من حلم الأمة الواحدة إلى انتصار الدولة والحدود والمصالح الخاصة

لم تمت القومية العربية في يوم واحد، ولم يسقط مشروعها بقرار سياسي أو بهزيمة عسكرية واحدة. ماتت ببطء، مع كل مرة اصطدمت فيها فكرة «الأمة العربية» بمصالح الدول التي قيل إنها تمثلها. ولذلك فإن السؤال الأدق ليس: لماذا فشلت القومية العربية؟
بل: هل كانت القومية العربية مشروعًا سياسيًا قابلًا للحياة منذ البداية؟
ولدت في لحظة تفكك
القومية العربية الحديثة ظهرت في زمن كانت فيه المنطقة العربية تخرج من إطار الدولة العثمانية وتدخل نظامًا جديدًا تصنعه القوى الأوروبية. وهنا يجب التمييز بين أمرين كثيرًا ما اختلطا: القومية العربية لم تكن اختراعًا بريطانيًا بسيطًا، فقد نشأت لها جذور فكرية وسياسية عربية حقيقية، لكن القوى الاستعمارية استثمرت الانقسام العربي العثماني في مشروع تفكيك الدولة العثمانية.
ثم جاءت النتيجة التي تكشف المفارقة كلها. لم يخرج العرب من الدولة العثمانية إلى دولة عربية واحدة. خرجوا إلى مجموعة من الكيانات السياسية المتفرقة. وبدل إمبراطورية متعددة القوميات والأقاليم، ظهر نظام من الدول والحدود والانتدابات ومناطق النفوذ. وهكذا وُلدت القومية العربية وهي تحمل تناقضها الأول:
كانت تريد تجاوز الحدود التي تشكلت في تلك المرحلة، لكنها نشأت وتطورت داخل هذه الحدود نفسها.
حلم الوحدة ومصلحة السلطة
رفعت القومية العربية شعارًا جذابًا: العرب أمة واحدة، وبالتالي ينبغي أن تكون لهم وحدة سياسية. لكنها اصطدمت بالسؤال الذي لم تستطع الإجابة عنه بصورة مقنعة: من سيحكم هذه الوحدة؟
فالوحدة ليست نشيدًا ولا مؤتمرًا ولا صورة زعيمين يتصافحان. الوحدة تعني نقل جزء من السلطة والسيادة والثروة والقرار من الدولة إلى كيان أكبر منها. وهنا ظهرت المشكلة. الدولة العربية التي كانت تتحدث عن الوحدة لم تكن مستعدة بسهولة للتنازل عن دولتها.
- الحاكم يريد سلطته.
- الجيش يريد مؤسساته.
- النخب تريد مواقعها.
- والدولة تريد حدودها ومواردها وتحالفاتها.
وهكذا أصبح هناك تناقض بين الشعار القومي والمصلحة السياسية للدولة.
عبد الناصر: أقوى محاولة وأوضح اختبار
كان عبد الناصر أكثر من جسّد المشروع القومي العربي سياسيًا. امتلك دولة كبيرة، وجيشًا، وشعبية عربية واسعة، وإعلامًا مؤثرًا، وخطابًا يتجاوز الحدود. وكانت الوحدة المصرية السورية الاختبار الحقيقي. لكن الجمهورية العربية المتحدة انهارت بعد ثلاث سنوات فقط. ولم يكن السبب مجرد مؤامرة خارجية أو خطأ إداري.
كانت هناك مشكلة أعمق: الوحدة السياسية لم تنتج وحدة في المصالح والسلطة والمؤسسات.
وعندما أصبحت الوحدة واقعًا، ظهرت الأسئلة التي أخفاها الخطاب الحماسي:
- من يقرر؟
- من يدير؟
- كيف توزع السلطة؟
- كيف تتعامل الدولة الأصغر مع الدولة الأكبر؟
- وماذا يحدث عندما تشعر النخب المحلية بأنها فقدت نفوذها؟
هنا ظهر الفرق بين أن يهتف الناس للوحدة، وأن يعيشوا داخل دولة موحدة.
ثم جاءت الحروب العربية العربية
لو كانت القومية العربية إطارًا سياسيًا حقيقيًا، لكانت الحروب بين الدول العربية استثناءات مأساوية داخل مشروع قائم. لكن كثرتها وطبيعتها تقول شيئًا آخر.
- مصر والسعودية في اليمن.
- العراق والكويت.
- الخلافات الخليجية.
- الصراعات العربية في لبنان.
- التدخلات المتعارضة في سوريا وليبيا واليمن.
كل ذلك لا يعني أن الدول العربية يجب ألا تختلف؛ الدول المتحالفة في أوروبا تختلف أيضًا. لكن المشكلة أن الدولة العربية تستطيع الدخول في صراع مع دولة عربية أخرى دون أن تكون هناك سلطة عربية أعلى تستطيع منع ذلك أو حتى إلزام الطرفين بمصلحة مشتركة.
وهنا يتضح أن الدولة الوطنية لم تكن مرحلة مؤقتة في طريق الوحدة. لقد أصبحت هي الوحدة السياسية الفعلية.
الجامعة العربية: تعاون بين الدول لا دولة فوقها
حتى الجامعة العربية تكشف هذه الحقيقة.
- لم تتحول إلى حكومة عربية.
- ولا إلى اتحاد سياسي.
- ولا إلى سلطة تستطيع إلزام الدول الأعضاء.
- هي إطار للتنسيق بين دول مستقلة.
وهذا مهم لأن إنشاءها لم يكن بداية طريق حتمي نحو دولة عربية واحدة، بل كان منذ البداية أقرب إلى تنظيم العلاقات بين كيانات عربية مستقلة. وهكذا بقيت الجامعة شاهدة على وجود «العالم العربي» سياسيًا، لكنها لم تستطع تحويله إلى فاعل سياسي واحد.
فلسطين: الاختبار الأخير
كانت فلسطين القضية التي يفترض أن تكون أكثر قدرة على إعادة إنتاج الوحدة العربية. لكن حرب غزة قدمت اختبارًا أكثر قسوة من الخطب والمؤتمرات. الدول العربية لم تتحول إلى طرف سياسي واحد. كل دولة تحسب أمنها وعلاقاتها وتحالفاتها واقتصادها وحدودها. ومصر، بحكم موقعها وحدودها مع غزة، أصبحت مثالًا صارخًا على الفارق بين امتلاك القدرة وبين استخدام القدرة.
إسرائيل تفرض الجانب الأكبر من منظومة الحصار، لكن مصر أيضًا قبلت أن تعمل حدودها وسياساتها ضمن منظومة جعلت الحصار قابلًا للاستمرار، بدل أن تجعل كسر الحصار قضية سيادية تتحدى بها النظام القائم.
وهذا لا يعني أن مصر تستطيع ببساطة أن تدخل حربًا مع إسرائيل أو أن تفتح الحدود دون حساب. بل يعني شيئًا أكثر تحديدًا: الدولة المصرية تصرفت كدولة لها مصالحها الخاصة، لا كجزء من سلطة عربية مشتركة. وهذا هو جوهر المسألة.
حتى باب المندب كشف التناقض
عندما أصبحت الملاحة عبر باب المندب والبحر الأحمر موضع ضغط بسبب هجمات الحوثيين المرتبطة بالحرب على غزة، لم تظهر سياسة عربية موحدة تجاه إسرائيل. ظهرت بدلًا منها حسابات الدول.
- طرق تجارية تتغير.
- بضائع تبحث عن مسارات بديلة.
- وأراضٍ عربية وموانئ عربية وشبكات نقل عربية تدخل في هذه الحسابات.
ليس المهم هنا ماذا سمت الحكومات هذه الترتيبات. المهم هو السلوك.
- اليمن استخدم موقعه الجغرافي للضغط على إسرائيل.
- ودول عربية أخرى حافظت على مصالحها التجارية وعلاقاتها الدولية.
فأين هي «المصلحة العربية العليا» التي تتقدم على مصالح الدول؟ ... لا توجد.
من «الوطن العربي» إلى «قطعة كل دولة»
هنا نصل إلى الحقيقة المرة. القومية العربية كانت تتحدث عن وطن عربي واحد. لكن الواقع السياسي اتجه في الاتجاه المعاكس تمامًا: مصر لمصر. السعودية للسعودية. الإمارات للإمارات. قطر لقطر. العراق للعراق. الأردن للأردن. وهكذا. بل إن المشكلة في بعض البلدان أصبحت أسبق من القومية نفسها. اليمن والسودان يقدمان مثالين على أن الدولة الوطنية ذاتها قد تكون غير مكتملة التماسك.
فإذا كان المشروع العربي لم يستطع جمع الدول، وفي بعض الحالات لم تستطع الدولة حتى جمع أراضيها ومراكز قوتها، فإن الحديث عن أمة سياسية عربية واحدة يصبح أكثر بعدًا. وقد نصل ساخرين إلى مرحلة يصبح فيها لكل حي دولة، ولكل دوار حكومة، ولكل شارع نقطة تفتيش. لكن خلف السخرية حقيقة ثقيلة: الحدود التي كان الحلم العربي يريد إلغاءها قد تتكاثر داخل الدولة نفسها عندما تنهار السلطة المركزية.
القومية العربية لم تعد موجودة حتى كشعار دولة
وهنا ربما يكون الدليل الأوضح على موت المشروع. لا توجد اليوم تقريبًا دولة عربية تجعل الوحدة العربية مشروعها السياسي المركزي. لم تعد هناك دولة تقول إن هدفها إلغاء الدولة الوطنية لصالح كيان عربي واحد. حتى الأنظمة التي كانت تستعمل اللغة القومية تحولت إلى خطاب آخر:
- السيادة.
- الأمن الوطني.
- التنمية.
- الاقتصاد.
- الاستثمار.
- المصلحة الوطنية.
- الشراكات الدولية.
هذه ليست مجرد مفردات جديدة. إنها نقلة في تعريف الدولة لمصلحتها. الحاكم لم يعد يقول: سأقود الأمة العربية. بل يقول: سأجعل دولتي أقوى. وهذا هو الانتصار الكامل للدولة الإقليمية على القومية العربية.
القومية العربية ماتت، لكن لماذا؟
- لأنها حاولت تحويل التشابه والروابط المشتركة إلى وحدة سياسية دون أن تمتلك بنية سياسية واقتصادية ومؤسساتية قادرة على حمل هذه الوحدة.
- ولأن الدول التي كان يفترض أن تتنازل عن جزء من سيادتها لصالح الوحدة كانت هي نفسها المستفيد الأكبر من بقاء السيادة منفصلة.
- ولأن كل دولة امتلكت حساباتها الخاصة.
- ولأن الوحدة، عندما تحولت من شعار إلى واقع، اصطدمت بمشكلة السلطة والمصلحة.
- ولأن العرب لم يجدوا مؤسسة فوق الدولة تستطيع أن تجعل «المصلحة العربية» أعلى من «مصلحة الدولة».
لهذا لم تحتج القومية العربية إلى إعلان رسمي بوفاتها.
- توقفت عن العمل.
- اختفت من برامج الحكم.
- تراجعت من الخطاب السياسي.
- وانتهت قدرتها على إنتاج قرارات مشتركة.
لكن موتها لا يعني نهاية التاريخ
هنا يجب ألا نقع في الخطأ المعاكس. موت القومية العربية لا يعني أن الحدود الحالية ستبقى إلى الأبد. فالحدود السياسية ليست قوانين طبيعية. وكثير منها تشكل في ظروف تاريخية مرتبطة بسقوط الإمبراطورية العثمانية، والاستعمار، والانتداب، وموازين القوى الدولية. لكن كون الحدود نشأت في ظروف تاريخية لا يعني أنها ستختفي تلقائيًا. لقد أصبحت لها دول ومؤسسات وجيوش واقتصادات ونخب ومصالح، وعاشت عليها أجيال.
ولهذا قد تحتاج المنطقة إلى أجيال جديدة وظروف أشد قسوة قبل أن يبدأ التفكير في تجاوزها. وقد يكون الدافع المستقبلي مختلفًا تمامًا عن قومية عبد الناصر. لن يكون: نحن عرب، إذن يجب أن نتحد. بل ربما: لقد أصبح العالم أكبر من قدرة هذه القطع الصغيرة على البقاء منفردة. عندها قد تصبح الوحدة ضرورة قبل أن تكون حلمًا.
الوحدة القادمة، إن جاءت، لن تكون قومية عبد الناصر
إذا ظهرت يومًا وحدة عربية حقيقية، فمن غير المرجح أن تولد من الخطب الحماسية أو من زعيم يعلنها.
- قد تبدأ من الاقتصاد.
- ثم الأمن.
- ثم البنية التحتية.
- ثم الدفاع.
- ثم مؤسسات مشتركة.
- ثم سيادة مشتركة في بعض الملفات.
أي أنها قد تنشأ من المصلحة إلى السياسة، لا من الشعار إلى الواقع. وعندها لن يكون السؤال: هل العرب أمة؟ بل: هل تستطيع هذه الدول أن تعيش منفردة أمام عالم يتجه إلى التكتلات والقوى الكبرى؟ وهذا سؤال مختلف تمامًا.
الخاتمة: الحلم الذي تحول إلى كابوس
ربما كانت المفارقة الأكبر في تاريخ القومية العربية أن الوحدة كانت حلمًا للشعوب، لكنها كانت في كثير من الأحيان كابوسًا للأنظمة. فالوحدة تعني أن الدولة تتنازل عن جزء من استقلالها، والحاكم عن جزء من سلطته، والنخبة عن جزء من نفوذها. ولهذا انتصر الواقع على الشعار. لم يهزم القومية العربية عدو خارجي واحد.
هزمتها الدول العربية نفسها، لأن كل دولة وجدت أن الاحتفاظ بقطعتها أكثر أمانًا من الدخول في مشروع لا تعرف من سيحكمه ولا كيف ستوزع ثماره.
وهكذا ماتت القومية العربية سياسيًا. بقيت الأغاني والذكريات والخطب القديمة، لكن المشروع الذي كان يريد تحويل العرب إلى كيان سياسي واحد لم يعد موجودًا. أما القطع المتناثرة، فليست بالضرورة نهاية القصة.
- قد تبقى قطعًا إلى الأبد.
- وقد تتفكك أكثر.
- وقد تظهر بينها تكتلات جديدة.
- وقد يأتي زمن يصبح فيه بقاؤها منفردة أكثر كلفة من اتحادها.
عندها فقط يمكن أن تبدأ قصة أخرى. ليس حلمًا عربيًا جديدًا، بل ضرورة تاريخية جديدة.