو بعده مباشرة.
الأجيال الأصغر تعيش في أوروبا ما بعد الإمبراطورية، حيث أصبحت الهجرة والتعدد الثقافي وحقوق الإنسان والمساواة قضايا أكثر حضورًا. ولذلك تحول السؤال في كثير من الأحيان من «كيف جعلت الإمبراطورية بلدنا قويًا؟» إلى «ماذا فعلت الإمبراطورية بالشعوب التي حكمتها؟».
هذا لا يعني أن الشباب يتبنى موقفًا واحدًا، لكنه يعني أن نقطة البداية تغيرت. فالإمبراطورية لم تعد مستقبلًا سياسيًا محتملًا، وإنما أصبحت موضوعًا تاريخيًا تتم مناقشته من منظور الحاضر.
الماضي الاستعماري عاد إلى المجال العام
المفارقة أن الأوروبيين لا يعيشون في زمن إمبراطوري، لكن النقاش حول الإمبراطورية أصبح حاضرًا في قضايا عديدة. ظهرت نقاشات حول التماثيل والآثار والمقتنيات الموجودة في المتاحف الأوروبية، وحول إعادة بعض الممتلكات إلى البلدان التي خرجت منها، وحول طريقة تدريس الاستعمار والعبودية، وحول الاعتذارات الرسمية والتعويضات.
وهذا لا يعني أن أوروبا كلها أصبحت معادية لتاريخها. بل يعني أن المجتمع الأوروبي لم يعد يرى الماضي الاستعماري باعتباره قصة نجاح وطنية بسيطة يمكن الاحتفال بها دون نقاش.
لقد أصبح الماضي نفسه موضع بحث ومراجعة، وأصبح السؤال ليس فقط ماذا فعلت الإمبراطورية، وإنما كيف ينبغي للدولة الحديثة أن تتعامل مع إرث ذلك الماضي.
لكن الاعتذار لا يعني ذنبًا شخصيًا
يمكن لدولة أن تعترف بأن حدثًا تاريخيًا كان ظلمًا أو جريمة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن كل مواطن يعيش اليوم يجب أن يشعر بأنه مذنب شخصيًا. فالإنسان لا يختار ما فعلته الدولة قبل ولادته، ولا يمكن تحميله مسؤولية مباشرة عن قرارات اتخذتها حكومات وأجيال سابقة.
لكن في الوقت نفسه، لا يعني غياب المسؤولية الشخصية أن المجتمع يجب أن ينسى الماضي أو يرفض الاعتراف به. يمكن أن توجد صيغة أكثر عقلانية: لا ذنب شخصي موروث، لكن هناك مسؤولية تاريخية في معرفة ما حدث وعدم تزويره.
وهذا يفسر لماذا يمكن لشخص أوروبي أن يرفض فكرة التعويض الشخصي أو الشعور بالذنب، لكنه يؤيد دراسة الاستعمار والاعتراف بالجرائم التي ارتكبت خلاله.
لماذا لا يزال بعض الأوروبيين يفخرون بالإمبراطورية؟
لأن الذاكرة الوطنية لا تتكون من الجرائم وحدها. بالنسبة لبعض الأوروبيين، ترتبط الإمبراطورية بتاريخ البحرية والاستكشاف والتجارة والصناعة واللغة والانتشار العالمي. وقد يرون أن الإمبراطورية كانت جزءًا من مرحلة جعلت بلدهم قوة دولية.
لكن هذا الفخر لا يعني بالضرورة الدفاع عن كل تفاصيل الاستعمار. قد يكون الشخص فخورًا بقدرة بلده على بناء أسطول أو شبكة تجارية، وفي الوقت نفسه يرى أن بعض ممارسات الاستعمار كانت خاطئة. لذلك فإن الفخر بتاريخ الدولة يمكن أن يتعايش مع نقد أجزاء كبيرة من تاريخها الاستعماري.
وفي المقابل، هناك من يرفض أصلًا استخدام كلمة «فخر» في هذا السياق، ويرى أن الإنجازات العلمية أو الصناعية يمكن الاحتفال بها، بينما لا ينبغي اعتبار السيطرة على شعوب أخرى إنجازًا وطنيًا.
ولم يعد من السهل الدفاع عن الإمبراطورية باعتبارها مشروعًا حضاريًا بسيطًا
كانت الإمبراطوريات في زمنها تقدم نفسها غالبًا من خلال لغة نشر الحضارة والتقدم والنظام. لكن هذه اللغة فقدت كثيرًا من قوتها بعد سقوط الاستعمار، لأن المؤرخين أصبحوا قادرين على دراسة العلاقة بين المؤسسات التي أنشأتها القوى الاستعمارية وبين أهدافها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
فالطرق والموانئ والمدارس والإدارات لم تكن منفصلة عن مصالح الدولة الاستعمارية، والاستعمار لم يكن مجرد بناء مؤسسات. كان أيضًا سيطرة سياسية واستخراجًا للموارد وفرضًا للقوانين، وفي حالات كثيرة عنفًا شديدًا وقمعًا للمقاومة.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني الانتقال إلى الطرف الآخر وكتابة التاريخ كله باعتباره مواجهة بسيطة بين أوروبا الشريرة وشعوب مستعمرة بلا تعقيدات. كانت هناك إمبراطوريات آسيوية وأفريقية قبل الأوروبيين، وكانت هناك صراعات بين الممالك، وكان هناك حكام محليون تعاونوا مع الأوروبيين، وآخرون حاربوهم، وكان هناك مستفيدون محليون من النظام الاستعماري كما كان هناك متضررون منه.
التاريخ الجيد لا يحتاج إلى تبرئة أحد ولا إلى شيطنة الجميع.
ماذا بقي من الإمبراطورية؟
بقي الكثير، ولكن ليس بالضرورة في شكل إمبراطورية. بقيت اللغات الأوروبية في دول كثيرة، وبقيت حدود رسمتها القوى الاستعمارية، واستمرت علاقات اقتصادية وثقافية، وبقيت هجرات ربطت المستعمرات السابقة بالدول الأوروبية، واستمرت مؤسسات قانونية وإدارية وتعليمية نشأت خلال تلك المرحلة بدرجات مختلفة.
ولهذا انتهى الاستعمار كطريقة للحكم، لكنه لم ينته كأثر تاريخي. وما زالت بعض النقاشات الأوروبية حول الهجرة والتفاوت والتمييز والعلاقات بين أوروبا ومستعمراتها السابقة مرتبطة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتاريخ الاستعمار والعبودية.
وهنا تستمر المعركة الحقيقية: ليس حول إعادة الإمبراطورية، وإنما حول كيفية تفسير إرثها.
الإمبراطورية ماتت، لكن ذاكرتها لم تمت
بعد قرون من الصعود، ثم قرن من التوسع، ثم عقود من الانسحاب، أصبحت أوروبا تعيش في عالم مختلف تمامًا عن عالم الإمبراطوريات. لا توجد اليوم قوة أوروبية كبرى تسعى إلى إعادة بناء إمبراطورية استعمارية بالمعنى القديم، لكن الماضي لا يزال يظهر في المتاحف والمناهج والتماثيل والأفلام والسياسة والهجرة والنقاش حول الاعتذار والتعويضات.
وهذا هو المصير الطبيعي للإمبراطوريات الكبرى: حين تنتهي القوة تبدأ الذاكرة.
في زمن الإمبراطورية كان السؤال: كيف نحكم العالم؟ ثم أصبح السؤال: كيف نخرج منه؟ وبعد الخروج أصبح السؤال: ماذا نفعل بما فعلناه؟
وربما هذه هي المرحلة الأخيرة في القصة. ليس المطلوب من الأوروبي المعاصر أن يشعر بالفخر أو العار لمجرد أنه وُلد في بلد كانت له إمبراطورية، وليس المطلوب من الشعوب التي استعمرتها أوروبا أن تنسى ما حدث. الأهم أن يصبح التاريخ قادرًا على الوقوف أمام نفسه بلا أساطير؛ فلا تعود الإمبراطورية لأنها كانت عظيمة، ولا يُمحى تاريخها لأنها كانت ظالمة.
فالإمبراطوريات انتهت، لكن فهمها هو الذي يحدد كيف يقرأ العالم الحديث نفسه. لم تعد أوروبا تحكم العالم، ولم يعد العالم مستعمرًا كما كان، لكن آثار ذلك العالم القديم ما زالت حاضرة في الاثنين؛ في ذاكرة من حكم، وفي ذاكرة من حُكم.