الذكاء الاصطناعي وعالم الجن: كيف يتعامل مع ما لا يستطيع الوصول إليه؟

عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يشرح عالمًا لا يستطيع مشاهدته

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحدث عن الجن بتفصيل مذهل. يستطيع أن يستعرض ما ورد عنهم في النصوص، ويقارن بين تصورات الشعوب، ويحلل الروايات البشرية، ويفسر التجارب التي ينسبها أصحابها إليهم، بل ويمكنه أن يناقش مئات الأسئلة المتفرعة حول طبيعتهم وصفاتهم وعلاقتهم بالإنسان.

لكن هذه القدرة قد تخلق انطباعًا مضللًا: كأن الذكاء الاصطناعي يعرف الجن معرفة مباشرة.

هو لا يفعل ذلك.

الذكاء الاصطناعي لا يملك نافذة خاصة على عالم الجن، ولا حاسة تمكنه من رؤية ما لا يراه الإنسان، ولا وسيلة تقنية تسمح له بالتواصل مع كائنات غير متاحة للرصد. كل ما يفعله هو التعامل مع المعرفة البشرية المتوفرة عن هذا الموضوع، ثم تنظيمها وربطها وتحليلها وإعادة صياغتها.

وهنا تظهر واحدة من أكثر المسائل إثارة في طبيعة الذكاء الاصطناعي نفسه: يمكنه أن ينتج معرفة لغوية شديدة التفصيل عن موضوع لا يمتلك عنه تجربة مباشرة.

الذكاء الاصطناعي لا يعرف الجن، بل يعرف ما قيل عن الجن

عندما يسأل شخص الذكاء الاصطناعي عن الجن، فإن كلمة «يعرف» تحتاج إلى شيء من الدقة.

هو يعرف أن هناك نصوصًا تحدثت عنهم، وكتبًا درستهم، وثقافات ربطت بهم ظواهر معينة، وأشخاصًا قدموا شهادات وتجارب شخصية، وباحثين قدموا تفسيرات مختلفة لهذه التجارب.

لكن هذا يختلف جذريًا عن أن تكون لديه معرفة مباشرة بالموضوع.

يمكن تشبيه الأمر بشخص لم ير البحر في حياته، لكنه قرأ ملايين الكتب عنه. يستطيع أن يشرح ملوحة الماء، والمد والجزر، والتيارات البحرية، وتاريخ الملاحة، وأنواع الأسماك، وأن يكتب وصفًا أدبيًا رائعًا للمحيط.

لكن كثرة المعلومات لا تعني أنه لمس الماء.

الذكاء الاصطناعي يعمل بصورة أكثر تعقيدًا بكثير، لكنه يظل في جوهر المسألة يتعامل مع آثار المعرفة البشرية، وليس بالضرورة مع الشيء الذي تصفه تلك المعرفة.

ماذا يفعل عندما يقرأ آلاف التجارب البشرية؟

هنا تصبح قدرته أكثر أهمية.

هناك أعداد كبيرة من البشر عبر التاريخ والثقافات المختلفة وصفوا تجارب غريبة نسبوها إلى الجن أو الأشباح أو الكائنات غير المرئية. بعضهم تحدث عن رؤية أشخاص أو أشكال، وبعضهم عن أصوات، وبعضهم عن الإحساس بوجود أحد في المكان، وبعضهم عن أحداث وقعت أثناء النوم أو بين النوم واليقظة.

الذكاء الاصطناعي يستطيع التعامل مع هذه المادة بطريقة لا يستطيع الإنسان العادي القيام بها على نطاق واسع.

يمكنه مقارنة آلاف الروايات، واكتشاف الكلمات المتكررة، وتصنيف أنواع التجارب، وربطها بالزمان والمكان والثقافة، ومقارنة ما يحدث في مجتمع بما يحدث في مجتمع آخر.

وهذا يعني أنه يستطيع أن يساعد في دراسة التجربة الإنسانية حول الجن حتى لو لم يستطع الوصول إلى الجن أنفسهم.

وهنا يجب الفصل بين شيئين:

التجربة البشرية شيء، وتفسير التجربة شيء آخر.

إذا قال شخص: «شعرت بوجود أحد بجانبي»، فهذه تجربة عاشها بالفعل.

لكن تفسيره بأن الموجود كان جنّيًا هو طبقة أخرى من المعرفة.

والذكاء الاصطناعي يستطيع دراسة الطبقتين، لكنه لا ينبغي أن يخلط بينهما.

لماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي تقديم تفسيرات مختلفة للتجربة نفسها؟

لأن الموضوع يمكن أن يدخل في أكثر من إطار معرفي.

يمكن أن يتعامل معه باعتباره موضوعًا دينيًا، أو تاريخيًا، أو ثقافيًا، أو نفسيًا، أو عصبيًا، أو فلسفيًا.

فعندما يسأل المستخدم عن تجربة معينة وينسبها إلى الجن، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعرض التفسير الديني الموجود في المصادر الدينية، ثم يعرض التفسيرات النفسية أو العصبية التي تناولت تجارب مشابهة، ثم يوضح كيف فسرت ثقافات مختلفة التجربة نفسها.

هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي اختار أحد هذه التفسيرات باعتباره الحقيقة النهائية.

إنه ببساطة يضع أمام المستخدم خريطة التفسيرات البشرية المتاحة.

ولهذا فإن صياغة السؤال تؤثر كثيرًا في الإجابة.

السؤال: «ماذا تقول الثقافة الإسلامية عن الجن؟» مختلف معرفيًا عن السؤال: «كيف تفسر علوم الأعصاب التجارب التي ينسبها الناس إلى الجن؟»

وفي الحالتين يستطيع الذكاء الاصطناعي الإجابة، لأن موضوعه في الحالتين هو المعرفة التي أنتجها البشر.

المشكلة تبدأ عندما يتحول التركيب إلى ادعاء معرفة

الذكاء الاصطناعي يستطيع أحيانًا أن يتحدث بثقة شديدة.

وهنا تكمن إحدى أخطر خصائصه.

فهو قد يجمع معلومات كثيرة من مصادر مختلفة، ويرتبها في إجابة واحدة تبدو وكأنها معرفة متماسكة ومباشرة. لكن جودة اللغة لا تعني بالضرورة أن كل ما تقوله الجملة يمثل حقيقة مثبتة.

في موضوع مثل الجن تصبح هذه المشكلة أوضح.

فإذا كانت المصادر البشرية نفسها تتضمن روايات، ومعتقدات، وتفسيرات، وتجارب شخصية، ودراسات، وأساطير، فإن الذكاء الاصطناعي يستطيع تركيب كل هذه المواد في إجابة واحدة.

لكن عليه أن يميز بين:

  • ما هو نص أو اعتقاد ديني.

  • ما هو رواية بشرية.

  • ما هو تفسير ثقافي.

  • ما هو تفسير علمي.

  • ما هو ادعاء شخصي.

  • وما هو أمر ثبت تجريبيًا.

وإلا فإن اللغة السلسة قد تجعل جميع هذه المستويات تبدو وكأنها متساوية في القيمة المعرفية.

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اكتشاف شيء جديد عن الجن؟

هنا يصبح السؤال أكثر دقة.

يمكنه اكتشاف أنماط جديدة في المعلومات الموجودة.

قد يجد مثلًا أن آلاف الروايات البشرية تتشارك عناصر معينة لم ينتبه إليها أحد من قبل، أو أن وصف ظاهرة معينة يتكرر في ثقافات متباعدة، أو أن هناك علاقة بين نوع معين من التجارب وظروف محددة.

لكن هذا يظل اكتشافًا في البيانات البشرية.

أما اكتشاف خاصية جديدة للجن أنفسهم، فهذا يتطلب وصولًا إلى ظاهرة يمكن فحصها أو إلى بيانات مستقلة عن مجرد الروايات البشرية.

الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يستخرج من اللغة وحدها حقيقة مستقلة عن الواقع لم تكن موجودة في البيانات التي تعامل معها.

وهذه نقطة أساسية لفهم قوته وحدوده.

الذكاء الاصطناعي مرآة ضخمة للمعرفة البشرية

ربما يكون هذا الوصف أقرب إلى الحقيقة.

عندما نسأل الذكاء الاصطناعي عن عالم الجن، فإننا لا نسأله فقط عن الجن؛ نحن نسأله بصورة غير مباشرة عن ما عرفه الإنسان أو اعتقد أنه عرفه عن الجن.

إنه يستطيع أن يجمع لنا قرونًا من الروايات والتفسيرات في ثوانٍ.

يستطيع أن يقارن بين مجتمع يرى الظاهرة من زاوية دينية، وآخر يفسرها ثقافيًا، وثالث يربطها بالنوم، ورابع يراها تجربة خارقة.

وبهذه الطريقة يصبح الذكاء الاصطناعي أداة قوية جدًا لدراسة الإنسان نفسه: مخاوفه، وتجاربه، وتفسيراته، وما يعتبره دليلًا، وما يراه غيبًا، وكيف يحاول فهم الأشياء التي لا يستطيع تفسيرها.

لكن ماذا لو كانت هناك أشياء لا يستطيع العلم الوصول إليها؟

هنا يجب ألا نطلب من الذكاء الاصطناعي إجابة ليست لديه أدوات للحصول عليها.

إذا كان الموضوع بطبيعته خارج نطاق الرصد والقياس، فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يعوض هذا النقص بمجرد امتلاكه كمًا هائلًا من المعلومات.

فهو ليس جهاز كشف للغيب.

وكونه قادرًا على تحليل ملايين النصوص لا يحوله إلى شاهد على الأشياء التي تتحدث عنها تلك النصوص.

وهذا ينطبق على الجن وعلى أي موضوع آخر لا تتوفر عنه بيانات قابلة للتحقق.

المفارقة

المفارقة أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح أفضل من أي إنسان في الحديث عن موضوع لم يختبره أحد بصورة مباشرة قابلة للتحقق.

يمكنه أن يعرف آلاف الروايات، وأن يميز الاختلافات بينها، وأن يشرح تاريخها، وأن يقارن تفسيراتها، وأن يجيب عن أسئلة متفرعة منها.

وقد يبدو بذلك كأنه يعرف الموضوع من الداخل.

لكنه في الحقيقة يعرف الخريطة التي رسمها البشر حول الموضوع، لا بالضرورة الأرض التي تمثلها الخريطة.

وهذا هو الحد الفاصل بين الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة معرفية، وبين امتلاك معرفة مباشرة بالعالم.

في موضوع الجن تحديدًا، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون موسوعة ضخمة عن الحديث البشري حول الجن، ومحللًا للتجارب التي نسبها البشر إليهم، ومقارنًا للتفسيرات التي ظهرت عبر الثقافات والعصور.

لكن ذلك كله لا يعني أنه أصبح طرفًا في تلك التجارب، ولا أنه امتلك وسيلة مستقلة للوصول إلى عالم لا تصل إليه أدواته.

وهنا ربما تكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في مثل هذه الموضوعات: ليس في أن يخبرنا بما وراء المجهول، وإنما في أن يكشف لنا كيف تعامل الإنسان مع المجهول، وكيف صنع حوله المعرفة والتفسير والرواية.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.