هاواي: من مملكة مستقلة إلى الولاية الأمريكية الخمسين

من دولة ذات سيادة إلى جزء من القوة الأمريكية: كيف تحولت هاواي من مملكة مستقلة إلى إقليم ثم ولاية، وما الذي خسره سكانها الأصليون في هذا التحول؟

لم تكن هاواي أرضًا أمريكية ثم تحولت إلى ولاية، بل كانت مملكة مستقلة ذات سيادة، لها ملكها ودستورها وحكومتها وعلاقاتها الدولية، قبل أن يتحول النفوذ الاقتصادي الأجنبي إلى نفوذ سياسي، وتسقط الملكية في انقلاب عام 1893، ثم تُضم الجزر إلى الولايات المتحدة عام 1898، وتصبح بعد ستة عقود الولاية الأمريكية الخمسين.

تُعرف جزر هاواي اليوم باعتبارها إحدى أشهر الولايات الأمريكية ووجهة سياحية عالمية، لكن صورتها الحالية تخفي تاريخًا سياسيًا مختلفًا تمامًا. فقبل أن تظهر هاواي على الخريطة باعتبارها الولاية الخمسين، كانت هناك مملكة مستقلة في قلب المحيط الهادئ، لها نظامها السياسي وعلاقاتها الدولية، ويحكمها ملوك من أسرة هاواية. 
ولم يكن انتقالها إلى الولايات المتحدة نتيجة حرب احتلال تقليدية، بل نتيجة مسار طويل تداخلت فيه التجارة والاستثمار والهجرة والصراع على السلطة والموقع الاستراتيجي، حتى أصبحت دولة مستقلة جزءًا من قوة عظمى.

ولهذا فإن قصة هاواي لا تبدأ عام 1959 عندما أصبحت ولاية، ولا حتى عام 1898 عندما ضُمّت إلى الولايات المتحدة، وإنما قبل ذلك بكثير، عندما بدأت قوة اقتصادية أجنبية تزداد داخل دولة صغيرة حتى أصبحت قادرة على التأثير في مستقبلها السياسي.

المملكة التي وحدت الجزر

كانت جزر هاواي قبل القرن التاسع عشر موزعة بين ممالك وسلطات محلية متنافسة. ثم ظهر كاميهاميها الأول، الذي نجح عبر الحروب والتحالفات في توحيد الجزر تحت حكم واحد، وبحلول عام 1810 أصبحت هاواي مملكة موحدة.

ومع مرور العقود تطورت المملكة وأقامت علاقات تجارية ودبلوماسية مع القوى الغربية. وصل إليها التجار والمبشرون والبحارة، وبدأت تدخل في شبكة التجارة الدولية عبر المحيط الهادئ. ولم تكن هاواي مجرد جزر معزولة تنتظر قوة خارجية لتكتشفها، بل كانت دولة ذات سيادة تتعامل مع دول أخرى وتبحث عن موقع لها في النظام الدولي.

وفي منتصف القرن التاسع عشر ازداد الحضور الأمريكي داخل المملكة، خصوصًا مع توسع التجارة والزراعة. وأصبحت صناعة السكر ذات أهمية متزايدة، ودخل المستثمرون ورجال الأعمال الأمريكيون في ملكية الأراضي والمزارع، وبدأت تتشكل داخل هاواي طبقة اقتصادية ذات مصالح مرتبطة بالولايات المتحدة.

وهنا بدأ ميزان القوى يتغير.

عندما تحول الاقتصاد إلى نفوذ سياسي

لم يكن الخلاف بين المملكة والقوى الاقتصادية الأجنبية مجرد خلاف على التجارة. فكلما ازداد وزن أصحاب المزارع والتجار، ازداد اهتمامهم بمن يملك السلطة السياسية وكيف تُدار الدولة.

وفي عام 1887 تعرض الملك كالاكوا لضغط شديد من جماعة سياسية واقتصادية نافذة، واضطر إلى قبول دستور عُرف لاحقًا باسم «دستور الخنجر». قلص الدستور سلطات الملك ووسع نفوذ النخبة الاقتصادية، كما غيّر قواعد المشاركة السياسية بحيث استفادت منها فئات من المقيمين الأجانب وأصحاب الملكية.

لم تكن الولايات المتحدة قد ضمت هاواي بعد، لكن النفوذ الأمريكي أصبح داخل مؤسسات المملكة نفسها.

وهذه هي النقطة التي تجعل قصة هاواي مختلفة عن مجرد احتلال عسكري. فالتحول لم يبدأ عندما دخل الجيش الأمريكي إلى الجزر؛ بل بدأ قبل ذلك عندما أصبحت المصالح الاقتصادية الأجنبية جزءًا قويًا من الحياة السياسية المحلية.

الملكة التي حاولت استعادة السلطة

عندما اعتلت ليليوكالاني العرش عام 1891، أصبحت آخر ملكة لمملكة هاواي.

كانت الملكة ترى أن النظام الذي نشأ بعد دستور 1887 قد قلص سلطات الملكية وأضعف قدرة السكان الأصليين على التأثير في الحكم، ولذلك حاولت الدفع نحو دستور جديد يعيد بعض السلطة إلى التاج ويوسع من حقوق السكان المحليين. لكن هذه المحاولة اصطدمت بالنخبة السياسية والاقتصادية التي كانت تخشى فقدان نفوذها.

وفي يناير 1893 تحركت مجموعة من المعارضين للملكة، عُرفت باسم «لجنة السلامة»، وأسقطت الملكية وأعلنت حكومة مؤقتة.

وكان وجود القوات الأمريكية في هونولولو أثناء الأزمة أحد أكثر عناصر القضية إثارة للجدل. فقد نزلت قوات من مشاة البحرية الأمريكية إلى المدينة، وهو ما منح الانقلابيين دعمًا عسكريًا وسياسيًا مهمًا، رغم أن الحكومة الأمريكية لم تعلن رسميًا أنها تشن عملية عسكرية للاستيلاء على هاواي.

تحت هذه الظروف تنازلت الملكة عن السلطة، مع أملها في أن تتمكن الولايات المتحدة من إعادة الحكومة الشرعية لاحقًا وتجنب سفك الدماء. وهنا حدث أمر مهم غالبًا ما يغيب عن الرواية المختصرة.

الولايات المتحدة لم تضم هاواي مباشرة بعد الانقلاب.

واشنطن ترفض الضم مؤقتًا

وصلت القضية إلى الرئيس الأمريكي جروفر كليفلاند، الذي لم يقبل بسهولة الطريقة التي أُطيحت بها الملكية.

أُرسل ممثل أمريكي للتحقيق في الأحداث، وخلصت الإدارة الأمريكية إلى أن ممثل الولايات المتحدة والقوات الأمريكية كان لهما دور في الظروف التي أدت إلى سقوط الملكية. ولهذا رفض كليفلاند في البداية الاعتراف بالضم، وحاول الوصول إلى تسوية تعيد الملكة إلى موقعها. لكن الملكية لم تعد.

وفي عام 1894 أعلنت الحكومة الجديدة قيام جمهورية هاواي، وأصبح سانفورد دول رئيسًا لها. وبذلك انتهت المملكة، لكن هاواي لم تصبح أمريكية بعد. تحولت من مملكة مستقلة إلى جمهورية مستقلة، وإن كانت الجمهورية الجديدة مرتبطة بصورة وثيقة بالنخبة التي أسقطت الملكية وبالمصالح الأمريكية الموجودة في الجزر.

لماذا كانت الولايات المتحدة تريد هاواي؟

كان هناك أكثر من سبب، لكن ثلاثة عوامل تداخلت بصورة واضحة. 

أولها الاقتصاد: كانت صناعة السكر من أهم مصادر الثروة في هاواي، وكان المنتجون يعتمدون بدرجة كبيرة على السوق الأمريكية. ومع تغير السياسة الجمركية الأمريكية في تسعينيات القرن التاسع عشر، تضررت الميزة التي كانت تتمتع بها صادرات السكر الهاواية في السوق الأمريكية، وأصبح الارتباط السياسي والاقتصادي بالولايات المتحدة أكثر جاذبية بالنسبة إلى كبار المنتجين. وهكذا لم يكن الضم بالنسبة إلى النخبة الاقتصادية مجرد قضية وطنية؛ كان يحمل مصالح مالية مباشرة.

أما العامل الثاني فكان الموقع الجغرافي: هاواي تقع في قلب المحيط الهادئ، في موقع مثالي بين الساحل الأمريكي وآسيا. وكان ميناء بيرل هاربر، على وجه الخصوص، ذا قيمة عسكرية متزايدة.

أما العامل الثالث فكان صعود الولايات المتحدة كقوة عالمية: في أواخر القرن التاسع عشر بدأت واشنطن تنظر إلى المحيط الهادئ باعتباره مجالًا استراتيجيًا، خصوصًا مع توسع تجارتها وتزايد اهتمامها بآسيا. 

ثم جاءت الحرب الأمريكية الإسبانية عام 1898 لتجعل موقع هاواي أكثر أهمية.

الحرب الإسبانية الأمريكية تحسم المسألة

عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب مع إسبانيا عام 1898، أصبحت هاواي حلقة مهمة في الطريق إلى الفلبين، التي تحولت إلى ساحة رئيسية للتوسع الأمريكي في المحيط الهادئ. فجأة لم تعد الجزر مجرد مزارع سكر وميناء تجاري. أصبحت قاعدة استراتيجية لقوة عظمى تتحرك نحو آسيا. وهنا تغير الموقف الأمريكي بصورة حاسمة. فبعد سنوات من التردد، أصبح من الصعب على واشنطن أن تقبل بقاء أرخبيل بهذه الأهمية خارج سيطرتها، خصوصًا في ظل احتمال أن تتنافس القوى الكبرى على النفوذ فيه.

وفي يوليو 1898 أقر الكونغرس الأمريكي قرار نيو لاندز الذي نص على ضم هاواي إلى الولايات المتحدة، وتم نقل السيادة رسميًا في أغسطس من العام نفسه. انتهت جمهورية هاواي. لكن هاواي لم تصبح ولاية.

من دولة مستقلة إلى إقليم أمريكي

بعد الضم دخلت هاواي مرحلة جديدة. وفي عام 1900 أُنشئ لها نظام إقليمي أمريكي، فأصبحت إقليم هاواي. وهنا ينبغي التفريق بين ثلاث مراحل مختلفة: كانت هاواي أولًا مملكة مستقلة. ثم أصبحت جمهورية مستقلة بعد سقوط الملكية. ثم أصبحت إقليمًا أمريكيًا بعد الضم. ولم تصبح ولاية إلا عام 1959.

أي أن الولايات المتحدة لم تحول هاواي فورًا إلى ولاية، بل احتفظت بها أكثر من ستة عقود في وضع إقليمي يخضع بدرجة كبيرة لسلطة الكونغرس الفيدرالي. وخلال هذه العقود تغير المجتمع الهاواي بصورة عميقة.

أرض تتغير وسكان يصبحون أقلية في وطنهم

كان من أكثر آثار التحول السياسي أهمية قضية الأرض. بعد الضم انتقلت الأراضي التي كانت مرتبطة بالتاج والحكومة الهاواية إلى النظام الأمريكي، وأصبحت ملكيات الدولة السابقة جزءًا من النظام الجديد، مع استمرار النزاعات حول طبيعة هذه الأراضي وحقوق السكان الأصليين فيها.

وفي الوقت نفسه توسعت الزراعة التجارية، خصوصًا السكر والأناناس، واعتمدت المزارع على جلب أعداد كبيرة من العمال من مناطق مختلفة من آسيا، ومن بينها اليابان والصين والفلبين. وبمرور الوقت تغير التركيب السكاني للجزر بصورة كبيرة.

وهذا التحول لم يكن مجرد مسألة ديموغرافية. فقد أدى إلى تراجع الوزن النسبي للسكان الأصليين داخل مجتمع أصبح أكثر تعددًا من الناحية السكانية والثقافية. وهنا ظهرت واحدة من أكثر مفارقات التاريخ الهاواي: السكان الأصليون الذين كانوا يشكلون أساس المملكة أصبحوا يعيشون في مجتمع يتغير بسرعة تحت تأثير الهجرة والاقتصاد الأمريكي.

اللغة والثقافة: الاحتلال لا يحدث للأرض وحدها

لم يكن التغيير سياسيًا واقتصاديًا فقط. تأثرت الثقافة واللغة أيضًا. وأصبحت الإنجليزية اللغة المهيمنة في التعليم والإدارة والحياة الاقتصادية، وفي عام 1896 صدر قانون جعل الإنجليزية لغة التعليم الرسمي في المدارس، وهو ما ساهم في تراجع انتقال لغة هاواي بين الأجيال. كما تعرضت بعض الممارسات الثقافية التقليدية للتهميش والقمع خلال فترات مختلفة، ومن بينها ممارسات مرتبطة بالهولا والتقاليد الدينية والثقافية. لكن الثقافة لم تختف. فقد بقيت اللغة والهوية والموسيقى والرقص والذاكرة التاريخية حاضرة، وإن تعرضت لضغوط قوية.

بيرل هاربر تجعل هاواي قلب القوة الأمريكية في المحيط الهادئ

في السابع من ديسمبر 1941 هاجمت اليابان القاعدة البحرية الأمريكية في بيرل هاربر. لم يكن هذا الهجوم هو الذي جعل هاواي أمريكية؛ فقد كانت قد ضُمت قبل ذلك بأكثر من أربعة عقود. لكنه كشف بصورة نهائية قيمة الموقع الذي كانت الولايات المتحدة قد سيطرت عليه. أصبحت هاواي مركزًا رئيسيًا للعمليات العسكرية الأمريكية في المحيط الهادئ، وأصبح موقعها الجغرافي عنصرًا أساسيًا في الاستراتيجية الأمريكية تجاه آسيا. 

وبعد الحرب العالمية الثانية لم تعد مسألة مستقبل هاواي كما كانت في السابق. فقد أصبحت مرتبطة بصورة عميقة بالاقتصاد والمجتمع والمؤسسات الأمريكية، وأصبح تحويلها إلى ولاية أكثر احتمالًا.

كيف أصبحت الولاية الخمسين؟

في عام 1959 أقر الكونغرس الأمريكي قانون قبول هاواي ولاية في الاتحاد. ثم أُجري استفتاء على الولاية، وصوتت الغالبية الساحقة من المشاركين لصالح الانضمام إلى الاتحاد. وفي 21 أغسطس 1959 أصبحت هاواي رسميًا الولاية الأمريكية الخمسين.

وهكذا انتهت رحلة استمرت أكثر من قرن ونصف: من جزر موحدة تحت حكم ملكي، إلى مملكة مستقلة، ثم جمهورية، ثم إقليم أمريكي، ثم ولاية. لكن هذه النهاية القانونية لم تُنهِ السؤال التاريخي.

ماذا حدث للسكان الأصليين؟

من الصعب اختزال أثر التحول في هاواي بكلمة واحدة مثل «التغريب»، لأن المجتمع الهاواي الحديث تشكل من تفاعل شعوب وثقافات متعددة. لكن من الواضح أن السكان الأصليين فقدوا شيئًا أساسيًا لم يكن يمكن تعويضه بسهولة: السيادة على وطنهم.

لم يعد لديهم نظامهم الملكي ولا دولتهم المستقلة، وأصبحت الأراضي والمؤسسات السياسية تخضع لنظام مختلف، كما تراجعت اللغة والثقافة الأصلية أمام المؤسسات الإنجليزية والاقتصاد الحديث. ولهذا لم يكن الخلاف حول هاواي مجرد خلاف على الماضي، بل تحول لاحقًا إلى حركة لإحياء الهوية واللغة والثقافة وطرح أسئلة حول حقوق السكان الأصليين.

وفي سبعينيات القرن العشرين بدأت نهضة ثقافية هاواية واسعة أعادت الاهتمام باللغة والتقاليد والموسيقى والهولا والتاريخ المحلي. وفي عام 1978 أصبحت لغة هاواي لغة رسمية للولاية إلى جانب الإنجليزية، في خطوة عكست تغيرًا مهمًا في النظرة الرسمية إلى الثقافة الأصلية.

اعتذار واشنطن بعد قرن

بعد مئة عام من الإطاحة بالملكة، اتخذت الولايات المتحدة خطوة رمزية مهمة. في عام 1993، أصدر الكونغرس ما عُرف باسم قرار الاعتذار، واعترف فيه بدور الولايات المتحدة في الإطاحة بمملكة هاواي، وأعرب عن اعتذار الشعب الأمريكي للسكان الأصليين في هاواي عن الأحداث التي وقعت عام 1893.

لم يُعد القرار المملكة، ولم يلغِ الضم، ولم يمنح هاواي استقلالًا جديدًا. لكنه كان اعترافًا رسميًا بأن الرواية لم تكن ببساطة قصة انتقال طبيعي من مملكة إلى دولة أمريكية، وأن إسقاط الملكية ارتبط بتدخل أمريكي وبمصالح سياسية واقتصادية واضحة. وهذا الاعتراف هو أحد الأسباب التي تجعل قضية هاواي مختلفة حتى داخل التاريخ الأمريكي نفسه.

من الاستقلال إلى التبعية: كيف يحدث التحول؟

تكشف قصة هاواي شيئًا أكبر من تاريخ الأرخبيل. فالدول لا تفقد استقلالها دائمًا بالطريقة التي نتخيلها. أحيانًا لا يبدأ الأمر بالدبابات ولا بإعلان الحرب. قد يبدأ بالتجارة، ثم بالاستثمار، ثم بالهجرة، ثم بتكوين طبقة اقتصادية مرتبطة بقوة خارجية، ثم يتحول النفوذ الاقتصادي إلى نفوذ سياسي. وعندما تصبح المؤسسات الداخلية نفسها متأثرة بهذا النفوذ، يمكن أن يحدث تغيير النظام دون أن يبدو في البداية كاحتلال مباشر.

وهذا تقريبًا ما يجعل هاواي حالة تاريخية شديدة الأهمية. فالمملكة لم تسقط لأن جيشًا أمريكيًا احتلها في حرب طويلة. سقطت في لحظة سياسية قصيرة، لكن تلك اللحظة كانت نتيجة عقود من التحولات التي سبقتها. ثم جاء القانون ليمنح الوضع الجديد صيغة رسمية.

هاواي بين الروايتين

الرواية الأمريكية التقليدية تستطيع أن تقول إن هاواي أصبحت جزءًا من الولايات المتحدة ثم اختار سكانها لاحقًا أن تصبح ولاية، وهذه حقيقة بالنسبة إلى مرحلة 1959. لكنها لا تكفي وحدها لفهم ما حدث قبل ذلك. والرواية الأخرى، التي تركز على السكان الأصليين، ترى في المسار كله فقدانًا للسيادة ونتيجة لتدخل قوة خارجية في شؤون مملكة مستقلة. والأدق تاريخيًا هو ألا نختار بين الروايتين بصورة مبسطة.

فهاواي بالفعل أصبحت ولاية أمريكية عبر عملية قانونية واستفتاء عام عام 1959، لكن ذلك جاء بعد أن كانت الدولة المستقلة قد فقدت سيادتها بالفعل في عام 1893، وبعد أن ضُمّت الجزر إلى الولايات المتحدة عام 1898. وهنا يكمن الفرق بين السؤالين: كيف أصبحت هاواي ولاية؟ وكيف فقدت هاواي استقلالها؟ الأول له إجابة واضحة تبدأ عام 1959. أما الثاني فيقودنا إلى 1893 وما قبلها.

الخاتمة: الولاية التي كانت دولة

عندما ننظر اليوم إلى هاواي، نرى الولاية الأمريكية البعيدة في المحيط الهادئ، ونرى الشواطئ والمنتجعات وبيرل هاربر والعلم الأمريكي. لكن تحت هذه الصورة الحديثة توجد طبقات أقدم بكثير: مملكة وحدت جزرها، وملكية حاولت الحفاظ على استقلالها، ونخبة اقتصادية أجنبية أصبحت جزءًا من مركز القوة، وانقلاب أطاح بالعرش، وجمهورية قصيرة العمر، ثم قوة عظمى أدركت أن الموقع الاستراتيجي للجزر لا يقل أهمية عن ثروتها.

ولهذا فإن قصة هاواي ليست ببساطة قصة «جزيرة انضمت إلى أمريكا». إنها قصة دولة مستقلة فقدت سيادتها، ثم تحولت إلى إقليم، ثم أصبحت بعد ستين عامًا ولاية. والسؤال الذي تتركه هاواي وراءها أكبر من تاريخها الخاص: عندما تدخل قوة عظمى إلى دولة صغيرة عبر التجارة والاستثمار والمصالح الاستراتيجية، فأين ينتهي التعاون وتبدأ الهيمنة؟ ومتى يصبح النفوذ الخارجي قادرًا على تغيير مستقبل دولة كاملة دون أن تبدأ العملية بحرب معلنة؟

هاواي تقدم واحدة من أكثر الإجابات وضوحًا على هذا السؤال: قد لا تحتاج القوة العظمى إلى ابتلاع الدولة دفعة واحدة؛ يكفي أحيانًا أن تصبح مصالحها داخل الدولة أقوى من قدرة الدولة على حماية استقلال قرارها.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.