عالم يستمر فيه الإنسان بعد أن تختفي منه الرغبة والخوف والحب والحزن والفرح.
لم يعد هناك حزن ولا فرح، لا خوف ولا طمع، لا غيرة ولا كراهية، لا حب ولا حنين، ولا رغبة في الشهرة أو السلطة أو الثراء. لكن الإنسان لم يفقد عقله. ما زال يعرف كيف يأكل، وكيف يبني، وكيف يتعلم، وكيف يتكاثر، وكيف يحافظ على جسده، وكيف ينظم موارده، وكيف يتجنب الأخطار. الجميع ما زالوا بشرًا من الناحية الجسدية والعقلية.
لكنهم أصبحوا أقرب إلى كائنات تعرف وظيفة الحياة من دون أن تشعر بمعنى الحياة.
وهنا تبدأ المفارقة. فإذا كان الإنسان يستطيع الاستمرار من دون مشاعر، فهل كانت المشاعر مجرد عبء على مسيرته؟ أم أنها كانت السبب الذي جعل للحياة أصلًا معنى يستحق أن تستمر من أجله؟
الإنسان القديم: كائن لا يكتفي بالبقاء
من الناحية البيولوجية:
- لا يحتاج الإنسان إلى معظم الأشياء التي ملأت تاريخه.
- لا يحتاج إلى الشعر حتى يعيش.
- ولا يحتاج إلى الموسيقى.
- ولا يحتاج إلى القصور.
- ولا يحتاج إلى المجوهرات.
- ولا يحتاج إلى الشهرة.
- ولا يحتاج إلى أن يكون أغنى من جاره.
- ولا يحتاج حتى إلى أن يعرف ماذا يوجد خلف الجبل أو في قاع المحيط.
كان يمكن للإنسان أن يعيش حياة أبسط بكثير. لكنه لم يفعل. لأن الإنسان لم يكن يبحث عن البقاء فقط. كان يريد أكثر من ذلك.
- يريد أن يكون أقوى، وأجمل، وأغنى، وأشهر، وأفضل، وأبعد، وأسرع.
- يريد أن يحب وأن يُحَب.
- يريد أن ينتصر.
- يريد أن يترك اسمه بعد موته.
- يريد أن يعرف المجهول.
- يريد أن يصنع شيئًا لم يكن موجودًا.
وهكذا تحولت الحياة من مجرد عملية بيولوجية إلى مشروع مفتوح لا يعرف الإنسان حدوده.
الإنسان الجديد: يعرف الحاجة ولا يعرف الرغبة
في العالم الجديد، يمكن للإنسان أن ينظر إلى بيت ضخم ويقول: هذا البيت يوفر مساحة أكبر من الحاجة. ثم يختار بيتًا أصغر. ينظر إلى سيارة فاخرة ويقول: هذه السيارة تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها سيارة أرخص. ثم يختار الأرخص. ينظر إلى الذهب ويقول: إنه ليس ضروريًا للبقاء. فيتركه.
لا يوجد شخص يريد أن يكون أغنى من الآخرين، لأن الرغبة في التفوق اختفت. ولا يوجد شخص يشعر بالنقص عندما يرى ما عند غيره. فتختفي طبقات ضخمة من الاستهلاك. وقد يصبح العالم أكثر كفاءة من عالمنا. لكن هناك سؤالًا آخر: هل يصبح أكثر حياة؟
حين تختفي الحروب
قد يكون العالم الجديد أكثر هدوءًا بصورة هائلة.
- لا أحد يخوض حربًا لأنه يشعر بالإهانة.
- لا أحد ينتقم لمقتل أحد أفراد عائلته.
- لا أحد يغزو بلدًا لأنه يريد المجد.
- لا أحد يقتل من أجل الكراهية.
لكن هذا لا يعني أن الصراع اختفى بالكامل. إذا احتاج مجتمع إلى مورد لا يملكه، فقد يحاول الحصول عليه من مجتمع آخر. لكن القرار لن يكون عاطفيًا. لن يكون هناك غضب أو شعارات أو أناشيد أو كراهية.
سيكون هناك حساب: كم سيكلف الصراع؟ ماذا سنحصل عليه؟ هل توجد وسيلة أفضل؟ إذا كانت الحرب غير مفيدة، فلن تحدث. وإذا كانت مفيدة من منظور البقاء، فقد تحدث. وهنا يظهر الفرق الكبير بين الإنسانين.
الإنسان القديم يستطيع أن يخوض حربًا لأنه يشعر. أما الإنسان الجديد فقد يخوضها لأنه حسب. الأول قد يكون أكثر فوضوية. لكن الثاني قد يكون أكثر برودة.
حين يختفي الحب
ربما هنا تتغير الحضارة بصورة لا يمكن تصورها. العائلة لن تختفي بالضرورة. فالإنسان يحتاج إلى التكاثر، والأطفال يحتاجون إلى الرعاية. لكن العلاقة بين الأب والابن ستصبح مختلفة جذريًا.
الأب لا يشعر بالحنان. والأم لا تشعر بالخوف على طفلها. والطفل لا يشتاق إلى والديه. الجميع يعرفون وظائفهم الاجتماعية والبيولوجية. رعاية الطفل ليست تضحية. إنها ضرورة.
وهذا الفرق يبدو بسيطًا في الكلمات، لكنه عميق جدًا. لأن الحب هو الذي جعل العلاقة البيولوجية بين الوالد وطفله شيئًا يتجاوز الوظيفة.
الإنسان لم يكتفِ بأن ينجب. لقد تعلق بمن أنجب. وخاف عليه. وحزن لفقده. وفرح بنجاحه. وضَحّى من أجله. ومن هنا تحولت الأسرة من مؤسسة للبقاء إلى واحدة من أهم التجارب الإنسانية.
ماذا يحدث للفن؟
قد تكون الإجابة أكثر قسوة هنا. الفن في جزء كبير منه ليس ضرورة بيولوجية. إذا اختفى الشعور، فما الذي يدفع الإنسان إلى كتابة قصيدة؟
- لماذا يرسم لوحة؟
- لماذا يغني؟
- لماذا يستمع إلى موسيقى لا يحتاج إليها؟
- يمكن للإنسان الجديد أن يفهم الموسيقى رياضيًا.
- يمكنه أن يعرف الترددات والإيقاعات والهندسة الصوتية.
- ويمكنه حتى أن يصنع آلات موسيقية أكثر تطورًا من آلاتنا. لكنه قد لا يرى سببًا لاستخدامها.
وهنا تظهر مفارقة شديدة القسوة: قد يصبح الإنسان قادرًا على صنع أجمل شيء في العالم، لكنه لا يشعر بالحاجة إلى صنعه.
هل تختفي الحضارة أم تتوقف عن الطموح؟
لن تنهار الحضارة بالضرورة. بل ربما تصبح أكثر استقرارًا.
- سيستمر التعليم.
- وستستمر الزراعة.
- وستستمر الصناعة.
- وستستمر الطب والهندسة.
- وستستمر المدن.
- وسيستمر البحث العلمي طالما كان مفيدًا للبقاء.
لكن ما قد يختفي هو السؤال الذي دفع الإنسان تاريخيًا إلى تجاوز حاجته:
ماذا يوجد بعد ذلك؟
- إذا كان الغذاء متوفرًا، والمسكن متوفرًا، والطاقة متوفرة، والأمن متوفرًا، فما الدافع لبناء مدينة أجمل؟
- إذا كان النظام الحالي كافيًا، فلماذا تغييره؟
- إذا كان الإنسان الجديد لا يشعر بالملل ولا الطموح ولا الفضول العاطفي، فقد تصبح كلمة «التقدم» نفسها غريبة.
قد تصل الحضارة إلى حالة مستقرة جدًا.
- لا تنهار.
- ولا تتوسع.
- ولا تحلم.
- فقط تستمر.
الطمع الذي بنى والخراب الذي صنع
من السهل أن ننظر إلى الطمع باعتباره شرًا خالصًا. لكن التاريخ أكثر تعقيدًا. الطمع صنع احتكارات واستغلالًا وحروبًا. لكنه صنع أيضًا منافسة اقتصادية، ودفع البشر إلى اختراع طرق أسرع وأرخص للإنتاج.
والرغبة في الثراء دفعت بعض البشر إلى المخاطرة والاستثمار. والرغبة في الشهرة دفعت آخرين إلى اكتشاف أشياء لم يكونوا مضطرين إلى اكتشافها. حتى الرغبة في السلطة كانت أحيانًا محركًا لبناء دول ومؤسسات ضخمة.
وهذا لا يعني أن المشاعر جيدة دائمًا. بل يعني أن المحرك نفسه يمكن أن يدفع الحضارة إلى الأمام أو إلى الهاوية. إذا أزلناه بالكامل، فقد نزيل معه الاثنين.
الخوف ليس عدوًا دائمًا
الخوف مثال آخر. الخوف جعل الإنسان يهرب من الأخطار. لكنه جعله أيضًا يبني الملاجئ، ويطور الطب، ويضع القوانين، ويبحث عن وسائل الحماية. الخوف من الموت دفع الإنسان إلى محاولة إطالة الحياة. والخوف من المستقبل دفعه إلى التخطيط. لكن الإنسان بلا خوف لن يكون شجاعًا. وهذه نقطة مهمة. الشجاعة نفسها تحتاج إلى الخوف.
فإذا لم يوجد خوف، فلن تكون هناك شجاعة. لن يكون هناك إنسان يقول: «أنا خائف، لكنني سأفعل ذلك.» سيكون هناك فقط كائن يرى المخاطر ويحسبها. وبذلك تختفي البطولة أيضًا.
وهل يختفي الشر؟
ليس بالضرورة. قد تختفي بعض أشكال الشر التي تعتمد على الكراهية والانتقام والسادية. لكن يمكن أن يبقى الفعل القاسي إذا كان منطقيًا في نظر النظام الجديد. إذا قرر مجتمع ما أن شخصًا معينًا يستهلك موارد كثيرة ولا يستطيع المساهمة، فقد يرى التخلص منه قرارًا منطقيًا.
لن يكون هناك شخص يكرهه. وهذه هي المفارقة المخيفة. الإنسان العاطفي قد يكون قاسيًا لأنه فقد السيطرة على مشاعره.
أما الإنسان بلا مشاعر فقد يكون قاسيًا لأنه لم يرَ سببًا عاطفيًا يمنعه من ذلك. لذلك لا تكفي إزالة العاطفة لصناعة الأخلاق. الأخلاق تحتاج إلى شيء آخر. إلى قيمة. إلى مبدأ. إلى تصور لما ينبغي وما لا ينبغي.
ماذا يحدث للدين والفلسفة؟
مع اختفاء الخوف والأمل والرجاء والحزن، ستتغير الأسئلة الوجودية.
الإنسان القديم يسأل:
- لماذا أموت؟
- ماذا بعد الموت؟
- لماذا أنا موجود؟
- هل لحياتي معنى؟
- هل هناك شيء أكبر مني؟
أما الإنسان الجديد فقد يقول:
- الموت توقف للوظائف الحيوية.
- الحياة استمرار للنظام البيولوجي.
- المعنى ليس ضرورة للبقاء.
ثم ينتهي النقاش. وهنا قد نكتشف شيئًا غريبًا: ربما لم تنشأ الفلسفة لأن الإنسان يعرف أكثر، بل لأنه يشعر أكثر. الإنسان لا يسأل فقط لأنه يجهل. إنه يسأل لأنه لا يستطيع أن يتقبل الجهل.
ماذا لو نظر الإنسان الجديد إلينا؟
ربما تكون هذه أقوى زاوية في الفرضية كلها. لو وجد الإنسان الجديد كتبنا وأفلامنا وحروبنا وتاريخنا، فقد يجدنا كائنات شديدة الغرابة.
- نحن نعرف أن الحرب ستقتل أبناءنا، ومع ذلك نخوضها.
- نعرف أن المال لن يجعلنا سعداء، ومع ذلك نقضي حياتنا في جمعه.
- نعرف أن الشهرة مؤقتة، ومع ذلك نطاردها.
- نعرف أننا سنموت، ومع ذلك نبني أشياء ستبقى بعدنا بقرون.
- نحب أشخاصًا قد يختفون من حياتنا.
- نحزن على أشخاص ماتوا منذ سنوات.
- نحتفظ برسائل وصور وأشياء لا قيمة مادية لها لأنها تحمل ذكريات.
- نضحي بحياتنا أحيانًا من أجل أشخاص لم نلتقِ بهم أصلًا.
بالنسبة إلى الإنسان الجديد، قد يبدو الإنسان القديم غير عقلاني تمامًا. وقد يقول: لماذا فعلتم كل هذا؟ وربما لن نستطيع إعطاءه جوابًا منطقيًا.
سنقول فقط: كنا نحب. كنا نخاف. كنا نحلم. كنا نحزن. كنا نريد. لكن هذه الإجابات بالنسبة إليه قد تكون مثل محاولة شرح اللون لشخص لم يرَ الألوان.
وهنا تنقلب الفرضية
في البداية نظن أن السؤال هو: ماذا سيحدث للإنسان إذا فقد مشاعره؟ لكن السؤال الأعمق يصبح: هل المشاعر جزء من الإنسان، أم شيء يحدث للإنسان؟ إذا كان بإمكاننا إزالة الخوف والحب والطمع والحزن والفرح، مع إبقاء العقل والجسد والذاكرة والقدرة على التفكير، فهل بقي الإنسان نفسه؟
قد يقول البعض نعم. فالمشاعر مجرد حالة بيولوجية. لكن هناك رأيًا آخر أكثر إزعاجًا: ربما العقل نفسه لم يكن ليصبح كما هو دون المشاعر.
وربما الثقافة والفن والأسرة والأخلاق والدين والاقتصاد والسياسة والحروب والاكتشافات كلها ليست طبقات أضيفت إلى الإنسان، بل نتائج مباشرة للطريقة التي يشعر بها. وبذلك لا تكون المشاعر شيئًا يملكه الإنسان.
قد يكون الإنسان نفسه هو الطريقة التي تشكلت بها تلك المشاعر داخل كائن قادر على التفكير.
فلسفة الحياة: هل البقاء كافٍ؟
في النهاية نصل إلى السؤال الذي يتجاوز الفرضية كلها. ما الغرض من الحياة؟ إذا كان الغرض هو البقاء فقط، فالإنسان الجديد قد يكون أفضل منا.
- أكثر كفاءة.
- أقل استهلاكًا.
- أقل عنفًا.
- أكثر استقرارًا.
- أقل فوضى.
لكن إذا كانت الحياة تعني أكثر من البقاء، تصبح المسألة مختلفة.
- فالفرح لا يزيد عدد الأيام.
- والحب لا يضمن النجاة.
- والفن لا يطعم الجائع.
- والذكريات لا تحمي الجسد.
- والحلم لا يرفع كفاءة الإنتاج.
ومع ذلك، نحن لا نعتبرها أشياء بلا قيمة. بل ربما نعتبرها السبب الذي يجعل البقاء نفسه يستحق شيئًا.
وهنا تصبح المفارقة الأخيرة: الإنسان الذي لا يشعر قد يكون أفضل في الحياة كعملية بيولوجية. لكن الإنسان الذي يشعر قد يكون أفضل في الحياة كتجربة. وبين الاثنين يظهر الفرق بين أن تكون حيًا، وأن تشعر بأن للحياة قيمة. فربما لم تكن مشاعر الإنسان عيبًا في تصميمه. وربما كانت، بكل تناقضاتها وأخطائها وأوجاعها، هي الشيء الذي حوّل مجرد الوجود إلى حياة.