التحالفات المتداخلة: عندما لا تعود الدول مضطرة إلى اختيار معسكر واحد

من عالم كانت فيه الدول تُعرّف نفسها من خلال المعسكر الذي تنتمي إليه، إلى عالم تستطيع فيه الدولة أن تأخذ أمنها من قوة، وتجارتها من قوة أخرى، وسلاحها من ثالثة، وتحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات سياسية مع الجميع.

عندما كان العالم يعرف من مع من

خلال الحرب الباردة كان فهم العلاقات الدولية أكثر بساطة مما هو عليه اليوم. كان العالم مقسومًا إلى معسكرين كبيرين، الولايات المتحدة في جهة والاتحاد السوفيتي في الجهة الأخرى، وكانت معظم الدول مضطرة بدرجات مختلفة إلى تحديد موقعها بينهما. لم تكن الدولة تستطيع بسهولة أن تكون حليفة عسكريًا لواشنطن، وشريكة استراتيجية لموسكو، ومندمجة اقتصاديًا مع خصومهما في الوقت نفسه. كانت الحدود بين المعسكرات أوضح، وكانت التحالفات أكثر شمولًا؛ فالتحالف العسكري لم يكن مجرد علاقة في مجال محدد، بل كان غالبًا تعبيرًا عن موقع الدولة السياسي والاستراتيجي بأكمله.

انتهت الحرب الباردة، وانتهى معها ذلك الوضوح. لكن العالم لم ينتقل ببساطة إلى نظام متعدد الأقطاب تتنافس فيه عدة قوى على الطريقة نفسها. ما ظهر تدريجيًا أكثر تعقيدًا: دول كثيرة لم تعد تريد اختيار قوة واحدة، والقوى الكبرى نفسها لم تعد قادرة على احتكار علاقات الدول معها. وهكذا بدأ شكل جديد من العلاقات الدولية في الظهور، يمكن تسميته التحالفات المتداخلة.

في هذا العالم، لا يكون السؤال بالضرورة: من حليفك؟ بل يصبح السؤال: في أي مجال تحتاج إلى كل قوة؟

الحليف الأمني ليس بالضرورة الشريك الاقتصادي

الدولة التي تعتمد على الولايات المتحدة في الدفاع ليست مضطرة إلى الاعتماد عليها في التجارة. والدولة التي تشتري السلاح من دولة ما قد تستثمر في دولة منافسة لها. والدولة التي تربطها شراكة اقتصادية عميقة مع الصين قد تحتفظ بعلاقات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة.

وهنا يتغير معنى التحالف نفسه.

ففي النظام القديم كانت العلاقة بين دولتين أقرب إلى حزمة واحدة: الأمن والسياسة والاقتصاد والموقف الدولي تتحرك معًا. أما اليوم، فقد تنفصل هذه الملفات عن بعضها. تستطيع الدولة أن تقول عمليًا: أريد من أمريكا الحماية والتكنولوجيا العسكرية، ومن الصين الاستثمار والتجارة، ومن روسيا الطاقة أو بعض المعدات العسكرية، ومن دولة إقليمية أخرى التعاون الأمني أو السياسي.

ليس هذا تناقضًا بالضرورة، بل هو منطق جديد في إدارة المصالح.

والسبب بسيط: الدول لم تعد ترى العالم باعتباره اختيارًا بين أصدقاء وأعداء، وإنما باعتباره مجموعة من المصالح التي يمكن توزيعها على أكثر من طرف.

السعودية مثال على العالم الجديد

دول الخليج تقدم نموذجًا واضحًا لهذا التحول. فالولايات المتحدة ما زالت شريكًا أمنيًا بالغ الأهمية، لكن ذلك لم يمنع دول الخليج من تطوير علاقات اقتصادية وسياسية واسعة مع الصين، ولا من إبقاء قنوات مع روسيا، ولا من بناء ترتيبات إقليمية مع قوى أخرى.

هذا لا يعني أن هذه الدول أصبحت «صينية» أو «روسية» أو تخلت عن الولايات المتحدة. بل يعني أنها لم تعد تريد أن تكون علاقتها بقوة واحدة هي المفتاح الوحيد لكل علاقاتها الدولية.

وهنا يظهر تغير مهم في مفهوم الأمن نفسه. في الماضي كان الاعتماد على قوة كبرى يوفر حماية لكنه يخلق تبعية. أما اليوم، فتحاول بعض الدول تحويل تعدد العلاقات إلى وسيلة لتقليل التبعية: إذا كان أمنك مرتبطًا بواشنطن، فلا تجعل اقتصادك مرتبطًا بها وحدها؛ وإذا كانت تجارتك مرتبطة ببكين، فلا تجعل أمنك مرتبطًا بها أيضًا.

الدولة هنا لا تختار معسكرًا، بل توزع اعتمادها.

الهند: كيف تكون مع الجميع دون أن تنتمي بالكامل إلى أحد؟

الهند ربما تكون من أوضح النماذج لهذا السلوك. فهي شريك استراتيجي مهم للولايات المتحدة في مواجهة صعود الصين، لكنها في الوقت نفسه لم تقطع علاقاتها بروسيا، ولا تريد أن تتحول إلى مجرد عضو تابع في منظومة أمريكية.

تشتري الهند السلاح من روسيا، وتتعاون عسكريًا وتكنولوجيًا مع الولايات المتحدة، وتشارك في أطر تجمعها بالصين وروسيا، وفي الوقت نفسه تنافس الصين على النفوذ الآسيوي.

وفق منطق الحرب الباردة يبدو هذا متناقضًا. أما وفق منطق التحالفات المتداخلة فهو منطقي تمامًا.

الهند لا تسأل: من أختار؟

بل تسأل: ما الذي أحتاجه من كل طرف، وكيف أمنع أي طرف من امتلاك قدرة كافية على الضغط عليّ؟

وهنا تتحول المرونة من مجرد سياسة خارجية إلى استراتيجية أمن قومي.

تركيا تفعل الشيء نفسه

تركيا نموذج آخر أكثر تعقيدًا. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وتربطها علاقات عسكرية وسياسية وثيقة بالغرب، لكنها في الوقت نفسه طورت علاقات عميقة مع روسيا، ولديها مصالح واسعة مع الصين، وتحاول أن تكون قوة إقليمية مستقلة في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى.

لا يمكن وصف تركيا ببساطة بأنها «مع الغرب» أو «مع روسيا». فهي مع الغرب في ملفات، ومع روسيا في ملفات أخرى، وتنافس الطرفين أحيانًا في ملفات ثالثة.

وهذا بالضبط ما يجعلها نموذجًا للتحالفات المتداخلة.

الدولة في هذه الحالة لا تتخلى عن تحالفاتها القديمة، لكنها ترفض أن تسمح لهذه التحالفات بتحديد كل سياستها الخارجية.

الصين لا تحتاج إلى معسكر جديد

حتى الصين نفسها لا تبدو في حاجة إلى بناء نسخة جديدة من المعسكر السوفيتي.

قد يكون من السهل تصور العالم على أنه يتجه إلى كتلتين: أمريكا وحلفاؤها في جهة، والصين وروسيا وإيران وحلفاؤها في جهة أخرى. لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

الصين تستطيع أن تكون منافسًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه أكبر شريك تجاري لعدد كبير من الدول التي ترتبط أمنيًا بواشنطن. وتستطيع أن تتعاون مع روسيا دون أن تتحول إلى نسخة صينية من التحالفات السوفيتية القديمة.

هذه المرونة تخدم بكين أكثر من بناء معسكر مغلق.

فكلما زاد اعتماد العالم على التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والاستثمارات العابرة للحدود، أصبحت الدولة التي تستطيع أن تكون موجودة في عدة دوائر في الوقت نفسه أكثر تأثيرًا من الدولة التي تحصر نفسها في دائرة واحدة.

حتى أوروبا بدأت تفكر في الخطة البديلة

التحول لا يحدث فقط خارج الغرب. أوروبا نفسها بدأت تفكر بصورة مختلفة في علاقتها بالولايات المتحدة.

لا يعني ذلك أن أوروبا تريد التخلي عن التحالف الأطلسي. لكنها أصبحت أكثر اهتمامًا ببناء قدرة تجعلها أقل هشاشة إذا تغيرت السياسة الأمريكية أو تراجعت درجة الالتزام الأمريكي بأمن القارة.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في المرحلة الحالية: محاولة الولايات المتحدة دفع حلفائها إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم قد تؤدي في النهاية إلى جعلهم أكثر قدرة على الاستقلال عنها.

أي أن الحليف الذي تطلب منه أن يقف على قدميه قد يكتشف أنه يستطيع الوقوف دونك في بعض المجالات.

لكن هذا لا يعني بالضرورة انهيار التحالف. قد يعني فقط أن العلاقة داخله أصبحت أكثر توازنًا.

من عالم المعسكرات إلى عالم الشبكات

وهنا نصل إلى الفرق الأساسي.

في عالم المعسكرات كانت العلاقات الدولية تشبه خطوطًا مستقيمة: دولة مرتبطة بمجموعة من الدول، وهذه المجموعة مرتبطة بمجموعة أخرى في مواجهة مجموعة ثالثة.

أما عالم التحالفات المتداخلة فيشبه شبكة واسعة. الدولة الواحدة ترتبط بعشرات الدول، لكن كل علاقة تقوم على مجال مختلف.

قد تكون هناك شراكة عسكرية مع دولة، واستثمارات مع دولة ثانية، واتفاقية طاقة مع ثالثة، وتعاون تكنولوجي مع رابعة، وتنسيق سياسي مع خامسة.

وهذا يجعل العالم أقل وضوحًا، لكنه في الوقت نفسه يمنح الدول الصغيرة والمتوسطة مساحة لم تكن تملكها في السابق.

فالدولة التي كانت مضطرة إلى الارتهان لقوة واحدة تستطيع الآن أن توزع اعتمادها. وكلما زادت البدائل، زادت قدرتها على التفاوض.

لكن لهذا التحول ثمنه أيضًا.

عندما تتداخل المصالح تصبح الأزمات أكثر غموضًا

التحالفات المتداخلة قد تجعل العلاقات الدولية أكثر مرونة في الأوقات العادية، لكنها قد تجعلها أكثر تعقيدًا في لحظة الحرب.

ماذا يحدث عندما تتعارض المصالح التي جرى توزيعها على عدة قوى؟

ماذا تفعل دولة تعتمد على الولايات المتحدة أمنيًا لكنها تعتمد على الصين اقتصاديًا عندما تدخل القوتان في أزمة حادة؟ وماذا تفعل دولة ترتبط بروسيا في الطاقة بينما ترتبط بالغرب في التكنولوجيا؟ وهل تستطيع الدولة أن تبقى على مسافة واحدة عندما يتحول التنافس إلى مواجهة مباشرة؟

هنا تظهر حدود الاستراتيجية.

يمكنك توزيع اعتمادك في زمن المنافسة، لكن قد تضطر إلى الاختيار عندما تتحول المنافسة إلى حرب.

ولهذا فإن التحالفات المتداخلة لا تعني نهاية الاستقطاب. ربما تعني فقط أن الاستقطاب سيأتي متأخرًا، بعد أن تحاول الدول بكل الطرق تجنبه.

العالم الذي لا يريد اختيارًا واحدًا

ربما تكون أكبر نتيجة لهذا التحول أن عددًا متزايدًا من الدول لم يعد يرى نفسه مضطرًا إلى اختيار قوة كبرى واحدة لتكون مرجعه النهائي.

الدولة تريد أمريكا والصين معًا، لكن لأسباب مختلفة. تريد الاستثمار الصيني دون التخلي عن التكنولوجيا الغربية. تريد السلاح من دولة، والطاقة من أخرى، والأسواق من ثالثة. تريد التحالفات الدولية، لكنها لا تريد أن تصبح أسيرة لها.

وهذا يعني أن القوة في النظام الدولي الجديد لن تُقاس فقط بحجم الجيش أو الاقتصاد، وإنما أيضًا بعدد الدوائر التي تستطيع الدولة الدخول فيها دون أن تفقد استقلالها داخل كل دائرة.

وهنا تصبح الدول المتوسطة أكثر أهمية مما يوحي به حجمها.

فهي ليست قوى عظمى تستطيع فرض نظامها، لكنها تستطيع أن تجعل القوى العظمى تتنافس عليها.

لكن ماذا لو لم يعد العالم يحتاج إلى معسكرات؟

قد تكون هذه هي أكبر مفارقة في المرحلة الجديدة.

بعد عقود من الاعتقاد بأن الاستقرار يحتاج إلى مراكز قوة واضحة، قد يتجه العالم إلى نظام مختلف تمامًا: لا يوجد فيه مركز واحد يفرض الاتجاه، ولا معسكران يحددان الخيارات، وإنما شبكة من العلاقات المتغيرة باستمرار.

لن تكون الدولة بالضرورة «حليفة» بالمعنى القديم. قد تكون حليفة في الحرب، ومنافسة في التجارة، وشريكة في الطاقة، ومختلفة سياسيًا، ومتعاونة تكنولوجيًا في الوقت نفسه.

وهذا لا يعني أن التحالفات اختفت.

بل يعني أن التحالف لم يعد يملك الدولة كلها.

وهنا ربما تكمن السمة الأهم للنظام الدولي الذي يتشكل الآن: العالم لا ينتقل ببساطة من هيمنة أمريكية إلى هيمنة صينية، ولا من قطب واحد إلى عدة أقطاب متساوية، وإنما ينتقل من عالم كانت فيه الدول تختار معسكرًا إلى عالم تحاول فيه أن تختار وظيفة كل قوة داخل سياستها الخاصة.

وفي هذا العالم، قد لا يكون السؤال القادم: من سيقود العالم؟

بل: هل يستطيع العالم أن يتعايش مع شبكة من القوى، من دون أن يضطر كل خلاف إلى تحويل الشبكة كلها إلى معسكرين؟

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.