أمريكا لا تنسحب من العالم، لكنها تعيد تعريف علاقتها به

لماذا تبدو الولايات المتحدة أحيانًا وكأنها تتراجع عن قيادة العالم، بينما تتحرك في الوقت نفسه لإعادة بناء نفوذها على شروط مختلفة؟

الانسحاب الذي لا يحدث

من السهل النظر إلى التحولات الأخيرة في السياسة الأمريكية باعتبارها بداية انسحاب من العالم. تخفف واشنطن التزامات، تضغط على حلفائها، تعيد حساباتها العسكرية، ترفض تحمل بعض تكاليف النظام الدولي، وتتعامل مع العلاقات الخارجية بمنطق أكثر صراحة في حساب المصالح. وعندما تتراكم هذه الصور، يبدو الاستنتاج جاهزًا: أمريكا تتراجع.

لكن هذا الاستنتاج يخلط بين شيئين مختلفين: التخلي عن العالم، وإعادة تنظيم طريقة السيطرة عليه.

الولايات المتحدة لا تتصرف كقوة تريد مغادرة النظام الدولي. القوة التي تريد الانسحاب فعلًا تقلل قواعدها العسكرية، وتنسحب من التحالفات، وتخفض حضورها الدبلوماسي، وتترك الفراغات التي كانت تشغلها لقوى أخرى. أما واشنطن، فعلى العكس، ما زالت تتحرك عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا في مناطق شديدة الحساسية، لكنها أصبحت أكثر اهتمامًا بالسؤال الذي كان أقل حضورًا في السابق: ماذا تحصل الولايات المتحدة مقابل ما تدفعه؟

وهذا التحول أهم من فكرة الانسحاب نفسها.

من حماية النظام إلى حساب كلفته

بعد الحرب العالمية الثانية بنت الولايات المتحدة شبكة ضخمة من التحالفات والمؤسسات والقواعد والأسواق. لم تكن هذه المنظومة عملًا خيريًا، بطبيعة الحال؛ فقد استفادت واشنطن منها اقتصاديًا واستراتيجيًا وسياسيًا. لكنها قبلت أيضًا تحمل تكاليف كبيرة للحفاظ عليها.

كان وجود القوات الأمريكية في أوروبا، مثلًا، يخدم المصالح الأوروبية، لكنه كان يخدم كذلك المصالح الأمريكية في منع ظهور قوة مهيمنة على القارة. وكانت حماية طرق التجارة العالمية تخدم الاقتصادات الأخرى، لكنها كانت تمنح الولايات المتحدة نفوذًا هائلًا في النظام التجاري والأمني.

المشكلة أن هذا النموذج أصبح مع مرور الوقت يبدو لبعض الأمريكيين وكأنه علاقة غير متوازنة: الولايات المتحدة تتحمل الجزء الأكبر من تكاليف الأمن، بينما يحصل الحلفاء على فوائد الحماية دون أن يتحملوا القدر نفسه من الأعباء.

لذلك تغير السؤال.

لم يعد: كيف نحافظ على النظام؟

بل أصبح: من يدفع ثمنه، ومن يستفيد منه؟

وهذا فرق بين دولة تتخلى عن القيادة، ودولة تريد إعادة تسعير القيادة.

الحليف لم يعد مجرد حليف

هذه النقطة مهمة لفهم التحول الأمريكي.

في النظام السابق كان التحالف يُنظر إليه باعتباره أصلًا استراتيجيًا طويل المدى. وجود حلفاء أقوياء كان في حد ذاته مصلحة أمريكية، حتى لو لم يحقق الحليف منفعة مباشرة في كل لحظة.

أما في السياسة الأمريكية الجديدة، فأصبح من الممكن أن يُقاس الحليف بدرجة مساهمته في الأهداف الأمريكية.

هل ينفق بما يكفي على الدفاع؟ هل يشتري المعدات الأمريكية؟ هل يفتح أسواقه؟ هل يتخذ موقفًا سياسيًا قريبًا من واشنطن؟ هل يتحمل جزءًا من أعباء المواجهة مع الخصوم؟

وهكذا تتحول العلاقة من تحالف قائم على الثقة الاستراتيجية إلى علاقة أكثر تفاوضًا.

وهذا لا يعني أن التحالفات ستختفي. بل يعني أن واشنطن تريد أن تصبح أقل استعدادًا لتحمل تكاليفها بلا مقابل واضح.

أمريكا تريد حلفاء أقوى... ولكن

هنا تظهر مفارقة مهمة.

من الناحية الأمريكية، من المنطقي أن تطلب واشنطن من أوروبا أن تنفق أكثر على الدفاع، وأن تطلب من الحلفاء الآسيويين تحمل مسؤولية أكبر عن أمن مناطقهم، وأن تريد من شركائها في الشرق الأوسط تطوير قدراتهم الخاصة.

لكن هذا القرار يحمل نتيجة استراتيجية غير مضمونة.

عندما تجعل الحليف أكثر اعتمادًا على نفسه، فأنت لا تجعله أكثر فائدة لك فقط؛ بل تجعله أقل اعتمادًا عليك أيضًا.

أوروبا التي تبني قدراتها العسكرية لتخفيف العبء عن الولايات المتحدة قد تكتشف بعد سنوات أنها تستطيع اتخاذ قرارات أمنية أكثر استقلالًا عن واشنطن.

ودول الخليج التي تنوع شراكاتها الأمنية قد تصبح أقل استعدادًا لقبول أي موقف أمريكي باعتباره الخيار الوحيد.

وحلفاء آسيا الذين يطورون قدراتهم العسكرية تحسبًا لتراجع الالتزام الأمريكي قد يبدأون أيضًا في بناء خيارات سياسية مستقلة.

وهكذا يمكن لسياسة تقاسم الأعباء أن تتحول تدريجيًا إلى سياسة توزيع الاستقلال.

لكن واشنطن تعرف ذلك

من الخطأ تصور السياسة الأمريكية وكأنها لا تدرك هذه المفارقة.

الولايات المتحدة لا تريد حلفاء تابعين بالضرورة؛ فهي تحتاج حلفاء قادرين على الدفاع عن أنفسهم والمساهمة في مواجهة الخصوم. لكنها تريد في الوقت نفسه أن تظل هي القوة التي لا يمكن تجاوزها في الحسابات الكبرى.

وهنا يظهر هدف أكثر دقة من السيطرة المباشرة: الاحتفاظ بالموقع المركزي دون تحمل كل التكلفة.

أمريكا لا تحتاج إلى إدارة كل دولة حليفة بنفسها. يكفي أن تكون هي القوة التي تتجه إليها الدول عندما تصبح المسألة أمنية أو استراتيجية كبرى.

وهذا يفسر استمرار أهمية القواعد العسكرية، والاستخبارات، والتكنولوجيا، والردع النووي، وشبكات التسليح، والقدرة على نقل القوات، والتحكم في جزء كبير من البنية المالية والتكنولوجية العالمية.

هذه ليست أدوات دولة تنسحب من العالم.

إنها أدوات دولة تريد أن تغير طريقة استخدامها.

الشرق الأوسط يكشف التغيير بوضوح

في الشرق الأوسط، تظهر هذه السياسة بصورة أكثر وضوحًا.

الولايات المتحدة لا تريد بالضرورة العودة إلى نموذج تحمل المسؤولية المباشرة عن كل تفاصيل أمن المنطقة. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل المنطقة، لأن النفط والتجارة والممرات البحرية وإسرائيل وإيران والقواعد العسكرية والمنافسة مع الصين كلها تجعل الشرق الأوسط جزءًا من حساباتها العالمية.

لذلك قد يكون النموذج القادم مختلفًا: واشنطن تتدخل عندما تكون مصالحها الأساسية مهددة، لكنها تريد من القوى الإقليمية أن تتحمل جزءًا أكبر من إدارة البيئة الأمنية.

وهنا تظهر دول مثل السعودية وتركيا وغيرها بوصفها قوى لا تريد أن تكون مجرد أطراف تتلقى التعليمات، وإنما تريد أن تكون شريكة في صناعة التوازن.

وهذا يقود إلى نتيجة مزدوجة: أمريكا تبقى في المنطقة، لكنها تريد أن تكون أقل احتكارًا لأمنها.

وهذا بالضبط ما رأيناه في التحول نحو التحالفات المتداخلة.

المنافس الحقيقي ليس روسيا وحدها

لو كانت المشكلة الأمريكية هي روسيا فقط، لكان من السهل تفسير إعادة ترتيب التحالفات.

لكن المنافسة الأهم على المدى الطويل هي مع الصين.

الصين ليست مجرد دولة تملك جيشًا قويًا. إنها قوة اقتصادية وتكنولوجية وتجارية تستطيع أن تدخل إلى الدول من أبواب مختلفة في الوقت نفسه.

ولهذا فإن واشنطن لا تستطيع ببساطة الانسحاب من العالم وترك الصين تملأ الفراغ.

إذا انسحبت الولايات المتحدة من سوق أو منطقة استراتيجية، فهناك احتمال أن تدخل الصين إليها. وإذا تراجعت واشنطن عن تحالف، فقد تحاول بكين تحويل العلاقة الاقتصادية إلى نفوذ سياسي. وإذا تركت واشنطن دولة تبحث عن شريك أمني، فقد تظهر قوى أخرى لتقديم البديل.

لذلك فإن الانسحاب الكامل يتعارض مع الهدف الأمريكي الأساسي: منع ظهور قوة قادرة على إعادة كتابة قواعد النظام الدولي من خارج النفوذ الأمريكي.

ولهذا تبدو السياسة الأمريكية متناقضة أحيانًا.

تريد واشنطن تقليل التزاماتها، لكنها لا تريد أن تترك فراغًا.

تريد حلفاء أكثر استقلالًا، لكنها لا تريد أن يصبحوا مستقلين تمامًا.

تريد خفض تكلفة القيادة، لكنها لا تريد فقدان مركز القيادة.

أمريكا لا تريد أن تحكم كل شيء

وهنا نصل إلى نقطة أعمق.

ربما يكون الخطأ في وصف السياسة الأمريكية الجديدة أنها تريد السيطرة على العالم بالطريقة القديمة. قد يكون الهدف أكثر براغماتية: الحفاظ على القدرة على التأثير في النقاط التي تحدد اتجاه العالم، بدل إدارة كل شيء.

فالقوة الكبرى لا تحتاج إلى أن تكون موجودة في كل مكان بالدرجة نفسها. يكفيها أن تسيطر أو تؤثر في المفاصل التي لا يستطيع النظام الدولي العمل من دونها.

التكنولوجيا المتقدمة، المال، الطاقة، طرق التجارة، الممرات البحرية، شبكات التحالف، الفضاء، الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، الردع النووي، ومراكز القرار السياسي الكبرى؛ هذه هي المناطق التي تصبح فيها المنافسة أهم من مجرد عدد الجنود والقواعد.

ومن هذه الزاوية، فإن الولايات المتحدة لا تتراجع من العالم بقدر ما تعيد تعريف أين يجب أن تكون موجودة، ولماذا، وكم ستدفع مقابل وجودها.

المشكلة أن العالم تغير أيضًا

لكن واشنطن لا تعيد صياغة علاقتها بالعالم في فراغ.

الدول الأخرى تغيرت هي أيضًا.

قبل عقود كان من الصعب على معظم الدول أن تجد بديلًا عن الولايات المتحدة في الأمن أو الاقتصاد أو التكنولوجيا. أما اليوم فالصين أصبحت قوة اقتصادية هائلة، وروسيا ما زالت قوة عسكرية ونووية، والهند تصعد، وتركيا توسع مجالها الإقليمي، ودول الخليج تمتلك موارد وقدرات مالية وسياسية أكبر، وأوروبا بدأت تفكر في استقلال دفاعي أكبر.

لذلك فإن كل تنازل أمريكي صغير عن احتكار مجال معين قد يخلق فرصة لقوة أخرى.

وهذا يجعل إعادة تعريف العلاقة الأمريكية بالعالم عملية خطرة.

فإذا أعادت واشنطن ترتيب التزاماتها بنجاح، فقد تحصل على نظام أكثر كفاءة بالنسبة لها: حلفاء يدفعون أكثر، وخصوم يواجهون قيودًا أكبر، ونفوذ أمريكي مركز في المجالات الحاسمة.

لكن إذا أخطأت في تقدير حدود الانسحاب، فقد لا تجد فراغًا ينتظر عودتها.

قد تجد قوى أخرى قد استقرت فيه بالفعل.

من إمبراطورية الالتزامات إلى شبكة النفوذ

ربما كان النموذج الأمريكي القديم يقوم على فكرة أن قوة الولايات المتحدة تكبر كلما توسعت التزاماتها. أما النموذج الجديد فيبدو أقرب إلى فكرة معاكسة: قوة الولايات المتحدة قد تكون أكبر إذا أصبحت التزاماتها أقل، لكن نفوذها أكثر تركيزًا.

وهذا هو التحول الحقيقي.

أمريكا لا تقول بالضرورة للعالم: «لن نكون موجودين».

بل تقول: «لن ندفع بالطريقة التي دفعنا بها من قبل.»

ولا تقول للحلفاء: «دافعوا عن أنفسكم لأننا تركناكم».

بل تقول: «دافعوا عن أنفسكم لأننا نريد من تحالفنا معكم أن يصبح أكثر توازنًا.»

لكن العالم لا يسمع الرسالة دائمًا بهذه الطريقة.

فالحليف الذي يسمع «تحمل مسؤولية أكبر» قد يسمع أيضًا «لا تضمن أنني سأكون معك دائمًا».

ومن هنا تبدأ الدول في بناء الخطة البديلة.

المفارقة الأخيرة

أمريكا تحاول إعادة تعريف علاقتها بالعالم كي تحافظ على قدرتها على القيادة بتكلفة أقل.

لكن هذه العملية نفسها تدفع حلفاءها إلى بناء قدرات وعلاقات مستقلة، وتدفع الدول المتوسطة إلى تنويع شركائها، وتشجع القوى المنافسة على تقديم البدائل.

وبذلك قد تكون أكبر نتيجة لإعادة تعريف القيادة الأمريكية هي أنها تجعل العالم أقل اعتمادًا على القيادة الأمريكية.

لكن هذا لا يعني أن أمريكا ستخرج من المركز.

قد يعني فقط أن المركز نفسه لم يعد كما كان.

فالقوة الأمريكية ما زالت ضخمة، وشبكة تحالفاتها ما زالت واسعة، وقدرتها العسكرية والمالية والتكنولوجية لا تزال استثنائية. لكن العالم الذي كانت الولايات المتحدة تستطيع فيه أن تقول للحلفاء: «اختاروا»، بدأ يتحول إلى عالم تستطيع فيه الدول أن تقول لواشنطن: «سنأخذ ما نحتاجه منك، لكننا سنحتفظ ببدائلنا.»

وهنا لا تكون المسألة: هل تنسحب أمريكا من العالم؟

بل السؤال الأدق:

هل تستطيع الولايات المتحدة أن تعيد تعريف قيادتها قبل أن يعيد العالم تعريف علاقته بها؟

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.