حضارة الجوف: ماذا لو اكتشف الإنسان السطح بعد آلاف السنين؟

حين يكون باطن الأرض هو الوطن، وتصبح السماء عالماً مجهولاً

لنقلب الفرضية التي اعتدناها تماماً.

لا نتخيل هذه المرة أن كارثة دفعت البشر إلى الاحتماء تحت الأرض، ولا أن مجموعة من الناجين بنت مستعمرة جوفية ثم حاولت البقاء فيها. بل نفترض شيئاً أكثر غرابة:

ماذا لو أن البشر عاشوا تحت الأرض منذ بداية تاريخهم الحضاري، وبنوا هناك مدناً ومجتمعات ودولاً، ولم يعرفوا السطح قط؟

بالنسبة إلينا تبدو الفكرة معكوسة. فنحن نعتبر الأرض التي نمشي عليها هي العالم الطبيعي، وننظر إلى الكهوف والأنفاق والمناجم باعتبارها أجزاء تقع «تحت» العالم.

لكن سكان حضارة الجوف لن يمتلكوا هذا التصور. بالنسبة إليهم، الجوف هو العالم.

لا يوجد «تحت الأرض» في لغتهم بمعناه الذي نستخدمه؛ فالعالم الذي ولدوا فيه هو شبكة هائلة من التجاويف والأنفاق والطبقات الصخرية، وربما مدن ضخمة شيدتها أجيال متعاقبة داخل باطن الكوكب.

وسيكون السطح بالنسبة إليهم شيئاً آخر تماماً: مكاناً غامضاً، بعيداً، وربما أسطورياً.

العالم الذي لا يحتاج إلى سماء

يمكن لحضارة متقدمة تقنياً أن تصنع لنفسها بيئة جوفية مستقرة.

الماء يعاد تدويره، والهواء ينقى، والغذاء ينتج في مزارع داخلية، والطاقة تأتي من مصادر جوفية أو من مفاعلات صناعية، والضوء تصنعه المصابيح.

وبمرور القرون، لن يعود سكان الجوف يشعرون بأنهم يعيشون في بيئة ناقصة. سيصبح ذلك هو الطبيعي. وقد تبدو لنا بعض الأشياء التي نعتبرها عادية غريبة بالنسبة إليهم.

  • لن تكون السماء جزءاً من تجربتهم.
  • لن يعرفوا الأفق.
  • لن يعرفوا المطر إلا إذا درسوه في السجلات.
  • لن يعرفوا معنى أن يقف الإنسان في مكان يستطيع فيه النظر عشرات الكيلومترات دون أن يصطدم بجدار أو سقف.
  • وقد لا يفهمون لماذا يحتاج العالم إلى مساحة مفتوحة بهذا الاتساع.

ثم يحدث الاكتشاف

في مرحلة ما، يصل أحد الأنفاق إلى مكان لم تعرفه الخرائط.

  • صخور أقل سماكة.
  • تيار هوائي مختلف.
  • ثم ضوء.
  • ليس ضوءاً صناعياً.
  • ليس ضوءاً صادراً عن مدينة.
  • ضوء شديد، طبيعي، يأتي من فتحة لا يعرف أحد مصدرها.

يقترب المستكشفون. يفتحون الطريق. وفجأة يرون شيئاً لم يره إنسان من حضارتهم من قبل:

السماء.

قد تكون الصدمة أكبر من أن توصف. ليس لأن السماء جميلة فحسب، بل لأنها تهدم افتراضاً أساسياً عاش عليه المجتمع كله: أن العالم الذي يعرفه هو العالم بأكمله. فوق المدن والأنفاق والطبقات الصخرية يوجد فراغ هائل. وفوق ذلك الفراغ جرم مضيء. وحوله أشياء أخرى. وفي الليل تظهر نقاط لا حصر لها.

بالنسبة إلينا، هذه أشياء بديهية. أما بالنسبة لهم فهي أكبر اكتشاف في تاريخ المعرفة.

عندما تصبح الشمس مشكلة علمية

نحن نعرف الشمس قبل أن نتعلم الفيزياء. الطفل يراها قبل أن يعرف اسمها. لكن عالم الجوف سيحتاج إلى تفسيرها.

  • هل هي مصدر الضوء؟
  • هل تتحرك؟
  • هل تتحرك الأرض؟
  • هل هناك شمس واحدة أم أكثر؟
  • ولماذا تختفي؟
  • ولماذا يظهر شيء آخر في الظلام؟

ستحتاج حضارة كاملة إلى إعادة بناء علم الفلك من الصفر. وقد تظهر في البداية نظريات كثيرة، بعضها علمي وبعضها فلسفي وبعضها ديني.

فالإنسان عندما يواجه ظاهرة لا يعرفها لا يكتفي بالملاحظة؛ بل يحاول وضعها داخل تصور شامل للعالم. وهنا تصبح السماء أكثر من اكتشاف جغرافي. إنها أزمة معرفية.

سقوط فكرة العالم الواحد

كان سكان الجوف يعتقدون أن العالم يتكون من الطبقات التي يعيشون بينها. ربما لديهم خرائط دقيقة، وحدود سياسية، وممالك، ومدن، وعلوم جيولوجية، وتاريخ يمتد آلاف السنين. وقد يكون لديهم علم كامل يشرح تكوين عالمهم.

ثم يأتي السطح ليقول لهم شيئاً بسيطاً ومدمراً:

أنتم لم تعرفوا العالم كله.

وهذه ليست مشكلة خاصة بحضارة الجوف. إنها واحدة من أقدم مشكلات المعرفة البشرية. كل حضارة تميل إلى بناء تصور للعالم انطلاقاً من الجزء الذي تستطيع الوصول إليه. وعندما يظهر جزء جديد، لا تتم إضافة معلومة جديدة فقط؛ أحياناً تضطر الحضارة إلى إعادة تفسير المعلومات القديمة كلها.

من هو صاحب العالم الحقيقي؟

هنا تبدأ المشكلة الأكثر حساسية.

  • قد يقول فريق: السطح هو الأصل، ونحن كنا نعيش في الداخل بسبب ظروف مجهولة.
  • وقد يقول آخر: لا يوجد دليل على ذلك. عالمنا هو الذي نعرفه ونعيش فيه، أما السطح فهو مجرد بيئة خارجية.
  • وقد تظهر جماعة ثالثة ترى أن اكتشاف السطح يثبت أن كل معتقداتهم القديمة كانت خاطئة.
  • وجماعة رابعة قد ترفض الاكتشاف كله.

ليس لأن الأدلة ضعيفة بالضرورة، وإنما لأن قبولها يعني التخلي عن تصور كامل للعالم. وهنا تظهر حقيقة مهمة:

الإنسان لا يقاوم المعلومات الجديدة دائماً لأنها غير مقنعة؛ أحياناً يقاومها لأنها مكلفة فكرياً.

السطح ليس جغرافيا فقط

بعد الاكتشاف الأول، سيبدأ سكان الجوف في استكشاف السطح.

سيكتشفون الرياح. ثم المطر. ثم البحار. ثم الأنهار. ثم النباتات. ثم الحيوانات.

وربما تكون النباتات والحيوانات أكثر غرابة عليهم من النجوم نفسها. فهم عاشوا آلاف السنين في بيئة لا تحتوي على هذا التنوع. قد ينظر عالم جوفي إلى شجرة للمرة الأولى ولا يعرف أنها كائن حي. قد يعتقد أن الغابة نوع من الصخور أو التكوينات الطبيعية. وقد تبدو له حركة الحيوانات شيئاً غير مفهوم.

أما الإنسان الذي عاش على السطح طوال حياته فقد يجد هذه الأشياء عادية إلى درجة أنه لا يلاحظ مدى غرابتها.

وهنا تظهر مفارقة جميلة: ما نعتبره نحن طبيعة، قد يبدو لهم معجزة.

اكتشاف الماضي

لكن ربما يكون الاكتشاف الأكثر إثارة هو العثور على آثار. مبنى. طريق. أداة. مدينة مهجورة. أو حتى بقايا حضارة قديمة.

عندها يتغير السؤال من: ماذا يوجد فوقنا؟

إلى: من كان هناك قبلنا؟

وقد تبدأ حضارة الجوف في البحث عن تاريخها الحقيقي. 

  • ربما يكتشفون أن أسلافهم لم يولدوا في باطن الأرض أصلاً.
  • ربما هاجروا إليه منذ آلاف السنين.
  • ربما كانت هناك كارثة.
  • ربما كانت هناك حرب.
  • ربما أصبحت الحياة على السطح مستحيلة في زمن بعيد.
  • وربما تكون القصة مختلفة تماماً.

قد يكتشفون أن الحضارتين الجوفية والسطحية كانتا في الأصل حضارة واحدة، ثم انفصلتا حتى نسيت كل واحدة وجود الأخرى. وهنا يصبح اكتشاف السطح اكتشافاً للذات أيضاً.

ماذا سيحدث لمفهوم الوطن؟

إذا ولد شخص في الجوف، وعاش فيه، وعاش أجداده فيه آلاف السنين، فهل يصبح السطح وطنه لأنه المكان الذي عاش فيه أسلاف بعيدون؟ أم أن وطنه هو المكان الذي ولد فيه؟ هذا السؤال ليس خيالياً تماماً.

فالإنسان يربط الوطن بالذاكرة والانتماء والتاريخ، وليس فقط بالموقع الجغرافي. لذلك قد يقول أحد سكان الجوف: «لماذا تقولون إننا نعود إلى السطح؟ نحن لم نغادره قط، لأننا لم نعرفه أصلاً.» وقد يكون هذا هو جوهر الصراع بين الحضارتين إن التقتا.

حضارة لا تعرف الليل

هناك فرق آخر أكثر عمقاً. سكان الجوف قد يملكون ساعات، وتقويماً، ومفهوم اليوم، لكنهم لم يعيشوا الليل والنهار بالطريقة الطبيعية. لقد اخترعوا دوراتهم الزمنية بأنفسهم. أما عندما يكتشفون الشمس، فسوف يكتشفون أن الزمن نفسه مرتبط بحركة كونية لم يكونوا يرونها.

  • قد يعيدون تنظيم حياتهم.
  • وقد تتغير طقوسهم.
  • وقد تتغير لغتهم.
  • وقد تظهر فلسفات جديدة حول الشمس والليل والنجوم.
  • وقد يصبح الصعود إلى السطح طقساً ثقافياً أو دينياً أو علمياً.

هل سيصبحون مثلنا؟

ليس بالضرورة. وهذه نقطة مهمة في الفرضية. قد نميل إلى افتراض أن سكان الجوف بمجرد اكتشافهم السطح سيصبحون بشراً «طبيعيين» مثلنا. لكن لماذا؟ هم أيضاً بشر، لكنهم طوروا ثقافتهم في بيئة مختلفة تماماً.

  • ربما تكون مدنهم أكثر تنظيماً.
  • وربما تكون قدرتهم على إعادة تدوير الموارد متقدمة جداً.
  • وربما يكون علمهم للمواد والجيولوجيا أكثر تطوراً بكثير من علمنا.
  • وقد تكون أجسادهم أو أنماط حياتهم قد تكيفت مع بيئتهم عبر أجيال طويلة.

لذلك لن يكون اللقاء بين الطرفين لقاء إنسان متحضر بإنسان بدائي. بل قد يكون لقاء حضارتين بشريتين نشأتا في بيئتين مختلفتين تماماً.

والمفارقة الأخيرة

نحن ننظر إلى باطن الأرض ونقول: العالم تحت أقدامنا.

أما سكان حضارة الجوف فقد ينظرون إلى السطح ويقولون: العالم فوق رؤوسنا.

كلاهما صحيح من موقعه. وهذا هو الجزء الأكثر إثارة في الفرضية. ربما لا توجد نقطة نظر بشرية يمكن أن تقول إنها تمثل «العالم» كله. نحن نولد داخل بيئة، ثم نبني تصورنا للكون انطلاقاً منها. إذا تغيرت البيئة، تغيرت اللغة، والثقافة، والعلوم، والمخاوف، والأسئلة، وحتى الأشياء التي نعتبرها بديهية. لذلك فإن اكتشاف السطح بالنسبة إلى حضارة الجوف لن يكون مجرد اكتشاف مكان جديد.

سيكون اكتشافاً لحقيقة أكثر إزعاجاً:

أن الإنسان قد يعيش آلاف السنين داخل جزء صغير من العالم، ثم يخلط بين حدود تجربته وحدود الحقيقة.

وربما لهذا السبب لا تحتاج «حضارة الجوف» إلى أن تكون احتمالاً واقعياً حتى تكون مفيدة. يكفي أن نتخيلها لكي ننظر إلى حضارتنا من الخارج. فقد نكتشف أن بعض الأشياء التي نظنها طبيعية، ليست إلا أشياء اعتدنا عليها.

وبعض الأشياء التي نظنها حقائق نهائية، قد تكون مجرد حدود للعالم الذي استطعنا رؤيته حتى الآن.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.